حق العودة روح فلسطين التاريخية

حق العودة روح فلسطين التاريخية

الياس سحّاب
2007-03-25

هناك مشكلة كبرى حقيقية في سلسلة التنازلات التي مارستها بعض الدول العربية من جهة ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية في مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي خاصة في المحطات الأساسية…

 

هناك مشكلة كبرى حقيقية في سلسلة التنازلات التي مارستها بعض الدول العربية من جهة، ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة ثانية، في مسيرة الصراع العربي- "الإسرائيلي"، خاصة في المحطات الأساسية لهذه التنازلات، المتمثلة في توقيع مصر لاتفاقيات كامب ديفيد، وتوقيع الأردن لاتفاقية وادي عربة، وجلسات المجلس الوطني الفلسطيني التي اتخذت فيها قرارات تعديل ميثاق منظمة التحرير، وتوجت بالتوقيع الفلسطيني السري على اتفاقية أوسلو.

المشكلة الكبرى في هذه التنازلات، بين مشكلات عديدة أخرى، أن اهتزازاً كبيراً وتشوشاً كبيراً بدأ يزحف على تحديد الخط الفاصل بين الثوابت التاريخية التي لا يجوز التنازل عنها (كما تفعل "إسرائيل" أصلاً والحركة الصهيونية)، وبين المتغيرات التي يجوز في أي تحرك سياسي، أو مفاوضات، التنازل عنها أو عن بعضها. ولا يقتصر هذا الاهتزاز وهذا التشويش على مراكز القرار العربية والفلسطينية، لكنه يزحف تدرجاً (وهنا الطامة الكبرى) إلى وعي وفكر الجماهير العربية، وحتى إلى وجدانها، وإن كان الاهتزاز على هذا الصعيد بالذات (والحمد لله) لم يبلغ غايته الكارثية أو طريق اللاعودة.

وبما أن هذه العجالة الصحافية لا تتسع لعرض شامل لكل الثوابت التاريخية التي لا يجوز لأي مفاوض وأي ممارس سياسي العبث بها، مهما كانت الظروف، وعرض شامل آخر للمتغيرات التي يمكن للتحرك السياسي التعاطي بها وفقاً لتقلب الظروف، فإن هذه السطور مخصصة للتركيز على أكبر وأخطر وأهم هذه الثوابت، وهو حق العودة.

والدافع لهذا النقاش ليس نظرياً أو عاطفياً، لكنه دافع سياسي، بعد أن أثبتت تحركات سياسية سابقة، أننا دخلنا دائرة احتمال التفريط بسهولة بهذا الحق التاريخي الثابت الذي لا يجوز التصرف به أصلاً، حتى بمعايير القانون الدولي المجرد. وهو تفريط يجد صدى له واستعداداً جدياً في بعض الأوساط الفلسطينية (وثيقة جنيف مثلاً، والدعوات الصريحة للأكاديمي الفلسطيني سري نسيبة)، وبعض أوساط القرار العربية، التي بدأ بعضها، ومنذ مدة، يدعو علنا إلى التنازل عن حق العودة إغراء ل "إسرائيل"، وتسهيلا للأمور باتجاه حل سياسي ما.

وحتى نخرج من دائرة البلبلة والتشويش المحبطين بهذه المسألة، لا بد من التطرق إليها، ولو بإيجاز، من أكثر من زاوية، وعلى أكثر من صعيد الصعيد الحقوقي، والصعيد التاريخي، والصعيد السياسي.

أولاً الصعيد الحقوقي

لقد ثبت أن لقرارات الأمم المتحدة في الصراعات الدولية، وبالذات في الصراع العربي- "الإسرائيلي"، أهمية قصوى، بدليل أن وجود الدولة "الإسرائيلية" كله قائم في التاريخ الحديث على أساس قرار من قرارات الأمم المتحدة، هو قرار التقسيم الرقم 181. صحيح أن القرار وحده لم يكن شرطاً كافيا لقيام "إسرائيل"، لو لم تدعمه قوة أصحاب المشروع (المجتمع الدولي والصهيونية الدولية) وضعف أصحاب الأرض (العرب والفلسطينيين)، لكن تفاعل قوتهم مع ضعفنا لم يكن ليعطي ثماره الكاملة لو لم يقم على أساس قرار التقسيم.

هذه العلاقة بين قوة التنفيذ وقوة القرار الدولي هي التي فهمها الطرف الآخر في الصراع وأحسن استغلالها إلى آخر مدى، وهي نفسها العلاقة التي جهلها العرب وأهملوها إلى مدى بعيد، فاعتقدوا أن القوة الأخلاقية للقرار، كافية وحدها لصيانة الحق العربي، بمعزل عن ميزان القوى بين الأطراف المتصارعة. فلما فشلت هذه المعادلة العرجاء، فقدوا قدرتهم على التعامل مع القرارات الدولية.

لذلك، وبعد امتداد عمر الفشل العربي العام في الصراع ستين عاماً تقريباً، فقد آن للعرب (والفلسطينيين) أن يعيدوا اكتشاف قيمة التمسك بالقرارين الدوليين الأهم والأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية 181 و194، علماً بأن الأولويات السياسية تضع القرار الثاني (حق اللاجئين بالعودة) في أهمية تسبق أهمية القرار الأول، الذي يصبح بلا قيمة نهائياً، إذا تخلينا عن حقنا في القرار الثاني (حق العودة)، بينما يتحول قرار التقسيم هذا من قرار خيالي (كما يبدو الآن) إلى قرار واقعي قابل للتنفيذ، إذا تمسكنا بالتطبيق العملي الكامل لحقوقنا التي يضمنها القرار الثاني 194.

ثانياً الصعيد التاريخي

كثيراً ما نستعيد في ذكرياتنا التاريخية أن دولة الصليبيين الفرنجة في فلسطين، قد زالت أخيراً، مع أنها عمرت مائتي عام. لكن قلما ندرس الآليات التاريخية لصعود وهبوط ثم زوال هذه الدولة الدخيلة، الشبيهة كثيراً بدولة "إسرائيل" المعاصرة. علما بأن في صميم الدروس التاريخية التي يدرسها بعمق المسؤولون عن دولة "إسرائيل" (في الداخل والخارج) هذه العبر، حتى لا تدخل "إسرائيل" في سكة السيناريو القديم الذي دخلت فيه دولة الفرنجة إلى فلسطين، وصولاً إلى نهايتها المعلومة.

إن من بين عشرات العبر التاريخية للدرس القديم، بقاء نسبة كبيرة جداً من سكان فلسطين الأصليين على أرضهم، حتى بعد أن أصبحت دولة للفرنجة، بالسيطرة العسكرية والتحولات السياسية.

صحيح أن ظروفاً سياسية كثيرة وتحولات كثيرة مرت على دولة الصليبيين في فلسطين، في داخلها وفي محيطها الإقليمي والدولي، لكن ثبات العلاقة بين السكان الأصليين وأرضهم، كان العنصر الثابت عبر التحول، وكان في نهاية المطاف العنصر الثابت التي أتاح للفلسطينيين والعرب معهم، الإفادة الكاملة من تحولات العناصر المتحركة والمتغيرة في مسيرة دولة الاحتلال الصليبي.

لهذا بالضبط، هذا الإصرار الأمريكي و"الإسرائيلي"، على البحث في أي بند من بنود التسوية، عدا بند "حق العودة"، ولهذا بالضبط، لا بد للفلسطينيين والعرب، مهما دفعتهم التحولات السياسية إلى جولات كر وفر في التفاوض السياسي، أن يعتبروا حق العودة حجر الرحى في الثوابت التاريخية الأساسية التي يعتبر التنازل عنها، أو التلاعب بها حتى، تنازلاً نهائياً عن القضية برمتها، أي عن فلسطين أولاً، ثم عن قدرتهم على ممارسة استقلالهم السياسي الحقيقي كأمة وكشعوب.

ثالثاً الصعيد السياسي

يتضح من البندين السابقين، أن أضعف ما في اتفاقي السلام الموقعين من مصر ثم الأردن مع "إسرائيل"، هو أن الدولة العربية الكبرى، والدولة العربية ذات الحدود الأطول مع الكيان الصهيوني، قد منحتا "إسرائيل" ورقة الاعتراف، دون أن تنتزعا منها عملياً (ولا حتى نظرياً أو شفهياً) ورقة حق العودة للفلسطينيين الذين شردتهم العمليات العسكرية في موجتين كبيرتين عن أرضهم، في العامين 1948 ثم 1967.

أخيراً، قلما ينتبه العرب عموماً، لقلة ما يمارس حكامهم عادة صيانة وتقديس الحقوق الاجتماعية والإنسانية العامة، أننا، حتى لو وضعنا جانباً كل القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، منذ العام 1947 وإلى يومنا هذا، فإن شرعة حقوق الإنسان ووثيقة حقوق الطفل، الصادرتين عن الأمم المتحدة، تضمنان لكل طفل يولد في العالم الحق في حيازة اسم وجنسية، ولكل إنسان حق العيش في البلد الذي يولد فيه.

كل هذه حقوق بديهية، وعليها إجماع دولي من الناحية القانونية والأخلاقية، لكن مشكلتنا الوحيدة معها أنها حقوق غير مدعومة بقوة تمسك عربي (وفلسطيني) بها.

لقد مرت ستة عقود حتى الآن على الصراع، ولا أحد يمكنه التنبؤ بالمدة المتبقية من عمر الصراع. ومن المؤكد أن أمواجاً سياسية متلاطمة ستظل تضرب أرض القضية وأفرقاءها، لذلك لا بد للعرب من أن يدخلوا أخيراً في طور الوعي الجماعي لقوة "حق العودة"، والتشبث به كعنصر أساسي في تحديد مستقبل الصراع.

فإذا عاد الفلسطينيون إلى فلسطين (حتى لو حمل قسم كبير منها اسم "إسرائيل") فإن فلسطين عائدة إليهم بشكل أو آخر، طال الزمن أو قصر، ومهما تقلبت الأحوال. أما إذا تم اقتلاعهم نهائياً من فلسطين، ففلسطين ذاهبة إلى الأبد، في رحلة بلا عودة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026