أسبوع واحد فقط فصل بين توقيع الفرقاء على اتفاق مكة وبين استقالة أول حكومة تشكلها حماس في التاريخ الفلسطيني الحديث حيث انطلقت مساعي تشكيل أول حكومة وحدة وطنية في التاريخ الفلسطيني…
أسبوع واحد فقط فصل بين توقيع الفرقاء على اتفاق مكة، وبين استقالة أول حكومة تشكلها حماس في التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث انطلقت مساعي تشكيل أول حكومة وحدة وطنية في التاريخ الفلسطيني أيضا، وكأننا على موعد مع أحداث تاريخية ساهمت الدماء الفلسطينية التي لونت ساحتنا الداخلية في إنضاجها.
ومنذ توقيع اتفاق مكة وحتى اليوم طفحت الصحف والمجلات والمقالات والأعمدة وحتى نشرات الفضائيات بعبارات الثناء والمديح على الاتفاق وعلى بدء أولى خطوات ترجمته على الأرض، وشهدنا موجهة مبالغ فيها من التفاؤل غير المبرر في الواقع.
إلا أنني ومن موقع المتابع لتفاصيل الحدث الفلسطيني أود إطلاق صيحة تحذير لشعبنا من هذا التفاؤل وذلك للعديد من الأسباب، نذكر منها على سبيل المثال
أولا إن إعلان اتفاق مكة لم يشمل إلا جانبا واحدا من ثلاثة جوانب بحثها وفدا فتح وحماس، حيث وكما يعلم الجميع قسم الوفدان أنفسهم على ثلاث لجان
الأولى لبحث ملف حكومة الوحدة وقد أنجزت عملها في بضع ساعات نظرا لأن الاتفاق كان منجزا قبل ذلك في حوارات الوفدين في القاهرة ودمشق.
الثانية لجنة الشراكة السياسية ولم تنجز أي شيء نظرا لأن فتح لم تكن راغبة في إعطاء أي قسم مهم من الكعكة لحركة حماس.
الثالثة لجنة إعادة إحياء المنظمة وهي أيضا لم تحرز تقدما ملموسا حيث تم الاتفاق على اللقاء نهاية الشهر لتحديد المستقلين المرشحين للمشاركة في لجنة الإحياء.
والأهم من ذلك أن الوفدين سواء عن قصد أو عن عمد اغفلا تشكيل لجنة عليا من قيادة الحركتين لمتابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتركوا ذلك لما يسمى بحسن النوايا التي لم تثبت في الماضي نجاعتها في أي موضوع ذي بال.
وعليه فقد قضمت حركة فتح -ومن منظور حزبي –جزءا كبيرا من حكومة الوحدة القادمة خصوصا بعد الاتفاق على أن يكون نائب رئيس الوزراء من حركة فتح، فيما لم تحقق حماس –ومن منظور حزبي أيضا- أي مكسب في ملفي الشراكة والمنظمة وتركت ذلك للزمن ولحسن النوايا، حيث يعلم الجميع انه يستحيل إحراز أي تقدم في ملفي الشراكة والمنظمة إذا تعطلت أو فشلت حكومة الوحدة في تحقيق ما شكلت لأجله.
ثانيا النفسية التي بدأ بها الوفدان مفاوضاتهما في مكة كانت تغلب عليها رائحة ولون الدماء التي نزفت في ساحتنا الفلسطينية والتي عبر عنها وبشكل جلي محمد دحلان حين طلب منه موسى أبو مرزوق الحديث فقال له وهل تريدون أن تسمعوا من الشيطان، ثم قال في سياق حديثه انه يعتبر حماس أكثر من عدو وأكثر من خصم حيث ذكر بحادثة مقتل أبو غريب في جباليا، ورد عليه وفد حماس مذكرين إياه بمذبحة مسجد الهداية وبجرائمه بحق حماس في الـ 96، وهي أرضية لم تكن أرضية مصالحة حقيقية بقدر ما كانت نفسية راعت خاطر السعودية والملك عبد الله الذي نجح في توظيف عبقرية المكان المطل على الكعبة المشرفة لترقيق النفوس.
وما يعزز ذلك ما نشرته صحيفة الحقيقة الدولية حول منع الملك عبد الله لدحلان من حضور حفل توقيع اتفاق مكة على خلفية المكالمة التي سجلها الأمن السعودي والتي دارت بين دحلان وبين قدورة فارس الذي كان يتحدث من الخارجية الإسرائيلية والذي نقل له غضب إسرائيل من الاتفاق حيث طمأنه دحلان بإمكانية لخبطة الأمور مرة أخرى.
ثالثا يجب أن لا يغيب عن أذهاننا توقيت الدعوة السعودية التي تزامنت مع الحفريات الإسرائيلية في باب المغاربة، ودون التشكيك في النوايا السعودية، فهل كانت السعودية تريد من الاتفاق لفت الأنظار عن الدور الإسلامي المطلوب منها حيال قضية بهذا الحجم ألا وهي قضية المسجد الأقصى..!
ويعزز هذه الشكوك قول بعض المراقبين انه ما دام الاتفاق على الحكومة كان جاهزا قبيل لقاء مشعل عباس في دمشق فلماذا لم يتم إخراج الاتفاق من سوريا أو من القاهرة، وهل للدور السعودي اثر في تعطيل أو تأجيل إعلان الاتفاق من دمشق أو القاهرة..!!
وهذا ربما يطرح تساؤلات حول المدى الذي من الممكن أن تصل إليه السعودية في دعمها لهذا الاتفاق في ظل الرفض الأمريكي المبطن لهذا الاتفاق.
خصوصا إذا ما أخذنا في عين الاعتبار عجز السعودية عن إقناع أمريكا بالمبادرة العربية التي أطلقها الملك عبد الله في قمة بيروت، فهل ستنجح السعودية في تمرير اتفاق مكة في ظل وجود حماس فيما فشلت في تمرير المبادرة العربية في ظل وجود رجل سلام الشجعان محاصرا في مقاطعته في رام الله..!!
رابعا استمرار الحفريات الإسرائيلية في باب المغاربة، والتسريبات الإسرائيلية لوسائل إعلامها أنها هدمت قبل عامين مسجدا تحت الأرض في باب المغاربة، هل هو جزء من الخطة الإسرائيلية لتفجير وإفشال اتفاق مكة وحكومة الوحدة عبر تفجير انتفاضة ثالثة تطيح بكل ما حققه الفلسطينيون خصوصا حركة حماس من اختراق عربي وإقليمي ودولي.
خامسا الموقف الأمريكي شبه الغامض من حكومة الوحدة العتيدة، فتارة تقول أمريكا انه ليس هناك حكومة بعد لنتخذ قراراً بمقاطعتها من عدمه، وتارة تقول انه من المبكر اتخاذ موقف وإننا سنحكم على الأفعال لا الأقوال، غير أن المراقبين يرجحون أن الموقف الأمريكي يتطابق مع الموقف الإسرائيلي بمقاطعة حكومة الوحدة وبإبقاء الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني حتى تعترف بشروط الرباعية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل، ويضيف المراقبون أن المماطلة الأمريكية في إعلان موقفها الحقيقي من اتفاق مكة وحكومة الوحدة هو الرغبة الأمريكية الخبيثة في امتصاص القبول والتأييد العربي والأوروبي الذي حظي به اتفاق مكة سواء من الدول العربية أو من بعض الدول الأوروبية أو من روسيا والصين، وأيضا عدم رغبة أمريكا في قول لا صريحة مدوية للنظام العربي الرسمي وخصوصا السعودية، بل تريد تجزئة اللا الأمريكية وتسحيلها باستخدام عامل الزمن، وفي الوقت نفسه المراهنة على أدواتها في الساحة الفلسطينية لإفشال الاتفاق من الداخل وإعفاء أمريكا من حرجها أمام حلفائها العرب.
أم هل تراهن أمريكا على عامل الزمن انتظارا لنجاح خططها في العراق واكتمال استعداداتها لضرب ايران خصوصا بعد الاختراق الذي حققته في الملف النووي الكوري، حيث ان أي خطوة بهذا الاتجاه ستطيح باتفاق مكة وستفرض ترتيبات أمريكية جديدة في المنطقة ليس اقلها فرض دولة فلسطينية مقطعة ذات حدود مؤقتة.
سادسا الوقائع التي صاحبت وأعقبت توقيع اتفاق مكة لا تبشر البتة بإمكانية نجاح او استمرار حكومة الوحدة، حيث تعطي هذه الوقائع انطباعا بأن الاتفاق كان مجرد استراحة محارب للعودة للجولة الثالثة من المصادمات المسلحة،ومن هذه الوقائع على سبيل المثال لا الحصر
- استمرار جناح دحلان في حشد نحو عشرة آلاف عنصر وتدريبهم ليشكلوا قوة تنفيذية خاصة بدحلان لتنفيذ وتمرير ما يريد، وقد حضر دحلان بنفسه حفل تخريج للمئات منهم الأحد الماضي في خانيونس.
- استمرار الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة والتي تأتمر من دحلان بأكبر عملية فرز أمني على أساس تنظيمي منذ تشكيل هذه الاجهزة، حيث يتم ترقين قيود كل من لم ينتم لحركة فتح من عناصر هذه الاجهزة او تحويله الى جهاز الأمن العام ليتقاضى راتبا دون ان يؤدي عملا.
- استمرار ادخال شحنات السلاح ولكن بعد تمويهها جيدا حيث تنقل في شاحنات صغيرة وعلى فترات متباعدة ودون حراسات تلفت الانتباه.
- استمرار إرسال رسائل دموية من حين لآخر وتوظيفها كشبح يلقي بظلاله على كل محاولات الاتفاق والإصلاح، ومن هذه الرسائل على سبيل المثال اطلاق النار على منزل النائب يوسف الشرافي في جباليا أكثر من مرة، وإطلاق النار على منزل وزير التخطيط ابو عيشة في الضفة وإلحاق أضرار، والاعتداء على الأستاذ الجامعي غسان ذوقان، وإطلاق النار على القوة التنفيذية في الشمال ووقوع اصابات، وإحراق سيارة لمسئول الامن الوقائي في حي الدرج والصاق التهمة بحماس، الاعتداء على مدير عام الرعاية الأولية د. علي قويدر في غزة الاحد.
سابعا وعليه وفي ظل عدم الاتفاق بين فتح وحماس على ملفي الشراكة والمنظمة وترحيلهما تحت رحمة الزمن، وفي ظل الرفض الإسرائيلي للاتفاق، وفي ظل الرفض الامريكي المموه والمتدرج للاتفاق، وفي ظل الضغط الأمريكي والإسرائيلي على ابو مازن لجهة الاستجابة لاشتراطاتهم وخصوصا لعب دور هام في الافراج عن الجندي الاسير لدى حماس من باب إبداء حسن النوايا، دون تقديم أي تسهيلات إسرائيلية لجهة كسر الحصار ما سيتسبب في استمرار الضائقة الاقتصادية والضغط الشعبي لجهة ايجاد حلول اخرى، وفي ظل العجز السعودي المتوقع عن تسويق الاتفاق وتمريره دوليا لجهة فك الحصار وكسره عربيا على الاقل، وفي ظل التحشيد والفرز التنظيمي والشرخ البنيوي الحزبي الذي تواصل الاجهزة الأمنية وحركة فتح ترسيخه في الساحة الفلسطينية، وفي ظل النفسيات المتشنجة الحاقدة التي بني عليها الاتفاق، في ظل كل ذلك سوف تعج الساحة الفلسطينية بعوامل الصدام ومقدماته التي توفرها العوامل الخارجية او الداخلية.
وفي هذا الحال ستكون الساحة على مفترق طرق سياسي اذا ما لجأ الرئيس عباس الى الشعب بخطاب يستعرض فيه كل المسيرة السابقة بمعاناتها ودمائها وباتفاقها وبحكومة الوحدة، وسيخلص إلى أن كل ذلك لم يرفع الحصار ولم ينه الأزمة ولم يحل القضية، وعليه فسيعلن اللجوء الى انتخابات مبكرة، وبهذا يضع الرئيس عباس حماس أمام خيارين أحلاهما مر
الأول ان ترفض الذهاب الى انتخابات مبكرة متحصنة بأغلبيتها الانتخابية وأكثريتها البرلمانية ومستقوية بجناحها العسكري وقوتها التنفيذية، وحينها ستغرق الساحة الفلسطينية في بحر من الدماء بتأييد ودعم أمريكي إسرائيلي لطرف على حساب الأخر، وبرضا دولي وبموافقة وصمت عربي، حيث سيكون الصراع حينها صراع بقاء سياسي.
الثاني ان تقرأ حماس دلالات ومخاطر عدم الموافقة على الانتخابات المبكرة وان تنجح في تفويت الفرصة على أمنيات الأباليس في إغراق شعبنا في دمائه، وان توافق على الانتخابات المبكرة متحصنة بالحقيقة والصراحة والشفافية، ومستقوية بالمصداقية وبدماء شهدائها خصوصا الأعلام منهم، وموظفة أجهزتها الإعلامية، ومجيشة كل عناصرها وأدواتها الدعوية.
وتدخل الساحة الفلسطينية حينها في تجاذبات واستقطابات حزبية، وقد لا تخرج فتح وحماس من هذه الانتخابات بنسبة الحسم التي تؤهل أي منهما لقيادة الشعب الفلسطيني منفردا، وعليه سنعود الى المربع الأول وهو مربع الوفاق والاتفاق الذي لن يرضي أعداءنا وهكذا وكأنه كتب على شعبنا ان يظل محاصرا محاربا منتهكا مرتهنا للأحمر والأصفر حتى يكتب الله امرا كان مفعولا.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع