لم يمض أكثر من أسبوعين على لقاء عباس الأخير برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بمدينة القدس المحتلة حتى تكشف للجميع زيف الوعودات الإسرائيلية التي أطلقت في هذا اللقاء بدعوى…
لم يمض أكثر من أسبوعين على لقاء عباس الأخير برئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بمدينة القدس المحتلة, حتى تكشف للجميع زيف الوعودات الإسرائيلية التي أطلقت في هذا اللقاء بدعوى تقوية موقف عباس الداخلي في ظل حالة الخلاف المستشرية بينه وبين الحكومة الفلسطينية التي يقودها المجاهد اسماعيل هنية, وما رافق كل ذلك من حالات مؤسفة من الإقتتال الداخلي بين الفصيلين الرئيسيين حماس وفتح, كنتيجة حتمية لفشل مساعي تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة لكل أطياف اللون السياسي الفلسطيني, وقادرة على تحدي الحصار وفك العزلة الدولية الظالمة عن الشعب الفلسطيني.
فلا الحواجز المنتشرة كالفطر في جميع أرجاء الأراضي الفلسطينية أزيلت او خفف من قبضتها, ولا أسرى أطلق سراحهم بمناسبة العيد كما قيل، ولا أموال محتجزة لدى الجمارك الإسرائيلية منذ وصول حركة حماس إلى الحكم أفرج عنها، ولا.. ولا.. كلما في الأمر, أن أولمرت الضعيف داخليا, المثقل بفضائح وهزائم لا تعد ولا تحصى, كان في حاجة لمثل هذا اللقاء للتخفيف من وطأة فشله الداخلي, ولإظهار نوايا "حسنة" تجاه عملية التسوية, للإلتفاف على تقرير لجنة بيكر/هاملتون الخاصة بالعراق, والتي سبق لـ \" إسرائيل\" أن أعلنت رفضها القاطع له جملة وتفصيلا لأنه "أي التقرير", وبحسب مسؤولين إسرائيليين أشد وطأة عليها من المبادرة العربية.
حيث دعا إلى حق عودة اللاجئين خلافا للمبادرة العربية التي تحدثت عن إيجاد حل لمشكلة اللاجئين وهو تعبير فضفاض يحتمل أكثر من معنى وتفسير, كما ويتناقض التقرير مع رسالة الضمانات التي أودعها الرئيس بوش في أيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون في مايو عام 2004، والتي تضمنت تأييد الولايات المتحدة لموقف إسرائيل الرافض للسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين، والانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 67، وتأييد الإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.
والذي ينظر إلى مشهد الدبابات الإسرائيلية وهي تقتحم مدينة رام الله, مقر سلطة أوسلو, ورئيسها محمود عباس, بحجة البحث عن مطلوبين, لتوقع 4 شهداء وأكثر من عشرين جريحا بعضهم إصابته خطيرة, وتتلف ممتلكات المواطنين من محال تجارية وسيارات, غير آبهة بالهدنة الجارية مع فصائل المقاومة.. يتأكد له مرة أخرى, أن لا فائدة ترجى من لقاء أي مسؤول صهيوني, على الأقل في الظرف الفلسطيني الراهن, حيث الجبهة الداخلية مفتتة بشكل غير مسبوق, والوضع العربي برمته ضعيفا بفعل الأزمات المتلاحقة في أماكن متعددة من الوطن العربي, في العراق ولبنان والسودان والصومال, وما يسمى بالمجتمع الدولي منحاز تماما إلى الجانب الإسرائيلي, بسبب سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على توجهاته وسياساته العامة.
إن هذا اللقاء الفاشل في أهدافه وتوقيته, أضر كثيرا بمحمود عباس, حيث صوره أمام شعبه كمن يطلب النجدة الإسرائيلية, ومن خلالها النجدة الأمريكية في مواجهة حماس, في وقت كان أولى به الإلتقاء برئيس حكومة الشعب الفلسطيني المجاهد اسماعيل هنية لترتيب البيت الداخلي, ووضع حد لحالة الفلتان الأمني, التي لا يستفيد منها إلا العدو الصهيوني.
حتى أن مصر التي استفردت بقيادة جهود التسوية في المنطقة لمدة طويلة, بحكم الجوار والموقع المتميز داخل المنظومة العربية, أصبحت إمكانيات تحركها واحتمالات نجاحها جد محدودة, في ظل ما يعيشه النظام المصري نفسه من أزمات داخلية حادة, تميزت بكثرة الإحتجاجات الشعبية والحزبية, على خلفية ما قيل إنها محاولات جارية لتوريث حكم البلاد لنجل الرئيس حسني مبارك, وهو تحد لن يستطيع هرم السلطة في مصر تمريره دون تقديم أثمان سياسية, ولو من الناحية التكتيكية المرحلية, كالتضحية بدور مصر الإقليمي مثلا لحساب الإستفراد الصهيوأمريكي برسم معالم المنطقة بما يخدم أهدافهما الإستراتيجية, أوالإكتفاء فقط بدور شكلي لا يتعدى مهمة رجل المطافئ الذي يتم استدعاؤه حصريا لإطفاء الحرائق الملتهبة!!
لذا لا ينبغي التعويل كثيرا, في الوقت الراهن, على الدفع المصري باتجاه تحقيق مكاسب للقضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا العربية, خصوصا في ظل الشروط السياسية التي تحدثنا عنها سابقا, والتي أصبحت تفاصيلها معروفة لدى الجميع, إذ بات أولمرت نفسه يستشعر ذلك, ويبني تحركاته ويرسم سياساته مع الفلسطينيين والمحيط العربي عموما على أساسها, وحتى اللقاء الأخير الذي جمعه مع الرئيس حسني مبارك في شرم الشيخ قد كرس نفس الحقيقة.
فلو كان أولمرت يعلم أن زيارته لمصر قد تلغى أو تتأثر بسبب اجتياحه الوحشي لمدينة رام الله, لما سمح بذلك, خصوصا وأن جدول أعمال الزيارة الرئيسي تطرق إلى هموم إسرائيلية بحتة, يعود نفعها بالدرجة الأولى على الجانب الإسرائيلي, كقضية الجندي جلعاد شاليت, حيث تقوم مصر بجهود حثيثة لإطلاق صراحه في إطار صفقة تبادل للأسرى مع فصائل المقاومة التي تأسره, وقضية تهريب الأسلحة المزعومة, عبر الأنفاق, من مصر إلى فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة, ومسألة ما يمكن أن تقدمه مصر في سبيل تقوية نفوذ عباس أبو مازن وحرسه الرئاسي في مواجهة حركة حماس, ودفع الفلسطينين نحو المجهول, تماشيا مع ما قاله وزير البنى التحتية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر \"ينبغي دعم أبو مازن ليتمكن من محاربة إرهابيي حماس المسلحين الذي تدربهم وتمولهم طهران\".
ونحن نتساءل أين هو الجانب السياسي لهذه الزيارة؟ وما هي الفوائد التي جناها الفلسطينيون من وراء هذا اللقاء؟ غير كيل الإتهامات لهم بالإرهاب, والتخطيط لتصفية قضيتهم, في حضور رئيس أكبر دولة عربية, مع كامل الأسف, لم يكن قادرا على ضحضها!! وهل مارس المصريون ضغوطا على الجانب الإسرائيلي لرفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني؟ وإلا ما الجدوى من لقاء عدو عنصري ارتكب ولايزال يرتكب المجازر يوميا في حق الشعوب العربية في فلسطين ولبنان؟ غير مده بالمزيد من الشرعية والتفهم!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع