المقاومون وعامل الاستشهاد: ضرورة المطلب وانتفاء البديل...

المقاومون وعامل الاستشهاد: ضرورة المطلب وانتفاء البديل...

هيثم أبو الغزلان
2004-05-08

المقاومون وعامل الاستشهاد المقاومون وعامل الاستشهاد ضرورة المطلب وانتفاء البديل هيثم أبو الغزلان كاتب فلسطيني

المقاومون وعامل الاستشهاد

المقاومون وعامل الاستشهاد ضرورة المطلب وانتفاء البديل...

هيثم أبو الغزلان

كاتب فلسطيني

«قتل امرئ في غابة مسألة لا تغتفر، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر».

عند كل منعطف تمر به القضية الفلسطينية، يخرج بعض المثقفين والسياسيين بدعوة إلى وقف العنف وقطع الطريق على حكومة الاحتلال الإسرائيلي كي لا توغل في حربها ضد الشعب الفلسطيني! وباتت هذه الدعوات تتكرر، ففي (19/6/2002)، أصدر عدد من المثقفين والسياسيين بياناً دعوا فيه إلى وقف العمليات العسكرية داخل إسرائيل لأنها «تزيد من أعداء السلام»، وأن استمرارها يعطي مبرراً للاستمرار في شن الحرب العدوانية ضد الشعب الفلسطيني.

وأملوا أن يراجع «الذين يقفون وراء العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين في إسرائيل حساباتهم، ويتوقفوا عن الدفع بشبابنا إلى القيام  بهذه العمليات لأنها« تكرس البغض والحقد بين الشعبين، ولا تحقق تقدما، بل تزيد من اصطفاف أعداء السلام في الطرف الآخر».

وعقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس وزعيم حركة حماس، وقّع عدد من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين على بيان يدعو إلى عدم الرد على عملية الاغتيال وتحويل الانتفاضة إلى أعمال جماهيرية سلمية.

مما تقدم يتضح أن موجهي النداءين يتجاهلون مسألتين أساسيتين

الأولى أن الاحتلال نفسه قام على العنف والإرهاب، بل ويقدسهما ضد الآخرين (الغوييم)، والدلائل التي تشير إلى ذلك كثيرة منها مجازر دير ياسين، كفر قاسم، بحر البحر، قانا، المنصوري...

الثانية أن وجود الاحتلال على الأرض الفلسطينية وجود غير شرعي، ومن حق أي شعب احتلت أرضه أن يقاوم بكل الأساليب التي يراها ناجعة. وهذا ما كفلته كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية.

ولذلك فإن وجود الاحتلال هو السبب المباشر في وجود المقاومة، ومن الطبيعي أن يكون استمراره عامل استمرار لمقاومة الشعب الفلسطيني بكل أساليب المقاومة وأشكالها المتنوعة بما في ذلك العمليات الاستشهادية التي حققت توازن رعب مع احتلال يقتل الفلسطيني ولا يجد من يردعه. فقد أفادت آخر إحصائية فلسطينية أن 651 طفلاً فلسطينياً استشهدوا خلال انتفاضة الأقصى!!.

   ويظهر من عمليات حركات المقاومة الفلسطينية أنها استطاعت أن تخلق توازن رعب، بأسلحة بدائية مقابل جيش مدجج بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا. ففي السنة الأولى من الانتفاضة، قال 50% من الاسرائيليين أنهم لم يعودوا يدخلون إلى المجمعات التجارية الكبرى في المدن (القدس، تل أبيب...)، ولا يقفون على مفارق الطرق خوفاً من العمليات الاستشهادية، أو انفجار عبوات ناسفة، ولا يسمحون لأولادهم بفعل ذلك.

   وغداة اغتيال الشيخ أحمد ياسين قال 73% من الاسرائيليين أنهم غيروا نمط حياتهم، وقللوا من الخروج إلى الأماكن العامة واستخدام المواصلات العامة. مع أن 56% قالوا أنهم أقل استخداماً للماواصلات العامة. و 65% قالوا أنهم يعانون من الخوف والقلق والإحباط والأرق، ويقول آخرون أن حذرهم المفرط قد زاد وباتو يتعمدون السفر إلى خارج "إسرائيل"، وقلصوا علاقتهم مع العرب، وباتوا يغيّرون مسارات سفرهم على الطرقات بشكل دائم، إضافة إلى ذلك تزايد الهجرة المعاكسة. ومن بين الذين تركوا اسرائيل واستقروا في الخارج

-      أرئيل وأوفير ابنا الوزير روني ميلو اللذين أصبحا من مواطني نيويورك.

-      تالي ابنة وزير الدفاع السابق بنيامين بن أليعازر، استقرت في الولايات المتحدة.

-      يوفال ابن اسحق رابين، استقر في واشنطن.

-      اوريت حفيدة مناحيكم بيغن.

-      ميتال ابنة ايهود باراك.

-      ايغال بن موشي ارينز.

-      ألون حفيد ديفيد بن غوريون ...

أما من الناحية الاقتصادية فإن الخسائر الاسرائيلية حسب صحيفة معاريف فقد بلغت 30 مليار شيكل، أي حوالي سبع مليارات دولار أمريكي، أي ضعف المساعدات المالية والعسكرية التي تتلقاها إسرائيل من أمريكا.

   وهنا لا بد من طرح سؤال شديد الأهمية، ما الذي يدفع الشباب الفلسطيني إلى تنفيذ عمليات استشهادية ؟

   إن الظاهرة الوحيدة التي من الممكن الاستناد إليها، وتعبر بشكل دقيق عن هذا الفعل هي وصايا الاستشهاديين، يقول الاستشهادي أكرم النبتيتي في وصيته "لم أقدم على هذا العمل الا بدافع الانتقام لدماء شعبنا التي تراق كل يوم بل كل ساعة بفعل الحقد الشاروني والجيش الذي لا يرحم نساءنا ولا شيوخنا، ولا أطفالنا ودفاعاً عن حقنا في العيش بحرية وكرامة فوق أرضنا الطاهرة .. إننا لا نهوى الموت، ولكن دفاعاً عن شرفنا، وعن أرضنا ومقدساتنا نقدم أرواحنا رخيصة في سبيل الحصول على أمن وحرية وسلامة أرضنا وشعبنا ..". ويقول الاستشهادي هزاع الغول "ما أجمل أن أكون الرد لتكون عظامي شظابا تفجر الأعداء ليس حباً في القتل ولكن لنحيا كما يحيا الناس.. فنحن لا نغني أغنية الموت بل نتلو أناشيد الحياة، ونموت لتحيا الأجيال".

   وعلى ما تقدم فإن الاستشهاديين ومن خلال وصاياهم يتضح أنهم اختاروا هذا الطريق من أجل

تحرير الأرض والدفاع عن الحرمات والتخلص من ظلم الاحتلال وإجراءاته التعسفية، وذلك بدافع قوة العقيدة التي تخض على محاربة الغزاة.

   وأظهرت دراسة لمجموعة خبراء إسرائيليين في علم النفس حول سيكولوجية الاستشهاد لدى الإنسان الفلسطيني أن استخدام الجيش الاسرائيلي لجميع وسائل العنف كالقصف والقتل وهدم المنازل وإغلاق الطرق وإبعاد المواطنين والحصار وسياسة تكسير العظام، حافزاً يزيد من نسبة الراغبين في رفع الظلم عن أبناء شعبهم. وتضيف الدراسة أن الإنسان بطبعه حريص على الحياة وليس على افنائها، وأن الإعلام  الغربي والإعلام الإسرائيلي خصوصاً يدعي بأن الإنسان الفلسطيني لا يعطي الحياة أية قيمة، وأن لديه دافعاً للتخلص منها نتيجة الإحباط واليأس والحياة الضاغطة وهو ما يعرف بقيمة الحياة السلبية. وخلصت الدراسة إلى أن "قتل الذات لا يرجع بالضرورة إلى رضى أو اكتئاب أو عجز أو حرمان، ودللوا على ذلك بدراسة أجراها باحث أمريكي يدعى (بيل) في العام 1998 وأجراها على تسعة استشهاديين من قطاع غزة وأظهرت أن معظم الاستشهاديين يتصفون بالجد والطموح، والتعاون وحب الحياة والعمل، وهم لم يشربوا الكحول أو المخدرات، ولم يشارك أي منهم في سلوك مضاد للمجتمع كالعنف والسرقة أو الهروب من المدرسة".

   وفي دراسة اسرائيلية أخرى نشرتها صحيفة يديعوت أحرنوت جاء فيها إن 47% من الاستشهاديين هم من ذوي التعليم الأكاديمي، وأن 29% من ذوي التعليم الثانوي، و24% أنهوا تعليمهم الابتدائي، وأن 17% متزوجون، و83% غير متزوجين، وتتراوح أعمار 64% منهم بين (18- 22)، و(36%) بين (30-32) عاماً.

   كما أظهرت دراسة أخرى أجراها علماء نفس في الجيش الإسرائيلي، أن الاستشهاديين أشخاصاً عاديون جدا، وأن دافعهم للاستشهاد هو دافع أيديولوجي، وأنهم لا يتحدرون من أسر فقيرة بالضرورة.

  وعلى هذا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه متى توقّف الجيش الإسرائيلي عن ممارسة عنفه وبطشه ضد الشعب الفلسطيني ؟ وهل يقابل العنف بمزيد من الرضوخ أم بمزيد من المقاومة؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026