"أحصنة طروادة" والفتـنة..!!

أ. عادل أبو هاشم
2004-05-04

أحصنة طروادة والفتنة عادل أبو هاشم تعد ظاهرة تصفية المتعاونين مع الإحتلال الإسرائيلي على يد شباب الانتفاضة والتي أطلق عليها عدالة الشارع من أخطر الظواهر التي تنامت في خط مواز…

New Page 2

"أحصنة طروادة" والفتـنة..!!

عادل أبو هاشم

تعد ظاهرة تصفية المتعاونين مع الإحتلال الإسرائيلي على يد شباب الانتفاضة والتي أطلق عليها "عدالة الشارع" من أخطر الظواهر التي تنامت في خط مواز لتنامي الانتفاضة الفلسطينية الأولى ( 1987- 1994)، وهزت الساحة الفلسطينية وأحدثت فيها إرباكات حادة ، وهي من أكثر القضايا التي حاول العدو الإسرائيلي استغلالها سياسيـًا وإعلاميـًا سواء على الصعيد المحلي أو الدولي لتشويه حركة الانتفاضة الشعبية والصاق تهمة الإرهاب والوحشية بالجماهير الفلسطينية المنتفضة.

وقد نشط الساسة الإسرائيليون في الاسترسال بالحديث عن الفلسطينيين الذين يقتلون بعضهم البعض، وقامت وسائل الاعلام الاسرائيلية بمنح هذه القضية تغطية واسعة ومن وجهة نظر أحادية لحاجة في نفس يعقوب ،وكان للتلفزيون الإسرائيلي حظ الأسد في هذا المجال من خلال لقاءاته التي كان يجريها مع بعض عائلات الأشخاص الذين تم قتلهم على خلفية الاشتباه بتعاونهم مع سلطات الاحتلال.

لقد أثارت عمليات قتل المواطنين الفلسطينيين تحت ستار اتهامهم بالتعاون مع قوات العدو الاسرائيلي ردود فعل متباينة في الوسط الفلسطيني قبل أن تتحول إلى قضية تستغلها وسائل الإعلام المعادية، لأن المجتمع الفلسطيني ذو بنية عائلية، ويضع في مقدمة مبادئه قضية الشرف الوطني والخلقي، ويعتمد في مسيرته النضالية على دعائم التعاضد والوحدة والالتحام، وهي أمور سعى ويسعى الاحتلال الإسرائيلي للنيل منها، وخلق الفتن والصراعات بين الشعب الفلسطيني عن طريق استثمار قضية تصفية المتعاونين في ضرب الوحدة الوطنية.

في تلك الأثناء دعت القيادة الفلسطينية إلى وقف تصفية المشتبه بتعاونهم، ووجدت الدعوة صداها في بيانات القيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة لكنها لم تجد صداها على الأرض واستمرت عملية القتل ..!

وتمت صياغة ميثاق شرف تعتمده كل القوى الوطنية والاسلامية يدعو إلى وقف كل عمليات القتل والاختطاف المأساوية بكافة أشكالها، واعادة تقويم المظاهر السلبية لاسيما عمليات القتل التي طالت الكثيرين من الفلسطينيين ومنهم من لا يستحقون القتل.

وبعد قيام السلطة الفلسطينية، وافراج العدو الإسرائيلي عن بعض المعتقلين، ومنهم من اتهم بقتل متعاونين مع الاحتلال ، تعرض بعضهم إلى عمليات قتل من عائلات المتعاونين، فقامت السلطة بتسليح المعتقلين الذين أفرج عنهم لمواجهة عائلات المتعاونين!

وطالبنا أكثر من مرة بأنه ليس المطلوب تسليح المعتقلين المفرج عنهم لمواجهة الأهالي المسلحين بالأساس، بل المطلوب وثيقة شرف تتضمن أسماء الذين قتلوا على أيدي فلسطينيين وتقديم قاتليهم للمحاكمة العلنية لمعرفة الأسباب والدواعي والظروف التي تمت فيها عمليات القتل، وهل كان ما فعله الشخص يستحق القتل أم لا؟ فإذا كان الشخص المتهم بالتعاون مذنبـًا فقد نال عقابه، وإذا تبين العكس فيجب معاقبة قتلته الذين أخذوا دور الوكيل العام والمحامي والقاضي والجلاد في نفس الوقت!

ولم تستجب السلطة الفلسطينية لأي من المطالب التي نادت بإعادة الاعتبار لبعض الذين قتلوا على خلفية الاشتباه بتعاونهم مع العدو الإسرائيلي، وكأن لسان السلطة يقول (أن كل من مات كان يجب أن يموت..!).

وفي ظل انتفاضة الأقصى والاستقلال الحالية، والقتل اليومي والمنهجي لأبناء الشعب الفلسطيني، واقتحام الأراضي الفلسطينية واعادة احتلالها، والتصعيد الإسرائيلي الخطير المتمثل في حرب تدمير المخيمات وسقوط هذا العدد الهائل من الشهداء يوميـًا، وعمليات الاغتيال التي طالت قادة وكوادر فصائل المقاومة والتي كان آخرها اغتيال "أسد فلسطين" المجاهد والقائد الرمز الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ومن قبله اغتيال "شيخ الجهاد الفلسطيني" الشيخ أحمد ياسين كثر الحديث عن العملاء الذين أصبحوا "أحصنة طروادة" في المجتمع الفلسطيني، وحول مطالبة السلطة الفلسطينية بضرورة فتح ملف هؤلاء العملاء، وتقديمهم للمحاكمة.

وشكلت بعض فصائل المقاومة "مجموعات" لملاحقة العملاء وتصفيتهم بعد اتهام السلطة بالتهاون في فتح ملف العملاء، بل والتغاضي عن ملاحقتهم..!!

بعد مراجعة دقيقة لأعمار العملاء الذين ألقي القبض عليهم نجد أن معظم أعمارهم لم تتجاوز العشرين عامـًا.! فكيف استطاع العدو الإسرائيلي أن يسقط هؤلاء في العمالة في ظل وجود العديد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يجب أن تكون أحد أهدافها هو حماية البيت الفلسطيني من الداخل والقضاء على ظاهرة العمالة، والقضاء على "الفتنة" التي يحاول العملاء إثارتها في المجتمع الفلسطيني؟! وكيف سقطت القيم والقدوة الحسنة في نظر هؤلاء العملاء وفضلوا التعاون مع العدو في قتل أبناء شعبهم؟! وأي مبررات كافية لقيام ابن الوطن بتسهيل مهمات العدو الصهيوني على ارتكاب أبشع المجازر والمذابح بحق أبناء وطنه؟

"قبل سنوات من أوسلو أعلن صلاح خلف ( أبو إياد ) بأن أكثر ما يخشاه على المستقبل الفلسطيني أن يأتي يوم وتصبح الخيانة فيه وجهة نظر ..!!".

بالرجوع إلى الأسباب الحقيقية للفتنة التي يحاول العملاء زرعها في المجتمع الفلسطيني، نكتشف العديد من الظواهر الغريبة التي جلبتها اتفاقية أوسلو

عندما نكتشف وجود بنود سرية في اتفاقية أوسلو المشؤومة تمنع السلطة من محاسبة العملاء، بل وادخالهم في الأجهزة الأمنية .. فهذه هي الفتنة ..!

"كشف اللواء موسى عرفات مدير الاستخبارات العسكرية الفلسطينية في سبتمبر 2002م عن اعتقال شبكة من أخطر العملاء في الضفة وغزة معظمهم من العسكريين في أجهزة السلطة نفذوا وساعدوا بتـنفيذ العديد من عمليات الاغتيال في الضفة الغربية"

عندما يعلن قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية بأن أسماء وأماكن العملاء معروفة لديهم، ولا يحركون بعد ذلك ساكنـًا أمام جرائم هؤلاء العملاء .. فهذه هي الفتنة ..!

عندما يقوم بعض المتنفذين والمنتفعين في السلطة بعملية غسيل وتبييض للعملاء، وادخالهم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية .. فهذه هي الفتنة ..!

"مسؤول أمني اعترف بأن رائد اللفتاوي الذي علق المواطنون جثته في ساحة المنارة في رام الله في مارس 2002م يعمل في الأجهزة الأمنية في رام الله وهو الذي سلم سيارة إسرائيلية إلى مهند أبو حلاوة ورفاقه بناء على تعليمات من المخابرات الإسرائيلية بعد أن رشها اللفتاوي بمادة كيميائية سهلت على الطائرات الإسرائيلية قصفهم .!".

عندما يكثر الحديث عن وجود المئات من الذين قتلوا في الانتفاضة الأولى على قضية الاشتباه بتعاونهم مع الموساد الإسرائيلي بأنهم أبرياء دون محاكمة قتلتهم .. فهذه هي الفتنة ..!

"حدثت في مدينة خان يونس قبل ثلاثة أعوام اشتباكات عنيفة بالأسلحة وسقوط عدد من القتلى والجرحى على خلفية قتل أحد المشتبه بتعاونهم مع العدو الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى".

عندما تفشل الأجهزة الأمنية في افشال أي عملية إسرائيلية واعتقال أيـًا من العملاء الذين ساهموا في اغتيال كوادر وقادة الانتفاضة قبل الاغتيال .. فهذه هي الفتنة ..!

"اعتقلت قوات الأمن الفلسطينية العميل أكرم الزطمة الذي تسبب في اغتيال قائدي كتائب شهداء الأقصى جهاد العمرين وكتائب عز الدين القسام القائد صلاح شحادة وحكمت عليه بالإعدام ولم ينفذ الحكم إلى الآن"..!!

عندما يصدر حكم محكمة أمن الدولة الفلسطينية على أحد عملاء العدو، والذي ساهم في قتل اثنين من كوادر حركة فتح وجرح سبع وعشرين من المواطنين بالسجن بدلا من الإعدام .. فهذه هي الفتنة ..!

" أصدرت محكمة أمن الدولة الفلسطينية في مدينة نابلس قبل ثلاثة أعوام حكمـًا بالسجن المؤبد على ثائر وليد جابر بعد اعترافه بتقديم معلومات للمخابرات الإسرائيلية ساعدتها في إغتيال اثنين من كوادر حركة فتح وإصابة 27 مواطنـًا فلسطينيـًا آخر!

ويطرح السؤال التالي نفسه

لماذا لا تفتح السلطة الفلسطينية ملف هؤلاء العملاء الذين يعيثون فسادًا في داخل البيت الفلسطيني، وتحقيق المطلب الشعبي بالضرب بيد من حديد على كل هؤلاء الخونة والعملاء؟

قد تكون الاجابة عند الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي أهملت قضية المتعاونين مع العدو الإسرائيلي طوال العشر سنوات الماضية من عمر السلطة، وانتبهت لقضايا التنسيق الأمني الفلسطيني- الإسرائيلي، وما تبع هذا التنسيق من أمور لا مجال لذكرها الآن ..!

ونتساءل بمرارة لماذا ظهرت "ظاهرة العملاء" بوضوح شديد بعد دخول السلطة الفلسطينية إلى الأراضي المحررة؟ مع العلم أن هذه الظاهرة قد تم القضاء عليها في الانتفاضة الأولى منذ عام 1987 إلى عام 1994، حيث هرب قسم منهم إلى داخل إسرائيل والباقي ذهب إلى المساجد لإعلان التوبة.

هل كان لتصاعد الحس الوطني ومشاركة الشعب الفلسطيني بكل شرائحه في فعاليات الانتفاضة الأولى سبب في القضاء على ظاهرة العملاء؟

وإذا كان كذلك فهل أفرزت عملية التسوية التي أطلق عليها زورا وبهتانـًا "عملية السلام" حالة من تقبل الشارع الفلسطيني لإمكانية التعاطي مع العدو الإسرائيلي في ظل الحديث عن دور بعض المتنفذين في السلطة في تنظيف (الخراف السوداء) وتبييضها وغسل عارها ومن ثم إدخالهم في أجهزة السلطة؟!

ولماذا حالة الاسترخاء التام في التعامل مع هذه الظاهرة من قبل القيادة الفلسطينية طوال السنوات الماضية؟!

هل نحن أمام حالة أخرى من حالات الترهل الثوري والتسيب أصيبت بها أجهزة الأمن الفلسطينية، كما أصيبت بها بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت والتي جلبت الكثير من المآسي والكوارث على قادة وكوادر أبناء الشعب الفلسطيني.؟!

لقد نادينا كثيراً بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا أن تعطى المناصب للولاء الشخصي بدلاً من الولاء الوطني، وإلى حسن الحديث في المديح والإعجاب بدلاً من الكفاءة وشجاعة إبداء الرأي ، حتى لا نصل إلى مثل هذه الإفرازات والمظاهر الانحرافية التي لا تمت بصلة إلى عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني وبعيده كل البعد عن مبادئ الثورة الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني الذي قدم لها هذا الشعب قوافل الشهداء والجرحى والمعتقلين.

وما هو مبرر الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتغاضي عن العملاء الذين ساهموا بأكثر من شكل من أشكال التعامل من سقوط هذا العدد الهائل من الشهداء والجرحى والأسرى.؟!

إذا كانت الأجهزة الأمنية تستطيع التسامح والتـنازل عن حقها- لأسباب لا نعرفها- في معاقبة هؤلاء العملاء، فإن أيتام وأرامل وثكالى الشعب الفلسطيني البطل، وشواهد القبور وجدران الزنازين لا يمكن أن يتنازلوا عن حقهم في الأخذ بالثأر من الخونة والعملاء الذين برزوا للعلن في الإنتفاضة الحالية في أغرب ظاهرة يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026