يوما بعد يوم يتأكد للجميع أن تيارا ما في حركة فتح قبل اتفاق مكة على مضض بعد الضغوطات الداخلية والخارجية التي مورست عليه للقبول مبدئيا بهذا الاتفاق على أمل أن يقوم بتخريبه مستقبلا…
يوما بعد يوم يتأكد للجميع أن تيارا ما في حركة "فتح" قبِل اتفاق مكة على مضض بعد الضغوطات الداخلية والخارجية التي مُورست عليه للقبول مبدئيا بهذا الاتفاق على أمل أن يقوم بتخريبه مستقبلا خدمة لأجندته الخاصة التي تخدم المخططات الغربية.
يبدو أن حالة الهدوء التي سادت عقب توقيع هذا الاتفاق والتي تفوق بكثير ترقب الفلسطينيين إعلان حكومة الوحدة؛ لم تسر هذا التيار الذي يسعى إلى عودة الساحة الفلسطينية إلى تلك الأيام، ويعمل على إذكاء نار الفتة دعما بالسلاح والمال لأشخاص مرتزقة في عائلات معينة لإبقاء ملف الاقتتال الداخلي حاضرا وعدم طيه، وتغليفه بغلاف عشائري وعائلي، بغطاء تنظيمي.
هذا الكلام ليس نظريا بل عمليا ومن الميدان، فتصفية أربعة من خيرة قادة كتائب القسام منذ توقيع اتفاق مكة لم يكن عفويا أو حوادث طارئة بل أمرا مخططا له بعناية فائقة وذلك من حيث اختيار التوقيت والمكان والأشخاص، والإخراج.
أبو كرش، والغلبان، والكفارنة، والحداد، فدائيون من طراز خاص عجزت الطائرات الإسرائيلية الوصول إليهم بعد أن كان لهم صولات وجولات مع قوات الاحتلال في غزة، وخان يونس، وبيت حانون؛ استشهد هؤلاء الأبطال في حوادث متفرقة، خلال شهر، برصاص واحد معروف للجميع، وبأهداف معروفة، ولكن بطرق جديدة ومبتكرة.
فكل حالة من الحالات لها توقيت خاص، فأبي كرش سقط قبل ساعات من توقيع اتفاق مكة رغم حالة الهدوء والتهدئة التي كانت تسود قبيل الاتفاق، وكادت أن تعصف هذه الحادثة بالاتفاق، أما الغلبان فقتل في وقت كانت مفاوضات حكومة الوحدة تسير على قدم وساق وهناك تفاؤل كبير لإنجازها بأسرع وقت، وجاء اغتيال الكفارنة قبل لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت مع الرئيس محمود عباس، علها تقربهما من بعضهما البعض وتساعد الأخير على إقناع الأول بان يستجيب لمطالب ما، حسب التفكير القاصر لمن خطط لهذه العملية.
وكان هذا الفريق باستقبال الرئيس عباس وهو قادم إلى غزة باغتيال الحداد أملا منه أن تتفجر الأوضاع، ولا يتم الاتفاق على المسألة العالقة في مفاوضات حكومة الوحدة الوطنية إلا وهي وزير الداخلية.
ما يدلل أن عمليات الاغتيال هذه كلها كان مخطط ومدبر لها هي الإجراءات التي كان الفريق الذي يقف وراء هذه العمليات يتخذها عقب وقوع كل عملية اغتيال، حيث كان ينزل قادة هذا التيار تحت الأرض خشية تعرضهم لأي ردة فعل، فيما تركز وسائل الإعلام الممولة منهم على الردود على هذه العملية دون التطرق إليها بعينها، وعودة حواجز قوات الأمن في شوارع غزة وإعلان حالة الاستنفار فيها، واللجوء إلى المكتب المشترك والوفد الأمني المصري لوقف الأحداث التي ترتبت على كل عملية اغتيال.
عمليات اغتيال القادة الأربعة من القسام هي العمليات التي رأت النور من مخطط ذلك التيار، في حين أن هناك عمليات أخرى لم ترى النور، وعمليات كثيرة تم إفشالها كادت تزيد عدد الشهداء من قادة القسام.
الهدف بات معروفا هو تخريب اتفاق مكة والعودة إلى مربع الصفر وعدم الوصول إلى حكومة وحدة وطنية، وتصفية اكبر قدر من قادة كتائب القسام، فالمخطِط معروف والمنفذ معروف والجميع يعرف هذا الأمر، ولم يعد خافيا على الطفل الصغير في غزة أن مقتل قائد قسامي برصاص مجهولين يعني مقتله على أيدي هذا الفريق الذي يتخفى وراء هذا المسمى.
ويبدو أن ضبط النفس من قبل حركة "حماس" والتزامها الحديدي باتفاق مكة الذي لم تكن فيه آلية واضحة للتعامل مع الخروقات الكبيرة بهذا الحجم؛ شجع هذا الفريق في السير بمخططه، فلا احد يعرف من ستكون الضحية القادمة؟ وأين؟ وبأيدي من؟ أم انه ستكون هناك إجراءات تلجم ذلك التيار؟ هذه الأسئلة ستجيب عليه الأيام القليلة القادمة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع