الحالة الفلسطينية الراهنة تفرض نمطا معينا من التساؤلات ذات الخصوصية والسؤال الأكثر إلحاحا بعد طي صفحة الاقتتال الداخلي هو السؤال حول السلاح أداة الجريمة التي فقدت شرفها وفقدت…
الحالة الفلسطينية الراهنة تفرض نمطا معينا من التساؤلات ذات الخصوصية، والسؤال الأكثر إلحاحا ،بعد طي صفحة الاقتتال الداخلي، هو السؤال حول السلاح، أداة الجريمة التي فقدت شرفها، وفقدت شرعيتها في مجتمع قائم منذ أكثر من مائة عام على أساس أن شرعية السلاح مستمدة من قيمته في عملية مقاومة المحتل. والسنوات الأخيرة التي مرت على الشعب الفلسطيني أوضحت أن هناك عدة أنواع من السلاح هي
أولا سلاح السلطة، أو سلاح الدولة.
ثانيا سلاح المقاومة أو ما يعرف بسلاح التنظيمات.
ثالثا سلاح العائلات.
رابعا سلاح العصابات.
خامسا السلاح لأسباب فطرية!.
أما عن سلاح الدولة؛ فيكون هذا السلاح شرعيا إذا استمد شرعيته من الدولة والنظام، والمهمة الأساسية له هي الدفاع عن الوطن وضمان أمن المواطن، ومواجهة أية أخطار تهددهما، وأيضاَ من مسئولية هذا السلاح أن يقوم بحماية المؤسسات العامة وأملاك الحكومة من عبث المارقين والمأجورين، وألا يظهر السلاح إلا في المهام الرسمية وفي أماكن العمل، شريطة أن تكون فوهة البندقية باستمرار مصوبة إلى الأسفل أو في وجه العدو.
ولا يكون هذا السلاح شرعيا عندما تضطرب بوصلته وتتحول لتتجه إلى صدر الوطن والمواطن، أو أن يستغل لقمع الشعب والمقاومة، وينتشر في الشوارع بدون مهام رسميه، أو أن يستغل في أعمال الزعرنة والعربدة من قبل أصحاب المصالح الخاصة، ويصبح يعمل لأجندتهم وحساباتهم الخاصة، في القتل والبطش بأبناء شعبنا، أو لصالح العائلات المرتبطة سواء بشخصيات داخل السلطة أو حين تكون السلطة لها مصالح مع هذه العائلات، وهنا لابد وأن نصدع بالحقيقة المرة ألا وهي أن هذا السلاح أصبح غير شرعي.
سلاح المقاومة (سلاح التنظيمات)
ويكون سلاح المقاومة شرعياً ومفيداً حين يستخدم للدفاع عن الأرض وفي مقاومة المحتل أو صدّ أي عدوان على البلد، ويفترض ألا يظهر هذا السلاح في أي مكان عدا المهمات الجهادية ومواجهة العدو، ولا يجوز استخدامه في غير مكانه الصحيح، أما عندما يتحول لأداة قمعية تقتل وتدمر، وأن يستغل للدفاع عن مصالح التنظيم أو الحزب التابع له هذا السلاح؛ فيستخدم في الاقتتال الداخلي أو يصبح قاطع طريق يستخدم في سرقة السيارات (حتى لو وصل الأمر لقتل صاحب السيارة) أو أن يستخدم في الهجوم على المؤسسات الرسمية أو الاعتداء على الأراضي العامة باسم المقاومة أو مناصرة عائلة على أخرى، من أجل عنصر يتبع هذا التنظيم أو ذاك، أو أن يستخدم هذا السلاح في عمليات الثأر أو لإطلاق النار في الأفراح والمياتم والأعياد والمهرجانات مما نتج عنه كثير من الخوف والرعب والإزعاج للمواطنين، بل تسبب في كثير من الأحيان بوقوع إصابات وقتل بين الجماهير الموجودة في هذه الاحتفالات أو المناسبات..
عندما يحدث كل هذا فنحن مضطرون للصدع بالحقيقة المرة مرة أخرى وأن نقول أصبح هذا السلاح غير شرعي، وغير نظيف، ويحرم استخدامه بهذه الطريقة لأنه أصبح يمثل عبئا على الوطن والمواطن والمقاومة، يضر بسمعتها؛ وبذلك تكون المقاومة قد ضلت الطريق؛ وانحرفت عن مسارها ولن تحقق أي نصر أو إنجاز.
أما عن سلاح العائلات فلن يكون شرعيا في وقت من الأوقات؛ لأنه لا يوجد سبب لوجود هذا السلاح في العائلات، فهو يستخدم دائما ضد المصلحة العامة وضد العائلات بعضها البعض، ويساعد على الفرقة والتشرذم بين أبناء الشعب الواحد، ولا يأتي إلا بالويلات والمتاعب لهذه العائلات. وهناك تساؤل مشروع عن الأسباب التي جعلت العائلات تتسابق إلى اقتناء السلاح، وفي كثير من الأحيان نلاحظ أن السلطة ذاتها تقوم بدعم بعض العائلات (من خلال أبنائها المجندين في السلطة) بالسلاح تستخدمه ضد عائله أخرى، بحجة أنها تتبع تنظيم معين بدلا من أن تقوم السلطة بقمع هذه العائلة وسحب سلاحها ومنعها من ارتكاب جرائم القتل، وللأسف فإن من يدَّعون المقاومة يتبعون نفس الطريقة مع العائلات..
ولذلك فإننا نرى أن هذا السلاح أيضا هو سلاح غير شرعي ومجرم وحرام ويجب سحبه من بين أيدي حامليه.
سلاح العصابات
ومن حملة هذا السلاح تجار المخدرات وعصابات الإجرام والسطو على المنازل والسيارات والمراكز التجارية، وممن يقومون بالاعتداء على الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة والحكومية، والاعتداء على المواطنين. وكثير من هذه الحالات تنتهي بالقتل، وهذا السلاح هو سلاح محرم ومجرم ولا يمكن له أن يكون شرعيا أبدا، ويجب على الجميع (سواء السلطة أو المقاومة أو التنظيمات) أن يقوموا بسحبه من بين أيدي هؤلاء المجرمين وملاحقتهم ومحاسبتهم، وألا يتعاطف معهم أحد، حتى لا يكون شريكهم في الجرم والطغيان، وللأسف فإننا وفي ظل الفوضى والفلتان الأمني الموجود في البلد نرى أحياناً من يتعاطف مع هذه الفئات عندما يكون أحد أقارب هذا المجرم له شأن أو في مركز مسؤولية (سواء في السلطة أو من المقاومين أو في التنظيمات) فإن ذلك يساعدهم في طغيانهم ضد أبناء الشعب.
السلاح الفطري والخاص
فبطبيعتنا نحن أبناء الشعب الفلسطيني وبفطرتنا نحب السلاح ونهوى اقتناءه؛ نتيجة لطول معايشتنا للاحتلال الجاثم فوق أرضنا، وهو يمارس كافة أشكال القمع ضدنا، وبسبب الحرمان الذي عايشناه، حتى أصبح لدينا ميول لامتلاك السلاح، وهذا السلاح يمكن أن يقتنيه المواطن العادي، بشرط أن يقوم بترخيصه من الدولة بصفة شخصية، لدواعي الأمن الشخصي كأن يكون تاجراً أو رجل أعمال أو صاحب مصنع ويخاف على نفسه من الاعتداء، حينها يصبح هذا السلاح شرعياً، لكن في لحظة قد يمكن أيضاً له أن يفقد شرعيته إذا ظهر في الشارع للعربدة إذا استخدم في إطلاق النار في الأفراح والمياتم، فهنا يصبح السلاح غير قانوني ويحرم على صاحبه.
.. نعم.. إنه السلاح.. مرة جديدة.. وقد تحول من نعمة إلى نقمة، ومن رحمة إلى عذاب، حين تحول عن وجهته التي يجب أن يولي إليها وجهه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع