جثة هامدة اسمها منظمة التحرير الفلسطينية

جثة هامدة اسمها منظمة التحرير الفلسطينية

أسامة عامر
2006-12-09

منذ أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير وحالة من الصحيان المفاجئ من حين لآخر تنتاب منظمة التحرير الفلسطينية ولجنتها التنفيذية الفاقدة للشرعية الأهليةوالقانونية…

 

 

منذ أن فازت حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية في 25 يناير 2006 وحالة من الصحيان المفاجئ _ من حين لآخر _ تنتاب منظمة التحرير الفلسطينية ولجنتها التنفيذية، الفاقدة للشرعية الأهلية،والقانونية، والدستورية.

من الغرابة بمكان أن تجتمع جثة هامدة، منتهية الصلاحية، (بعد سبات طويل استمر لأكثر من عشر سنوات انقضت، هي عمر السلطة الوطنية الفلسطينية) وتتخذ قرارات عنترية من قبيل مطالبة الحكومة الفلسطينية الشرعية بالاستقالة، والتلويح بين الفينة والأخرى بإجراءات وقرارات حاسمة سوف تتخذها، وهو حديث مكرر وممجوج سئمنا من ترديده.

منذ إعلان تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، وانتقال مقر قيادة منظمة التحرير إلى الأرض المحتلة، لم يعد يسمع أحد بمنظمة التحرير الفلسطينية إلا في المناسبات العامة، فرئيس المنظمة هو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتم التعامل معه عربياً ودولياً، وفلسطينياً على هذا الأساس، وتم تهميش المنظمة لصالح السلطة، بإنهاء دور ومهمات منظمة التحرير المفترضة، لتصبح المؤسسة المهجورة،أو المنظمة الجثة.

فبعد أن كانت مهمتها الإعداد للتحرير أصبحت أولى مهامها إلغاء "الميثاق الوطني الفلسطيني"، و تم تحقيق هذه المهمة بالجلسة الخاصة التي عقدها المجلس الوطني في غزة لتعديل الميثاق بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في 14/12/1998م . 

تم إلغاء وجود وحضور منظمة التحرير، أو إبقائها في أحسن الحالات على ضعفها، لحين استدعائها عند التوقيع على الحل النهائي حسب المقاسات الإسرائيلية والأمريكية. لكن الغريب بأنه تم ويتم استدعائها في هذه الآونة، ومن حين لآخر، على عجل وعلى غير ميعاد، بعد الفوز الكبير الذي حققته حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية ، لتكون حجر عثرة أمام كل قرار تتخذه الحكومة الفلسطينية التي تشكلت في28 مارس 2006. حتى أصبحت اجتماعاتها المتكررة وقراراتها المتخذه بمثابة "نكتة سياسية" كما يتندر البعض.

لقد كانت تجربة "حماس" غنية بخوضها للانتخابات التشريعية، ومن ثم الفوز الكبير فيها، وهو ما أعاد القضية الفلسطينية لوجهتها الصحيحة بعمقها الوطني و العربي والإسلامي، و حول السلطة الفلسطينية من سلطة اوسلوية، إلى سلطة مقاومة وصمود وتصليب للجبهة الداخلية، قبل التوقيع النهائي الذي كان سيتم باسم الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني "منظمة التحرير الأسلوية" ، الأمر الذي أعاد خلط الأوراق بشكل كبير بالنسبة لفريق "أوسلو"، وهو ما جعل المراقبين يشبهون _ محقين _ هذا الانتصار الذي حققته "حماس" بالزلزال تارةً وبتسونامي، وبالاجتياح تارةً أخرى.

المهم بالأمر أن ما سبق يرسخ الاعتقاد بأن القراءة عن المنظمة ولجنتها التنفيذية لا تضيف لنا معلومة وثائقية، بقدر ما تضعنا في ورطة تاريخية وحيرة، وتجعلك وجه لوجه مع انتكاسة جديدة بالقضية. تكمن بما نسمعه من دعوات متكررة من قبل بعض المتنفذين في الساحة السياسية الفلسطينية، واللذين ما فتئوا ينادون _ بمناسبة وبغير مناسبة_ الجميع بالانضمام والعودة إلى المنظمة الجثة !! ولم يجيبونا ،عن أي منظمة يتحدثون، وكيف يكون الانضمام؟ وكيف تكون العودة؟ وهل المنظمة الآن.. يحق لها تمثيل الشعب الفلسطيني وإصدار القرارات المصيرية، وهو ما يقودنا إلي سؤال آخر.. ماذا بقى أصلاً من المنظمة الآن؟ لن نحتاج لطول تفكير، كي نقول بأنه لم يعد هناك أي دور مركزي لمنظمة التحرير ، خاصة بعد تشكيل السلطة، التي حلت مكان المنظمة وسلبتها دورها. كما أن المنظمة التي ألغت ميثاقها قد أنهت دورها بنفسها، وهي في أمس الحاجة اليوم حتى تعيد دورها أن تقوم بإصلاحات واسعة تشمل كافة مؤسسات المنظمة عن طريق إعادة صياغتها من جديد حتى تمثل الشعب الفلسطيني تمثيلا نزيها وأمينا، ويعاد صياغة الميثاق حتى يمثل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويمثل إرادة الشعب الفلسطيني.

اللجنة التنفيذية للمنظمة بوضعها الحالي وتركيبتها التي آلت إليها تؤكد بأنها لجنة غير شرعية بسبب عدم تمثيلها الحقيقي لقطاعات وفصائل الشعب الفلسطيني، حتى أن غالبية أعضاؤها مجهولين بالنسبة للجمهور الفلسطيني وليس لهم أي حضور يذكر.هذا هو واقع منظمة التحرير وواقع  من يقودها الآن.

فعند إلقاء نظرة متفحصة علي أعضاء آخر لجنة تنفيذية معينة أو منتخبة من المجلس الوطني الفلسطيني ( راجع أسماء آخر لجنة تنفيذية) نجد بان غالبية اجتماعات اللجنة الحالية تفتقد للشرعية القانونية، وذلك حسب النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ نصت المادة 21 على أن يتكون النصاب القانوني للجنة التنفيذية من ثلثي أعضائها، وكما نعلم بأن غالبية إن لم تكن معظم اجتماعات اللجنة التنفيذية الأخيرة ومنذ توقيع اتفاقيات أوسلو لم يكتمل فيها النصاب القانوني، لوفاه بعض الأعضاء ولعزوف البعض الآخر عن الحضور نتيجة الخلافات السياسية.

كلنا يعلم كيف أن نظام الكوتا المعمول به في هيئات منظمة التحرير أعطى هيمنة لحركة "فتح" وسيطرتها على اتخاذ القرارات المصيرية بنظرة حزبية فئوية ضيقة، كما منح هذا النظام التنظيمات الصغيرة تمثيلاً يفوق حجمها، ووزنها الفعلي في الساحة الفلسطينية. وعليه لا يعرف أبناء الشعب الفلسطيني الآن علي وجه الدقة من هم أعضاء اللجنة التنفيذية التي تجتمع حالياً؟ وأي أحزاب يمثلون، من يحضر؟ ومن لم يحضر من أعضاء آخر لجنة أقرها المجلس الوطني برغم عدم مشروعيته؟! ومن هم الأعضاء الجدد اللذين تمت إضافتهم بدل المتوفين؟ وهل تم إضافة أعضاء جدد من الأساس أم لم يتم؟ وبأي طريقة تم إن كان قد تم؟!!!( وهو ما يستغله الرئيس محمود عباس الآن، إذ أصبح يدعو شخصيات مثل مصطفي البرغوثي، وحنان عشراوي، وصالح رأفت، وأعضاء من مركزية "فتح" إلى الاجتماعات التي تعقدها اللجنة التنفيذية) وذلك دون أي سند أو مصوغ قانوني، والاعتراض هنا ليس علي الشخوص المذكورة، لكن على الطريقة والآلية المتبعة في ذلك.

الأسئلة سابقة الذكر ستبقى معلقة وبحاجة إلى إجابات، حتى يستفيد منها المؤرخون والباحثون على الأقل!! وإلى أن يتحقق ذلك للتاريخ، نقول ما هو الحل الآن؟!!!   يرى المراقبون والمعنيون بإصلاح حقيقي للمنظمة بأن الحل يبدأ بقبول مبدأ الشراكة السياسية الحقيقية، كما تطرحه "حماس" بحيث لا تكون الشراكة شكلية أو اسمية، تبقي الهيمنة والتفرد والاستحواذ ل"فتح"، فيما فصائل العمل الوطني والإسلامي مجرد ديكور، وشهود زور لدى "فتح" التي امتهنت مثل هذه الشراكة طيلة الأربع عقود الماضية، فذلك لن يجدي نفعاً مع حركة بحجم حركة "حماس" اللاعب السياسي الفلسطيني الأبرز الآن على الساحة الفلسطينية والإقليمية والدولية .

على "فتح" أن تكف عن الإدعاء بأن "حماس" تضع شروطاً تعجيزية لانضمامها للمنظمة ، إذ بات من الواضح ومن المسلم به الآن بأن "حماس" لا يمكن أن تقبل بالانضمام للمنظمة دون إدخال تغييرات أساسية بميثاقها وهيكلها التنظيمي والإداري. وهو ما نصت عليه ''تفاهمات القاهرة'' والتي تمت خلال الفترة من 15 – 17 /3/2005 والتي نصت على إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وتطبيق ذلك ليس بالأمر المستحيل إذا ما توافرت النوايا الجادة لعملية الإصلاح مقرونةً كما يقول البعض ب''عقلية الوحدة الوطنية الحقيقية'' التي تحرص على القضية قبل أن تحرص على الفصيل أو على الذات المستقلة، كي نعيد -بهذه الروحية- بناء المنظمة وتفعيلها وإقرار نظام المؤسسات الحقيقي، وبذلك يتم العمل على إنهاء أو تحجيم ما أمكن من العقليات الفصائلية الصغيرة والذاتيات داخل المنظمة.

من حسن طالع الحالة السياسية الفلسطينية أن نشأت قوى مؤثرة خارج تركيبة المنظمة ، مثل حركتي"حماس" و"الجهاد الإسلامي" وأخيراً "المبادرة الوطنية"، لتبقى هذه القوى تعمل وبإصرار على إعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير، ومن ثم استعادة دورها القيادي المفترض بعد أن تم تجاوزه ، حتى أصبح حال ''المنظمة'' بمثابة ''نكتة سياسية'' كما يتندر البعض. وهو ما يستدعي بأن تبقى مسألة إصلاح المنظمة مطروحة دائما وبإلحاح، خصوصاً من قبل حركة "حماس".

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026