بين هدنة حماس واعتراف الآخرين

بين هدنة حماس واعتراف الآخرين

أحمد سعيد
2007-02-18

أصبح من البديهي في ظل الظروف والمعطيات الحالية أن الهدنة هي أقصى ما يمكن أن تقدمه حركة حماس كبرنامج سياسي يتضمن رؤيتها لحل القضية الفلسطينية على أساس إقامة دولة فلسطينية في حدود…

أصبح من البديهي، في ظل الظروف والمعطيات الحالية، أن الهدنة هي أقصى ما يمكن أن تقدمه حركة حماس كبرنامج سياسي يتضمن رؤيتها لحل القضية الفلسطينية على أساس إقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967، بعاصمتها القدس، مع إزالة المستوطنات وحل قضية اللاجئين.

نقول هنا إن الهدنة أقصى ما يمكن تقديمه حمساوياً بسبب أن حماس كتنظيم سياسي ذي منطلقات عقائدية إسلامية، من غير المتصور، في المدى المنظور على الأقل، أن تقدم على أية خطوة أبعد من ذلك، بحسبانها مقامرة سياسية غير محسوبة العواقب، والمعطيات المتوفرة على أرض الواقع تؤكد ذلك، فالحديث الأمريكي الإسرائيلي يتمحور الآن حول الدولة المؤقتة التي يرفضها الجميع فلسطينياً، أقله حسب التصريحات المعلنة.

يميل خصوم حماس، على الساحة الفلسطينية تحديداً، إلى رمي رؤى الحركة السياسية بالضعف وعدم الواقعية على اعتبار أنه فقط إذا أُصيبت إسرائيل بالجنون يمكنها أن توافق على تلك الرؤى، فكيف لها أن تلبي كل المطالب الفلسطينية في مقابل أن يمنحها الفلسطينيون أو حماس هدنة فقط وليس اعترافاًَ؟ وهذا صحيح، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة هو أين الحل السياسي والرؤية السياسية الأكثر واقعية من ذلك؟ سنسمع سريعاً الإجابة التي تقول بأن الرؤية الواقعية هي الاعتراف بإسرائيل وبقرارات "الشرعية الدولية"، تحديداً 242 و338 القائمة على حل الدولتين.

في حقيقة الأمر إن من يقول بذلك يجافي الحقائق والوقائع والتجربة المريرة التي مررنا بها طيلة سنوات التسوية مع إسرائيل. لا نعتقد أن أحداً ما زال يصدق بأن إسرائيل على استعداد لذلك الحل الذي كان بإمكانها أن تصل له مع الزعيم الفلسطيني القوي ياسر عرفات. لقد ثبت بالدليل القاطع أن أكثر قادة إسرائيل "اعتدالاً وحمائميةً" بعيدون جداً عن ذلك الحل، وأقصى ما يمكن أن يقدموه، يقل كثيراً عن الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبله أكثر الفلسطينيين "اعتدالاً ومرونةً"، وتجربة مفاوضات كامب ديفيد 2000 ماثلة أمامنا. سيُقال، رداً على كل ذلك، لا مفر ولا مخرج ولا بديل أمامنا كفلسطينيين إلا أن نستمر بهذه اللعبة السياسية، والتي يدّعي البعض بأنها تحرج إسرائيل (في الحقيقة إسرائيل مرتاحة لتلك اللعبة، وهي غير مُحرجة لها، وتستغلها لتنفيذ ما تريد على الأرض)، وأن نستمر في إلقاء الكرة في ملعبها، ونطرح طرحاً يلاقي قبولاً من المجتمع الدولي! ونرد قائلين أوَ لم يكفهم ستة عشر عاماً من "إحراج" إسرائيل أمام المجتمع الدولي (وهو الذي يقتصر على أمريكا في نهاية المطاف)، ومن إلقاء الكرات في ملعبها الذي لم يعد يتسع لكرات الفلسطينيين؟!

ما يزيد الأمر وضوحاً أن تهرب إسرائيل من إعطاء الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية جاء تحت لافتة مخادعة وسمجة وهي عدم وجود شريك فلسطيني، ولا نريد أن نرجع إلى الوراء كثيراً في التدليل على النوايا الإسرائيلية، بل نكتفي بالإشارة إلى السنة التي قضاها أبو مازن في الحكم رئيساً قبل أن تفوز حماس      

في الانتخابات التشريعية، فماذا صنعت إسرائيل للشعب الفلسطيني ولأبي مازن الذي طالما أشادت به خلال هذه السنة؟

وقد أدى ذلك التهرب إلى اعتماد إسرائيل استراتيجية الانفصال أحادي الجانب عن الفلسطينيين، فانسحبت من غزة، وتحدثت عن انسحابات مماثلة في الضفة. والمفارقة أن اليمين الإسرائيلي هو الذي نفذ ذلك، مع أن هذه الفكرة هي يسارية المنشأ على الصعيد الإسرائيلي، وتغاير الأفكار التقليدية لليمين الإسرائيلي، الذي ينظر لأراضي العام 1967 بحسبانها جزءاً من أرض الميعاد، بل وحدث انشقاق تاريخي في هذا اليمين، تمثل بانسحاب شارون من حزب الليكود وتأسيسه لحزب كاديما. وبعد الحرب على لبنان في الصيف الفائت دار حديث عن تجميد المرحلة التالية من الانفصال الأحادي من مناطق في الضفة الغربية، وذلك بسبب التأثير العميق والكبير لتلك الحرب على السياسة والجيش في إسرائيل. ومع ذلك فقد عاد الحديث مؤخراً عن استئناف ذلك الانفصال الأحادي، من خلال طواقم من وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين، وذلك نظراً لتعزز "القناعة" لدى صناع القرار في إسرائيل من سياسيين وعسكريين بعدم جدوى أية مفاوضات مع الفلسطينيين، خاصة في الظروف الراهنة. ودعك هنا من اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية بإشراف رايس، فهي تأتي كحاجة أمريكية أكثر منها إسرائيلية أو حتى فلسطينية، وهي ذات علاقة بالمأزق الأمريكي في الإقليم أكثر من أي اعتبار آخر.

إذن لا يحق للفرقاء الآخرين أن يأخذوا على حماس عدم واقعيتها في طرحها السياسي. بل إن كل المراقبين المنصفين، من فلسطينيين وعرب وحتى من غيرهم، يجدون مطلب اعتراف حماس بإسرائيل مطلباً غير محق، وهو أقرب إلى العبث السياسي، بل وربما حتى المناكفة السياسية، منه إلى الجد والحكمة. لقد أصبح بدهياً وتلقائياً السؤال عن المقابل الذي ستمُن به إسرائيل على حماس أو الشعب الفلسطيني مقابل هذا الاعتراف،  أما الإجابة فأكثر بداهة، وهي لا شيء!

لو كانت إسرائيل على استعداد لتلبية المطالب الفلسطينية، أو أنها طولبت بذلك في مقابل حصولها على اعتراف من حماس، لربما انتقلت الكرة، عندئذ، إلى ملعب حماس، التي سيكون عليها تقديم الإجابة على هذه المسألة. ولا نعتقد أن حماس من العدمية الفكرية والسياسية، بحيث تكون هي العقبة الوحيدة في وجه ذلك الحل، إذ أنها من المرونة بحيث يمكنها اجتراح واستيلاد الصيغ السياسية لتجاوز تلك المعضلة. أما قبل ذلك فليس لأحد أن يزايد على حماس ويقدح في مرونة وواقعية رؤاها السياسية، ومن غير المفهوم أن يقدم البعض خدمة مجانية لإسرائيل من خلال ترداد سيمفونيات عن رفض حماس إقامة الدولة الفلسطينية، وأنها هي العقبة أمام ذلك لأنها، من خلال ميثاقها، ترفض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود العام 1967.

وعلى المجموع الفلسطيني، الذي يُفترض أن يتمثل الآن بحكومة الوحدة الوطنية، أن يتوجه بجهده الجمعي لتحسين الظروف الحياتية لأبناء الشعب الفلسطيني، ولتعزيز مقومات صمودهم، ورفع معنوياتهم، بالتوازي مع الضغط على كل اللاعبين المؤثرين من أجل إحقاق الحقوق الفلسطينية. وفي سبيل ذلك لا يجوز، بأي حال من الأحوال، استبعاد خيار المقاومة أو التقليل من شأنه، وهو الذي أثبت نفسه في محطات كثيرة من مراحل العمل النضالي والسياسي الفلسطيني.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026