يسعى الصادقون والمخلصون في هذه الآمة لإحداث التغيير والإصلاح في المجتمعات العربية والإسلامية ويدفعون من أجل ذلك ثمنا باهظا فهل التغيير مفهوم قديم أم حديث وهل لعملية التغيير سنن…
يسعى الصادقون والمخلصون في هذه الآمة لإحداث التغيير والإصلاح في المجتمعات العربية والإسلامية ويدفعون من أجل ذلك ثمنا باهظا, فهل التغيير مفهوم قديم أم حديث ؟ وهل لعملية التغيير سنن وقوانين ؟وما هي المجالات التي يمكن إحداث التغيير فيها ؟ وما هي المقومات التي تقود إلى إنجاح وفاعلية عملية التغيير في المجتمعات البشرية ؟
أسئلة عديدة يمكن إثارتها حول الموضوع وحيث أن الطرح هنا ينطلق ضمن رؤية تنبع من خلال النهج والمنظومة الفكرية الإسلامية فإننا نجد أن كلمة التغيير وردت في القرآن الكريم في أربعة مواضع وما يتم التركيز عليه والانطلاق منه والانتهاء إليه هو الآية القرآنية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " هذه الكلمات الإلهية تؤسس لقاعدة ربانية مهمة ورئيسة في تحديد الملامح الفلسفية وكذلك الإستراتيجية العلمية والعملية لعملية التغيير حيث يتضح من خلالها أن هناك ثلاثة أركان رئيسية جاءت في سياق متسلسل ذو دلالات منطقية وواقعية لإحداث أي نوع من التغييرات في المجتمعات البشرية قاطبة والتي تعتبر المجتمعات الإسلامية جزءاً لا يتجزأ منها أي أنها سنة كونية عامة ولذلك فإن من المقبول والمعقول ودون تعقيدات استيعاب وفهم الواقع المعاصر من حيث التفوق الغربي غير الإسلامي على أصحاب الرسالة والقاعدة التغيرية أنفة الذكر. والتي تتضمن الركن الأول والأهم والذي بدونه لا وجود ولا قيام لحركة التغيير ألا وهو تغيير ما بالنفس وهذا ما أثبتته الدراسات الحديثة والمتعلقة بعلمي النفس والاجتماع وكذلك علوم التنمية البشرية أن الإنسان يمتلك من الطاقات والإمكانيات الكامنة ما يمكنه من تحقيق أي هدف منشود والنجاح في الوصول إلى غاياته مهما كانت .والركن الثاني هو التغيير الإلهي والذي يتوج العملية التغيرية بالركن الثالث تغيير ما بالقوم ( أي المجتمعات ) .فالترتيب الذي وردت فيه محددات عملية التغيير جاء ضمن سياق لا لبس فيه للأولويات والتي إن لم يتم أداؤها تبعا كما وردت فلن يحصل التغيير المنشود أبدا كما ويبدو جليا من هذا التتابع في آليات التنفيذ أن العملية ليست فوضوية أو عشوائية أو قائمة على ردات الفعل وإنما هي عملية إستراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطى تستند إلى سنن وقوانين شأنها شأن العلاقات الطبيعية والكونية .من استطاع سبر أغوارها وفهم أسسها فتحت له أبواب التقدم والإبداع بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم فهذه العلاقات التغيرية تعم المجتمعات البشرية ( ما بقوم ) ولم تختص بالمسلمين وحدهم.
يتضح من نص الآية الكريمة أن هناك تغييراً مناطاً بالأفراد لما بالأنفس وتغيراً مناطاً بالله جلت قدرته وهو ما بالقوم.فما الذي يجب تغييره لما بالأنفس ؟ هو بلا شك تحرير النفس من كل عقيدة أو نهج أو سلوك أو فكر وغيره مما لا ينسجم مع الفكر والمنهج الرباني والسلوك الإيماني على صعيد الروح .أما على الصعيد المادي فيأتي عبر تحريرها من الخرافات والخزعبلات والأوهام والظنون وتمرسها على التفكير العلمي المنطقي والأداء العملي المهني .
فالنصر مطلب وهدف منشود ولكن لا يمكن تحقيقه دون الأخذ بأسباب وقواعد النصر . والتقدم العلمي والتكنولوجي أمنية لن تتحقق دون بذل للجهد الذهني والمادي والتجريبي للوصول إلى القوانين والسنن التي تؤسس لهذا التقدم ومن ثم المواظبة على التجارب والتطبيقات لتحقيق النجاح من جانب واستمرارية التطوير لحصد أفضل النتائج من جانب أخر .ومن هنا يتضح أن إدراكنا لسنن وقوانين التغيير يمكننا من استيعاب التقدم العلمي الغربي والأمريكي مع أنهم غير مسلمين ولكنهم أخذوا بتغيير ما بأنفسهم من خلال التفكير العلمي الموضوعي الواقعي وأتباعه باليات عملية عن طريق إجراء البحوث والتجارب فحققوا سبقاً ونجاحات في مجالات مادية شتى – أما على الصعيد الروحي فلا _ ومن هنا تأتي خصوصية المسلمين في عملية التغيير فلا بد أن تتضمن جميع الجوانب المادية والروحية كما كان حال الصحابة والتابعين وحتى عهد غير بعيد .وذلك من خلال تغيير الأنماط الفكرية والسلوكية والأخلاقية السائدة استنادا إلى الفكر والمنهج الإسلامي والذي يمتاز بخصائص يعجز المقال عن استيعابها مثل الوسطية والموضوعية والواقعية والعلمية والعملية والمنهجية والتجديدية والربانية . فإذا أتقنا تغيير ما بأنفسنا ضمن الرؤيا الإسلامية والمنسجمة مع العصر ودون إسقاط للثوابت ـ وهذا ليس من المستحيل ولا خارج عن نطاق الطاقة البشرية والتي فطر الله الناس عليها وقد ثبت ذلك من خلال الدراسات الحديثة كما أسلفت سابقا ـ فإن التغيير الرباني لا محالة قاب قوسين أو أدنى لما تعاني منه مجتمعاتنا من ضعف وترهل وهزيمة وتخلف علمي وانفصال بين عقيدة المسلم وسلوكه وغيرها الكثير .
من خلال ما سبق ذكره نلاحظ أن هناك علاقة إستراتيجية وثيقة بين تغيير ما بالأنفس ليواكبه التغيير الرباني لما بالقوم فالأولى تقود للثانية بتأييد من الله وهي ليست عملية عكسية البتة . وهذا ينسجم تماما مع النظم والقواعد لأي تنظيم أو مجتمع . فبناء الحضارات والأمم لا يتم إلا من خلال بناء قاعدة عريضة من الأفراد _ النفوس _تؤمن بنفس المبادئ والقيم والأخلاق وتنطلق من نفس المنهجية والفكر مما يقود حتما إلى تجانس المجتمع وتناسق الأداء وبالتالي الوصول إلى التقدم والازدهار .
ولعل من الخصائص الفلسفية لعملية التغيير الإسلامية أن التبعية في الحياة الدنيا لهذه العملية جماعية فلا بد من تغيير لما بأنفس الأغلبية من الأفراد في المجتمع حتى تتغير المجتمعات بينما التبعية لها في الحياة الآخرة فردية "وكل آتيه يوم القيامة فردا " " وكل نفس بما كسبت رهينة " .
لذا فلا بد لكل مخلص صادق حريص على نهضة الأمة الروحية والمادية وتحقيق آمالها بالنصر المنشود من الأخذ بأسباب نزول الملائكة والتأييد الرباني وما هي عنا ببعيد ولنا في قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم خير نموذج ونبراس حين أراد الهجرة من مكة إلى المدينة فلم يعتمد الفوضى ولا العشوائية وإنما جاءت بعد تخطيط إستراتيجي استنفذ فيه الحبيب كل الموارد والأفكار المتيسرة في ذلك الوقت فلم يأل جهدا في الإعداد والتنفيذ ضمن حدود طاقته البشرية بما لا يتسع المجال لذكره، ويكفي أنه اتجه جنوباً لليمن بدلاً من التوجه للشمال حيث البلد المقصود المدينة المنورة . وبالرغم من ذلك وقف الأعداء بباب الغار ولم يعد للنجاة ضمن واقع المادة المجرد فرصة وارتعدت فرائص أبي بكر الصديق خوفاً على الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه فأشكل عليه في ظل غياب التوازن بين العاطفة والعقل والتي تصيب البشر جميعاً لحظة الصدمة الأولى . وإذ بالمعلم والمربي يترك لنا درساً يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان بعد استنفاذ الجهد البشري من خلال جوابه لصاحبه يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما . وهنا يرتد المشركين على أعقابهم خائبين وتتنزل الملائكة بالنصر وينهزم الواقع المادي المجرد المتمثل في غياب عوامل توازن القوى بين الطغاة الظالمين وأصحاب الحق .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع