أسطورة على الساحة الفلسطينية تختلط الأوراق وتتضارب المشاهد على نحو يومي لكن دقق النظر وسترى أن أرييل شارون هو وحده الذي يمسك بالخيوط كلها شارون يحتفظ لنفسه بهدفين استراتيجيين…
على الساحة الفلسطينية تختلط الأوراق وتتضارب المشاهد على نحو يومي، لكن دقق النظر وسترى أن أرييل شارون هو وحده الذي يمسك بالخيوط كلها.
شارون يحتفظ لنفسه بهدفين استراتيجيين يفضل قدر الإمكان السكوت عليهما.. وهما وضع اليد الإسرائيلية على 62 في المئة من أراضي الضفة الغربية وضمها - دون ضم سكانها الفلسطينيين ما كان ذلك ممكناً وعملياً - إلى السيادة الإسرائيلية بصورة نهائية واستكمال بناء «الجدار الفاصل» والهدفان مرتبطان عضويا، فالجدار سيكون بمثابة خط حدودي إسرائيلي يأكل في مساره القرى الفلسطينية المراد ضمها بأراضيها الزراعية وغير الزراعية بعد التخلص من أهلها.
وبقدر ما يحتاج شارون إلى الإسمنت المسلح لاستكمال بناء الجدار والتوسع في المستوطنات اليهودية على أراضي الضفة فإنه يحتاج أولاً إلى الوقت والهدوء.
من هنا تنبع فكرة مشروع «إخلاء غزة» والهدف الحقيقي ليس إخلاء غزة فعلاً وإنما هو إثارة عاصفة من الجدل على الساحة الفلسطينية بين سلطة عرفات وقادة فصائل المقاومة بمشاركة أطراف عربية رسمية، فالجدل حول هذا المشروع الوهمي سوف يصرف أنظار الفلسطينيين والعالم عن المشروع الآخر الحقيقي ضم معظم أراضي الضفة إلى السيادة الإسرائيلية بعد استكمال بناء الجدار الفاصل. وهكذا تتوالى المشاهد الانصرافية وفق خطة شارونية موضوعة سلفاً.
يعقد عرفات سلسلة لقاءات مع رئيس حكومته قريع.. ويصدر بياناً يحمل تساؤلاً هل يعتبر إخلاء غزة جزءاً من خطة «خريطة الطريق» التي وضعتها أطراف دولية؟
وبينما يسكت شارون ومساعدوه عن الإجابة يأتي وفد من عاصمة عربية ليبلغ عرفات أن "إسرائيل" جادة في الجلاء عن غزة لكنها قلقة من أن السلطة الفلسطينية قد لا تكون قادرة على ملء الفراغ السلطوي الإسرائيلي في القطاع؟
ومع دخول عاصمة عربية أخرى على الخط يتفق الجميع على أن أجهزة الأمن الفلسطينية بحاجة إلى إعادة تأهيل وتجهيز للحيلولة دون سيطرة «حماس» و«الجهاد» وفصائل المقاومة الأخرى على الأمور بعد خروج الإسرائيليين.
وهل سيكون خروجاً إسرائيلياً حقيقياً؟
شارون يجيب على السؤال بما يفيد أن قطاع غزة سيكون بعد «الاخلاء» سجناً كبيراً للفلسطينيين لا خروج منه ولا دخول إليه، فالقوات الإسرائيلية سوف ترابط على ساحل القطاع بينما الطائرات المروحية سوف تكون في حالة تحليق مستديم على مدار الساعة، ولن يبقى سوى الحدود المصرية مع غزة مما يتطلب إجراء مفاوضات.
وربما يكون شارون جاداً في إخلاء غزة من المستوطنات لكن القطاع سوف يبقى قطعاً تحت الاحتلال. وتتوالى المشاهد لتتمحور حول برامج تدريب للأجهزة الأمنية الفلسطينية وتحديث أجهزتها، وهنا يتبرع البنك الدولي بالتمويل وتتطوع أطراف عربية بإرسال المدربين.
وإذا كانت هذه الأطراف تتناسى الحقيقة الماثلة على الأرض وهي أن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال فإن ما تحرص على عدم التصريح به هو أن الهدف من تجهيز الأجهزة الأمنية هو القضاء على المقاومة المسلحة. وفي هذه الاثناء ومع استمرار عاصفة الجدل المفتعل، يواصل شارون استثمار الوقت والهدوء، فالعمل في بناء الجدار الفاصل يجري على قدم وساق وقد يستكمل المشروع خلال بضعة شهور.
ويتواصل أيضا مشروع توسيع الاستيطان على أراضي الضفة، وتفيد آخر الأخبار بأن الحكومة الإسرائيلية أصدرت مناقصة لبناء 13 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة في القدس وما حولها.
وإلى أن تكتمل هذه المشروعات تمهيداً لضم 62 في المئة من أراضي الضفة إلى السيادة الإسرائيلية سوف تتوالى المشاهد الانصرافية على الساحة الفلسطينية العربية اتصالات ومشاورات تتبعها بيانات وتصريحات، حيث يختلط الخداع الدبلوماسي مع التضليل الإعلامي والتدليس التسويقي.
نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع