"إسرائيل" حبلى بحرب

علي جرادات
2007-03-28

جرت واشنطن عام شامير من أذنه ورغما عن إرادته إلى مفاوضات مؤتمر مدريد كرشوة وضريبة سياسية قدمتها واشنطن للنظام العربي الرسمي مقابل تغطيتها سياسيا ومساندتها عسكريا على ضرب القوة…

 

جَرَّت واشنطن (عام 1991) شامير "من أذنه"، ورغماً عن إرادته إلى مفاوضات مؤتمر مدريد كرشوة وضريبة سياسية قدمتها واشنطن للنظام العربي الرسمي مقابل تغطيتها سياسياً، ومساندتها عسكرياً على ضرب القوة العراقية، حين أقدمت الإدارة الأمريكية على استثمار مغامرة صدام الكويتية أبشع استثمار لتحقيق مآربها الاستراتيجية في المنطقة وتعزيزها، بذريعة الحرص على سيادة واستقلال دولة الكويت.

يومها قال شامير عبارته الشهيرة "سأفاوض العرب عشرين عاماً"، وأضمر تحويل المفاوضات إلى آلية أخرى من آليات "إدارة الصراع"، والتغطية بها على تحقيق المزيد من حقائق الرؤية "الإسرائيلية" على الأرض، والمتمثلة في رفض إخلاء الجولان، والعمل على "تبليع" الفلسطينيين حل القضية الفلسطينية بصيغة "الحكم الذاتي"، وتحديداً "الحكم الإداري الذاتي" لمَن لم تتمكن آلة الحرب "الإسرائيلية" من اقتلاعهم من سكان الضفة والقطاع، ويصعب عليها ضمهم لدولة "إسرائيل" لاعتبارات عدة، أهمها مفاقمة هذا الضم في حال حصوله للمعضلة الديموغرافية المُهَدِّدة لثابت الحفاظ على الطابع اليهودي لدولة "إسرائيل"، إضافة إلى اعتبار مصاعب تجاوز حقيقة أن الضفة والقطاع أراضٍ محتلة من منظور الإجماع الدولي.

هذان الاعتباران هما ما جعلا بيغن ينتقل باكراً من الترجمات السياسية لصيغة "أين هو الشعب الفلسطيني"؟! إلى الموافقة على صيغة "الحكم الإداري الذاتي" للفلسطينيين في الضفة والقطاع خلال مفاوضات كامب ديفيد المصرية. وباختصار، بين حدَّيْ سكين الرفض "الإسرائيلي" للاعتراف بالفلسطينيين كشعب له الحق في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة ذات السيادة، وعدم القدرة على اقتلاع أو ضم مَن تبقى منهم في الضفة والقطاع، وُلِدَت صيغة الحكم الإداري الذاتي، وعليها وعندها تمترس بيغن وشامير من بعده؛ وعلى الأرض عمل الليكود منذ تسلمه للسلطة في "إسرائيل" عام 1977 على التمزيق العرضي للضفة الغربية بسيف خطة (دوبلس) الاستيطانية، بعد أن كان مزقها حزب العمل طولياً بسيف مشروع (آلون) الاستيطاني.

بعد عام من المفاوضات العبثية مع شامير، عاد حزب العمل أكتوبر/تشرين أول 1992، بقيادة رابين (ومساعدة أمريكية) للسلطة في "إسرائيل". هنا "تلحلحت" المفاوضات، وأنتجت ما سُمي بوديعة رابين حول الجولان، واختراق تقسيم الحل على الجبهة الفلسطينية إلى انتقالي ونهائي (أوسلو)، وتم تنفيذ الشق الانتقالي مع مصاعب وتعديلات وما لا يطاق من عمليات إعادة التفاوض على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه، وإرجاء مقصود واستعصاء حقيقي لمفاوضات "قضايا الوضع النهائي"، ومع المضي قدماً في سياسة فرض الحقائق "الإسرائيلية" على الأرض.

رحل رابين مقتولاً، وعاد الليكود (بعد وصلة بيربز الانتقالية) للسلطة بقيادة نتنياهو الذي، وإن لم يلغِ اتفاق إعلان المبادئ، وأعلن التزام حكومته به، غير أنه اختبأ خلف معزوفة "التبادلية"، ومارس قناعة عنصرية عنجهية تقول "بالمزيد من الضغط يرضخ العرب"، فتوقف عن مواصلة تنفيذ بنود المرحلة الانتقالية، خلا ما أقدم عليه من تمزيق لمدينة الخليل عبر اتفاق جزئي سُميَ باسمها، فأنتج بسياسته بروفة (النفق) لانتفاضةٍ كانت تلوح في الأفق، وتختمر على نار استعصاء المفاوضات وتطبيقاتها فضلاً عن تردي الحالة الاقتصادية للفلسطينيين وتكاثر عمليات الاستيطان على أرضهم تكاثراً بكتيرياً. 

ظل الحال على هذا النحو حتى عاد حزب العمل للسلطة بقيادة باراك، وكانت المحطة الكاشفة وذات الدلالات الكبيرة في مفاوضات قمة كامب ديفيد 2000، حيث اتضح بالممارسة أن ما بين "العمل" و"الليكود" من خلافات لا يصل إلى مستوى الفوارق الاستراتيجية، وتبين أنها حقاً تكتيكية يجسرها الاتفاق على رؤية تتردد عن إخلاء الجولان، وترفض الاعتراف بالفلسطينيين كشعب له حق تقرير مصير مستقل وسيادي في دولة خالية من الاستيطان بالقدس عاصمة، إضافة إلى إجماعهما مع غيرهما من الأحزاب "الإسرائيلية" على رفض حق اللاجئين في العودة وفقاً للقرار الدولي 194، بل أكثر من ذلك، فقد اتضح أن الحزبين متفقان (مع تمايزات) على

الاحتفاظ بالأحواض المائية، والإبقاء على التكتلات الاستيطانية الأساسية في الضفة الغربية وضمها ل"إسرائيل"، ورفض الانسحاب لحدود الرابع من يونيو/حزيران.

هنا تعقدت الأمور، وعاد الاستعصاء، وعلى كافة مسارات التفاوض إلى ما كان عليه قبل عام 1991، لا من الناحية السياسية فقط، بل من الناحية الميدانية (الاندحار من لبنان بدون اتفاق سياسي، واشتعال انتفاضة الأقصى) أيضاً. ولعبت مفاعيل السياسة "الإسرائيلية" الداخلية دورها، وحملت شارون إلى رأس السلطة، خاصة بعد فشل باراك في انتزاع توقيع فلسطيني على الرؤية "الإسرائيلية" لمعالجة "قضايا الوضع النهائي".

هنا "انتخى" شارون (البلدوزر) المشهود له ب"الخبطات" الاستراتيجية الخارقة لمألوف السائد، وإجبار الآخرين (الأعداء والخصوم الداخليين) على اللعب في ملعبه. وكان "زلزال" الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ضربة الحظ لشارون، فاتكأ عليه، واختلق كذبة "لا يوجد شريك فلسطيني"، وغطى بغربال هذه الكذبة "شمس" عدم وجود شريك "إسرائيلي" للتسوية السياسية، وطرح رسمياً وعلناً استراتيجية فرض الحل "الإسرائيلي" من طرف واحد، ولم يتأخر بوش عن مساندته، ليتمكن من إعادة الاحتلال الواقعي لمناطق "أ" في الضفة، وفكّ الارتباط مع غزة و"سَجَنَها" من طرف واحد، وبناء جدار الفصل المُتفق عليه بين "العمل" و"الليكود".

ولكن، وفي عزِّ تحفزه لاستكمال مخططه "بالانطواء" أحادياً في الضفة، وبعد أن خلق "كاديما" كأداة سياسية داخلية لتنفيذ هذا المخطط، غطس شارون في غيبوبته، فجاء أولمرت، وأعلن سير حكومته الائتلافية مع "العمل" على ذات المنوال، لكنه اصطدم، وتعرقل بعقبات

عقبة الفشل العسكري في العدوان على لبنان، وما أعطاه هذا الفشل لسورية من قدرة على "التنفس" و"التململ"، وهي الموجوعة باللعب الأمريكي "الإسرائيلي" في خاصرتها اللبنانية؛ وعقبة التحدي الإيراني الطموح بملفه النووي؛ وعقبة التجلي المتنامي لمصاعب السياسة الأمريكية في المنطقة عموماً، وفي العراق تحديداً.

تحت ثقل هذه العقبات وما خلقته من أزمة "إسرائيلية" داخلية، ترنح أولمرت، وأعلن أن خطة "الانطواء" "لم تعد أولوية"، والسؤال

في ضوء ما تقدم من إيجاز لكذبة "استعداد" سائد السياسة "الإسرائيلية" و"رغبته" في التسوية السياسية، وفي ضوء ما أثبته، وما ينبئ به من استمرار الرفض القيادي "الإسرائيلي" لمغادرة عقلية محاولات فرض الحلول الأمنية بديلاً للتسويات السياسية، ترى ما هي أولوية سائد السياسة "الإسرائيلية"؟!

قيل "الحرب امتداد للسياسة، ولغة عنيفة لها"، ونضيف، وتلدها في لحظة محددة ومكان معين معطيات ظرفٍ مأزوم يرفض أصحابه تغيير نهجهم السياسي الذي قاد للوقوع فيه. هنا، وإن كنا لا نريد المجازفة والتنبؤ بزمان ومكان ما ستفضي إليه "أزمة" سائد السياسة "الإسرائيلية" المدعومة أمريكياً من مغامرات عسكرية، تمليها ضرورات الخروج مما خلقته، وراكمته على مدار عقدين تقريباً (منذ عام 1991) من مآزق مستعصية، إلا أننا نستطيع ترجيح أن السياسة "الإسرائيلية" "حبلى" بحرب يشي بوقوعها غيرُ مؤشر ومؤشر، ولا يلغي هذا الترجيح ما يجري حتى الآن من ممارسة تكتيك "إدارة الأزمة"، إذ صحيح أن بمقدور هذا التكتيك تجاوز الأزمة إلى حين، لكنه لا يقوى على تجاوزها إلى ما لا نهاية، خاصة بالنظر إلى ثقل ومفصلية واستراتيجية الملفات التي تفاقم هذه الأزمة، كما لا يضعف احتمال ترجيح الحرب القول بضعف قيادة أولمرت، بل يعززه، إذ معروف ومشهود تاريخ لجوء القيادات "الإسرائيلية" إلى شن الحروب كخيار للخروج من المآزق، فضلاً عن ثبوت لجوئها لتفادي مخاطر مترتبات سياساتها العدوانية التوسعية بالاستباقي من الحروب.  

ربَّ قائل، ولكن إقدام القيادة "الإسرائيلية" على حربٍ ينطوي على تكلفة عالية وتدمير باهظ ل"إسرائيل" قبل غيرها، وهذا صحيح، ولكن جدير هنا التذكير بما كان يوماً بين عقرب وضفدع من قصة تقول

طلب عقربٌ من ضفدعٍ أن يحمله على ظهره لعبور ماء النهر، فرد الضفدع بإعلان خشيته من "لسعة" العقرب. رد العقرب لن ألسعك، لأنني إن فعلت سأغرق معك في الماء. اقتنع الضفدع وحمل العقرب على ظهره، وراح يسبح في الماء باطمئنان، لكنه تفاجأ بلسعات العقرب، وصاح يسأل

لمَ فعلْتَ ذلك؟! ألمْ تعدني بعدم اللسع؟! رد العقرب إن لم ألسعكَ فلستُ عقرباً!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026