بعد النقاشات المعمقة والطويلة السرية التي أجرتها دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب منذ أشهر بين إسرائيل والولايات المتحدة ا في أعقاب الهزيمة المرة التي لحقت بإسرائيل في حربها…
بعد النقاشات المعمقة والطويلة السرية التي أجرتها دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب منذ أشهر بين إسرائيل والولايات المتحدة ا في أعقاب الهزيمة المرة التي لحقت بإسرائيل في حربها على لبنان، حول الترتيبات الجديدة التي ينبغي تنفيذها في المنطقة، لجهة ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة والتي أهمها تأمين امتدادها العضوي في الشرق الأوسط إسرائيل.
هذه النقاشات خلصت إلى عدد من النتائج التي استندت إليها واشنطن في تحركاتها السياسية الأخيرة في المنطقة وفي مقدمتها جولات رايس المكوكية في المنطقة، وكان
أهم هذه النتائج ما يمكن اعتباره بالدواعي الحقيقية لقرارات القمة العربية في الرياض، واهم هذه الدواعي
1- أن الحرب الأخيرة على لبنان والنتائج التي ترتبت عليها شكلت نقطة تحول في الرؤية الإستراتيجية لأمريكا في المنطقة، وأخطر هذه النتائج أن إسرائيل التي راهنت عليها الولايات المتحدة لعشرات السنين لا يمكن الاعتماد عليها في الوقت الحاضر، وأن هناك عجزا في القيادة السياسية والعسكرية "الشجاعة" في إسرائيل
التي لم تعد كما كانت في الماضي.
2- وعليه وضعت الإدارة الأمريكية على سلم أولوياتها في هذه المرحلة السعي لضمان الاستقرار العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وضمان استمرار بقاء إسرائيل عبر الحلول السياسية والابتعاد عن المغامرات العسكرية التي اشتهرت بها إسرائيل.
3- وهذه الرؤية التي توصلت إليها الإدارة الأمريكية مثل حجر الأساس فيها دعم ما سمي أمريكيا بالمحور المعتدل "الدول العربية المعتدلة" في الشرق الأوسط أو ما اصطلح عليه مؤخرا "بالرباعية العربية" والدفع باتجاه إقامة تطبيع جماعي مع إسرائيل.
4- ولضمان قبول وتسليم عربي بل وفلسطيني أيضا لهذه الأطروحات عملت أمريكا على إحلال السعودية مكان مصر في موقع قيادة الأمة العربية نحو تنفيذ السياسات والمخططات الأمريكية وتسويق السعودية كراعية للوفاق العربي وحامي حمى المصالح العربية وذلك عبر ترتيب مسرحية الاقتتال الفلسطيني الداخلي، والذي حسب هذا
المخطط تبين انه سيناريو مرتب له عبر إيصال الساحة الفلسطينية إلى نقطة الصدام الداخلي عبر تحريك أمريكا لأدواتها في الساحة الفلسطينية للسماح للسعودية بلعب دور المنقذ بعد الألم العميق الذي سببه الاقتتال الفلسطيني الداخلي للشارع العربي العريض، ومن هنا جاء اتفاق مكة ليكون بوابة لإدخال حماس ضمن لعبة المصالح والالتزام بالقرارات والتوجهات السعودية ولو من باب رد المعروف.
5- أما بوابة تطبيق هذه الرؤية فكانت القضية الفلسطينية التي يقوم المخطط الأمريكي لحلها على إقامة دولة فلسطينية مؤقتة يتم التفاوض بعد الإعلان عنها حول القضايا الأساسية كالقدس واللاجئين والحدود، وعدم بحث هذه القضايا في هذه المرحلة، لضمان عدم اهتزاز الساحة السياسية والحزبية في إسرائيل، في ظل الضعف
الكبير للقيادة السياسية الإسرائيلية الغارقة في الفضائح المالية والأخلاقية، وعدم التسبب في أزمات قد تؤدي إلى صعود جماعات أكثر تطرفا إلى الحكم في تل أبيب، على الأقل حتى نهاية ولاية بوش الثانية خصوصا وانه أصبح بطة عرجاء بعد فوز الديمقراطيين الكبير في مجلسي الكونجرس والشيوخ
6- لذلك رأينا أن الولايات المتحدة بنت نشاطها الدبلوماسي على تكثيف الاتصالات التي تديرها واشنطن بشكل مباشر مع أطراف عربية ومع إسرائيل، ومحاولة عقد لقاءات
فلسطينية إسرائيلية هدفها توفير الأجواء المناسبة والملائمة للدول العربية الراغبة في عقد اتفاقيات سلام دائمة مع إسرائيل.
7- إلا أن هذه التحركات كان لابد لها من غطاء مناسب، فكان ما أعلنته رايس في مؤتمرها الصحفي الأخير في تل أبيب بدعم التفاوض الإسرائيلي ـ الفلسطيني عبر لقاءات أسبوعية أو نصف شهرية بين أولمرت وعباس، إلا أن الهدف من ذلك ليس للتباحث في إقامة دولة فلسطينية بل لتوفير الغطاء السياسي لبدء خطوات التطبيع العربي مع تل أبيب.
8- أما قصة التعديلات التي طلبتها إسرائيل كشرط لقبولها بالمبادرة العربية فقد تغلبت عليها واشنطن خلال لقاءات رايس المكثفة الأخيرة مع وزراء خارجية الرباعية العربية ورؤساء أجهزة استخباراتها، وجاء هذا التغلب الأمريكي على هذه المعضلة عبر الاتفاق على هذه التعديلات المطلوبة إسرائيليا مع هذه الدول الأربع ولكن دون الإعلان عن ذلك، وباطلاع إسرائيلي.
9- ومن جملة ما تم الاتفاق عليه أن يتم دمج المبادرة العربية في خطة الانطواء وخارطة الطريق على أن تطرحها الإدارة الأمريكية كخطة سياسية جديدة للحل دون أن تطرح المبادرة العربية على قمة الرياض للتعديل ، ما دام التعديل قد اتفق عليه
مع الدول ذات العلاقة، وهذا ما عبرت عنه تصريحات رايس الأخيرة أننا لا نطالب بأي تعديلات للمبادرة العربية.
10- قمة الرياض تشكل حسب المخطط الأمريكي نقطة البدء والخطوة الأولى نحو تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، وان الرغبة العربية في حل المشكلة الفلسطينية ومساندة الفلسطينيين، سيكون الغطاء لهذا التطبيع. وبالتالي، فان قمة الرياض هي بلا شك حسب عدد من المراقبين قمة مصادرة القرار الفلسطيني المستقل لصالح القرار العربي الممثل بالمبادرة العربية التي أصبحت سقف الطموح العربي ومن بعده الفلسطيني.
11- الإدارة الأمريكية وإسرائيل تهدفان من ذلك تحقيق الهدوء التام في الساحة الفلسطينية، والعربية لتهيئة الأجواء لاستئناف الحرب على حزب الله ، فإسرائيل وكما قال احد المحللين السياسيين "حبلى بحرب"، وفضلا عن تمهيد الطريق أمام أمريكا لمحاصرة إيران وسوريا، وربما ضربهما، وبالتالي، أسندت واشنطن دور احتواء الحركات والتنظيمات الإسلامية إلى الرياض في مواجهة حزب الله وإيران، وذلك نظراً لما تحظى به السعودية من مكانة مالية وسياسية ودينية.
12- ولإخراج هذا السيناريو المسرحي الهزلي في ثوب وطني يحفظ ماء وجه الزعماء العرب بل ويظهرهم في مظهر المعادي والمخالف للإدارة الأمريكية والمطالب الإسرائيلية، فقد رأينا أن الحكام العرب ظهروا بمظهر الأبطال عبر إظهارهم تمسكهم بحق العودة، وأنهم لن يكترثوا لضغوط إسرائيل وأمريكا، وأنهم سيصرون على النص الحرفي للمبادرة العربية، وكأن هذه المبادرة تتوافق كليا مع المواقف الوطنية الفلسطينية المتمسكة بالحقوق الفلسطينية وقد لعبت وسائل الإعلام دورا مهما في تعزيز هذه الظنون من خلال إبراز الاستقلالية العربية في اتخاذ القرار.
مع ضرورة الإشارة إلى أن البند الخاص باللاجئين في المبادرة العربية لا ينص ألبته على حق العودة، بل يقفز عليه ويضعه تحت رحمة قرار مجلس الأمن 242، ويفتح المجال للتفاوض من خلال عبارة "يتفق عليه"، ثم يضيف القرار 194، بل أن البند الرابع لا يرفض التوطين للاجئين الفلسطينيين إلا في لبنان لأنه نص على " ـ ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة، وغني عن القول أن توطين اللاجئين لا يؤثر على أي دولة عربية عدا لبنان التي تتميز بفسيفساء طائفية دقيقة التوازن وأي توطين قد يخل بشكل كبير بهذا التوازن.
13- وقد فضحت مندوبة يديعوت احرنوت إلى القمة العربية، بعضا من خيوط هذا المخطط عندما كشفت عن اقتراح سعودي يطرح للمرة الأولى بتشكيل طواقم سعودية-إسرائيلية مشتركة، تعنى بعملية السلام وتدعمها لجان مساعدة متخصصة، لإنجاح أية عملية سلام
مرتقبة، وأن الرياض أبدت استعدادها، لاستضافة مؤتمر سياسي دولي، تحتضنه الرباعية الدولية، ويشارك فيه الفلسطينيون والإسرائيليون والسعوديون والخليجيون، بشرط أن يتم التحضير له جيدا، وإزالة الخلافات، لضمان نجاحه.
وأشارت يديعوت، إلى أن هناك خطة وصفتها بالسرية، ستطرح في القمة، تتحدث عن عودة اللاجئين إلى أراضي السلطة الفلسطينية، وليس إلى ديارهم، مع تحسين أوضاع اللاجئين المعيشية في الشتات، ودفع تعويضات لهم.
الأبعاد الإستراتيجية لقرارات القمة
1- نخلص إلى أن المبادرة العربية التي تستند إليها القمة، والتي يجري تصوير عدم تعديلها كما لو كان انتصاراً كبيراًً للعرب، هي بمثابة إقرار نهائي، من قبل أصحاب الحق، وبغطاء عربي رسمي بشرعية وجود إسرائيل في قلب الأمة، وتنازل من النظام العربي عن أرض فلسطين التاريخية
وهذا يمثل إقراراً عربياً رسمياً بصحة الرواية الصهيونية للصراع على فلسطين التي قامت على الظلم والإرهاب، فهو إذا استسلام رسمي بغطاء الإجماع العربي ينسف مشروعية الحق العربي والإسلامي بأي شبر من فلسطين، ويعطي الحق والمشروعية للدولة اليهودية للتشبث بالأرض ومواصلة عدوانها وأطماعها وهيمنتها في قلب الأمة.
2- إن أكثر ما كان يخيف الحلف الصهيوني الأمريكي هو البعد الإسلامي والإمكانات الإسلامية في حسابات الصراع على فلسطين، لهذا كانت السعودية هدفا وصيداً ثميناً تم جره إلى حلبة الاستسلام العربي الرسمي في الاعتراف بإسرائيل وإنهاء الصراع على فلسطين وجسر الاعتراف والتطبيع، وبالتالي تخلص الحلف الصهيوامريكي من البعد
العربي الديني الإسلامي للقضية الفلسطينية وبحضور اكبر حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين.
3- صحيح أن اتفاق مكة فتح أمام حماس أبواب الشرعية العربية بل والدولية، وشرعن وجودها على رأس سدة الحكم في أراضي السلطة، بما يعنيه ذلك من فتح الساحات الشعبية العربية أمام تحركات الممثل الفلسطيني الجديد، إلا أن الثمن يبدوا حسب هذا المخطط الرهيب اكبر من القدرة على التصديق، فحماس الإسلامية الراديكالية المقاومة استعملت كجزء من الغطاء للتنازل العربي الرسمي عن ثلثي فلسطين التاريخية لصالح إسرائيل بل وفتح أبواب العواصم العربية والإسلامية أمامها والتطبيع معها.
4- إذا كان هدف حماس البعيد من قيادتها لتيار المقاومة في فلسطين ليس من اجل تحرير فلسطين فهي تعرف أنها لا تستطيع ذلك ولكن من اجل إبقاء شعلة المقاومة متقدة في أذهان وضمير الأمة إلى حين توفر الأجواء والظروف لحرب التحرير الحقيقية، فان وجود حماس في القمة العربية التي تنازلت عبر المبادرة العربية
بالإجماع عن ثلثي فلسطين قد نسف هذا الهدف الذي عملت حماس من اجله طوال العشرين سنة الماضية.
وهذه النتيجة تضع حماس أمام امتحان غاية في الدقة والصعوبة وليس أمامها إلا النجاح فيه وإلا فستذوب في مسلسل التنازلات العربي كما ذابت فتح من قبلها، وهذا الامتحان يتمثل بمدى تمسكها بالمقاومة وعليها أن تثبت ذلك بتصعيد ملموس في عملياتها العسكرية بالتوازي التام مع تحركاتها السياسية فلسطينيا وعربيا ودوليا.
5- قرارات القمة لم تتطرق إلى انتصار المقاومة اللبنانية والتي لم يمضي عليها سوى بضعة أشهر، كما أغفلت هذه القرارات عن عمد الغرق الأمريكي الصاخب في وحل المقاومة العراقية، وعوضا عن استغلال أجواء الانتصار الذي أشاعته المقاومة في لبنان والعراق للضغط على أمريكا وإسرائيل لجهة تحقيق المصالح الفلسطينية
والعربية، قام العرب بتجيير الهزيمة الصهيوأمريكية لصالح المخططات الصهيوأمريكية، الأمر الذي ربما يمثل تهديدا لمشروعية المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان في الدفاع عن الأرض والمقدسات، خصوصا وأن العرب عرضوا المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل كخيار استراتيجي دون أن يكون له أي بديل يضغط على إسرائيل أو يدفعها لقبول المبادرة، في ظل الحديث عن الاستعداد الأمريكي لضرب إيران، بعد عزلها عن الأمة تحت دعاوى مذهبية وقومية، يجري تضخيمها خدمة لأغراض ومخططات أمريكية .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع