بيت حانون.. عظة وعبرة

بيت حانون.. عظة وعبرة

د. محمد إبراهيم المدهون- رئيس ديوان رئيس الوزراء
2006-11-13

يأبى المشهد الفلسطيني في معركة وفاء الأحرار إلا أن يظهر معدنه الصلب الأصيل و اتجاهاته الحرة المجاهدة ومستقر بوصلته الوطنية وهذا ما كان واقعا ملموسا في معركة المسجد معركة أهل الجنة…

 

يأبى المشهد الفلسطيني في معركة وفاء الأحرار، إلا أن يظهر معدنه الصلب الأصيل و اتجاهاته الحرة المجاهدة ومستقر بوصلته الوطنية، وهذا ما كان واقعاً ملموساً في معركة المسجد (معركة أهل الجنة)، فالدبابات الصهيونية، مدعومة بإمداد أمريكي وعجز دولي وبصمت عربي. ثلة الأوفياء الأطهار من جند المقاومة الأخيار في كمين مسجد أم النصر، فلسطينيات ماجدات بقيادة النائب جميلة الشنطي – نعم النواب أولائك الأوفياء - تُرفع لهن قبعة الكرامة والعزة، وقررن خوض معركة أهل الجنة، هي الأشجع في تاريخ المواجهة، ليتحقق النصر بإنقاذ (76) من شباب المقاومة ويرتقى إلى العلا اثنتين من الماجدات، وعدد من الإصابات.

دلالات عميقة ورسائل واضحة تلك التي نقلتها معركة أهل الجنة رداً على الزعم الأمريكي – الإسرائيلي أن الفلسطينيين قد أصابهم الإعياء والتعب، وأرهقتهم الدماء/الإجتياحات وتأخر الرواتب، وأن المشهد الفلسطيني أصبح جاهزاً لإسقاط التجربة والمشروع، والتسليم لخيارات الهزيمة سعياً وراء الراحة والطعام، واستسلاماً للواقع ونفوراً من الصبر و المقاومة. النساء الفلسطينيات الخنساوات الماجدات، أمهات المجاهدين الشهداء وأخواتهم وبناتهم، يرفضن، كعينة ممثلة صادقة للشعب الفلسطيني، قذف الراية، بل ويلتزمن بها ويقمن باحتضانها، كما فعل جعفر في مؤتة ومصعب في أحد.

ومن هنا كانت الحركة النسوية الفلسطينية رافداً لإعادة السؤال حول مدى الإرهاق المزعوم الذي أصاب شعب فلسطين، ثم صياغة الجواب في الوعي الفلسطيني والعربي بأن مشروع المقاومة الرئة التي يتنفس منها شعب الصبر والرباط هو طريق الخلاص والحرية.ومن هنا فإن إعادة تشكيل الهوية السياسية والثقافية للأمة باتجاه عدم التنازل عن حقوقها، من خلال السيمفونية الرائعة بين المقاوم وأمه، وبين الشهيد وأخته، وبين الجريح وزوجه.

ما قامت به خنساوات وماجدات فلسطين في يوم حصار أم النصر أضاف للمرأة الفلسطينية سفرًا جديدًا إلى سجلها الخالد من خلال تصديها البطولي لقوات الاحتلال. نساء فلسطين، يشكلن لحظة فارقة في تاريخ مقاومة الشعوب بأن الوطن أغلى وأعز من دماء الأبناء والأخوة والآباء. بعد أن اكتشفت المرأة الفلسطينية أن قدر الفلسطينيين أن يقاوموا.. ويجاهدوا.. ويستشهدوا.. ويواجهوا- لوحدهم- هذه الهجمة التي لم يسلم منها الأطفال والرضع والفتية والنساء والشيوخ والشباب حتى الحجر والطير والشجر.

مجزرة بيت حانون جمدت الدم في عروق العالم رغم أن بيت حانون عاشت  تحت القتل والتشريد والعدوان  أسبوعا كاملاً  قبل المجزرة دون أن يهتز رمش, هل كان المطلوب أن يقتل الشعب الفلسطيني بالجملة حتى يكتسي وجه العالم  بالقليل من الحياء؟

وضع الاحتلال الإسرائيلي هدفين رئيسيين أمامه وهو القضاء على صواريخ المقاومة الفلسطينية بشكل نهائي وتوجيه ضربة للمقاومة .ووفق المفهوم العسكري فإن جيش الاحتلال انهزم أمام الأهداف التي وضعها لنفسه وحاول تطبيقها على أرض الواقع، ليغرق مواطني بيت حانون بشكل عام في بحر من الدماء. ولهذا أدرك العسكريون الإسرائيليون أن دولتهم تقف عاجزة أمام كافة أنواع الصواريخ التي أطلقت صوبهم، وأن عجلة الزمن لن تعود للوراء. ولهذا فمن الطبيعي أن نعتبر أن بيت حانون والمقاومة الفلسطينية انتصرت على الجيش الذي يزعم أنه أخلاقي.

ستضيف أيام غيوم الخريف ولياليه إلى الذاكرة الفلسطينية  سفراً جديداً من التاريخ الفلسطيني بأحرف من نور ودم. وستبقى الأيام الأول من شهر نوفمبر 2006 أياماً مجيدة جديدة تضاف إلى التاريخ الفلسطيني المرصع بالكرامة والسؤدد, المتوج بالدم والشهادة, والمزين بالعز والفخار. سيضاف إلى تاريخ الشعب الفلسطيني العصي على التغييب والاستلاب تاريخاً, ولن يتجاوز شعبنا تاريخه.. دمه..ماضيه, حيث أن الماضي ملجأ الشعوب الحية في مواجهة التحديات ومحفزها للمقاومة الفاعلة في واقع مأزوم. غيوم الخريف انقشعت بمعركة أهل الجنة ليدلل شعبنا أن عروق الصمود والمقاومة والجهاد لشعب عظيم في خط متصاعد.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026