واقدساه‏..‏ في زحمة الأحداث

واقدساه‏..‏ في زحمة الأحداث

د‏.‏ أحمد يوسف القرعي
2006-10-28

د

  د‏.‏ أحمد يوسف القرعي

في زحمة الأحداث الفلسطينية والعربية والدولية توارت للأسف الشديد قضية القدس اعلاميا بينما ما يزال يجري علي أرضها مخطط تهويدها وهو مخطط مبرمج يستهدف تهويد المدينة المقدسة‏,‏ يحدث هذا بينما القدس لا تزال تنتظر فض الخلاف الفلسطيني‏/‏ الفلسطيني وماتزال ايضا علي هامش الاجندة العربية المعنية بالعراق ولبنان والسودان في المقام الأول‏..‏ ولا ضرر ولا ضرار ان تكون القدس بصفة خاصة في مقدمة تلك الأجندة فهي أرض عربية محتلة تجتاز مرحلة خطيرة تجعلنا كأمة اسلامية عربية نردد بصوت واحد‏(‏ واقدساه‏).‏

ولعل مخطط تهويد القدس في هذه المرحلة الخطيرة جعل خليل التفكجي مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق يصرخ قائلا منذ شهور قليلة‏(‏ ان العرب سيبكون علي القدس كما بكوا علي الاندلس‏)(‏ راجع مقالنا المنشور بتاريخ‏29‏ يونيو‏2006).‏

ومن الأهمية ألا تخدعنا دعوة أولمرت لاستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية فهي دعوة غير صريحة‏..‏ ويخطئ أولمرت كثيرا لو حاول فرض أجندة تلك المفاوضات بعد ان ورث عن شارون بدعة التحرك من جانب واحد لفرض الأمر الواقع بما يعني تجاهل الطرف الفلسطيني وشطب بند المفاوضات حول القدس كلية‏.‏

ومن اللافت للنظر ان تأتي دعوة أولمرت في توقيت قاتل حيث الجدار العنصري قاب قوسين أو أدني من استكماله وكان شارون قبل الوقوع في غيبوبته قد أعلن أول سبتمبر الماضي تاريخا لانتهاء عملية الجدار‏.‏ ولعل أخطر ما استهدفته اسرائيل من اقامة هذا الجدار هو تمزيق المدينة المقدسة‏.‏

من هنا تأتي دعوة أولمرت في وقت يتحقق فيه حاليا عزل اكثر من‏40%‏ من سكان القدس الشرقية خارج الجدار العازل‏,‏ وهذا يؤدي الي ابعاد نحو‏55‏ ألف فلسطيني من القدس كما سيبعد الجدار العنصري ايضا‏50‏ ألف فلسطيني آخرين لديهم وثائق هوية سكان القدس لكنهم يعيشون الآن في قري خارج حدود المدينة لأنهم لا يجدون مساكن داخل المدينة نتيجة لمصادرة الاراضي والقيود المفروضة علي البناء داخل المدينة‏.‏

وهذا يعني تقليل أعداد الفلسطينيين في القدس الشرقية‏,‏ وتستهدف اسرائيل بهذا تقويض المطلب الفلسطيني بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية‏.‏

وبينما يجري هذا بشأن تقليص عدد المقدسيين العرب داخل المدينة فان المخطط يستهدف ايضا زيادة عدد المستوطنين اليهود في القدس الشرقية المحتلة والمناطق المحيطة ويبلغون حاليا أكثر من‏287‏ ألفا‏.‏ بينما يبلغ عدد المستوطنين في القدس الشرقية‏182200‏ ويقطنون في أحياء استيطانية في مناطق تم فرض القانون الاسرائيلي عليها بعد حرب عام‏1967‏ ويشكلون حاليا‏44%‏ من سكان القدس الشرقية ويسكن في المستوطنات المحيطة بالقدس الشرقية‏105‏ آلاف يهودي بينهم نحو‏30‏ ألفا في مستوطنة معاليه أدوميم الواقعة شرق القدس و‏27%‏ في مستوطنة بيتار عيليت الواقعة شمال غرب القدس و‏12100‏ في كتلة غوش عتصيون بين القدس والخليل و‏10700‏ في مستوطنة غفعات زئيف و‏18500‏ في كتلة بنيامين المحاذية للقدس الشرقية‏.‏

هكذا صارت القدس اليوم أكثر عزلة من محيطها الفلسطيني‏,‏ هذا فضلا عن استمرار انتهاكات حقوق المقدسيين الاجتماعية والاقتصادية داخل الجدار العازل من مصادرة الاراضي واستمرار اقامة المستوطنات وتوسيع ما هو قائم منها بالاضافة الي سياسة هدم المنازل ومصادرة حق المقدسيين في الاقامة واسقاط حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وتقييد حرية الوصول الي اماكن العبادة خاصة المسجد الاقصي في وقت تصاعدت فيه حدة الحملات الاسرائيلية التي تستهدف هذا المكان المقدس‏.‏

ويكفي الاشارة هنا الي التحذيرات التي أطلقها المؤتمر السنوي لجمعية الاقصي في يونيو‏(2006)‏ وفي مقدمتها التحذير من حفريات جديدة تجري تحت أسوار القدس القديمة والمسجد الأقصي بما يهدد أركان الحرم القدسي الشريف بكل أسواره ومبانيه وهي حفريات أكثر وأخطر من أية حفريات جرت في الماضي‏.‏

ويعني هذا ان اسرائيل تسابق الزمن في المرحلة الحالية لكي تقضي علي الطابع العربي الاسلامي للقدس ومن أخطر المشروعات في هذا المجال بناء الحي اليهودي الجديد في حي القدس القديمة والحفريات التي يستلزمها هذا المشروع تهدد الاساسات التي تقوم عليها الاسوار والمباني بما في ذلك المسجد الاقصي المبارك وقبة الصخرة المشرفة‏.‏

وبينما تستكمل اسرائيل بصمات تهويد القدس سكانا‏,‏ فإنها تمضي في ابتلاع ارض القدس حيث تواصل اسرائيل في الخفاء عملية تسريب العقارات والممتلكات لمجموعات يهودية وجهات اسرائيلية داخل القدس‏..‏ ولم تكن الصفقة السرية المشبوهة التي تم كشفها في مارس‏2005‏ الا واحدة من صفقات سرية اخري لم يكشف الستار عنها بعد‏.‏ لعل اخطرها أراضي جبل أبو غنيم في نهاية التسعينيات والآن اقيمت عليها مستوطنة حارحوما بتمويل المليونير اليهودي ايرفين مسكوفيتش‏.‏

هكذا تبدو أبرز ملامح مخطط تهويد المدينة المقدسة الذي كاد ان يكتمل‏..‏ مما يدفع أولمرت وهو في محنته الوزارية الحالية الي تقديم الدعوة الي المفاوضات ظنا منه ان صاحب الدعوة يملك وحده وضع بنود أجندتها‏..‏ بما يعني ان القدس لن تكون محل تفاوض‏.‏

ويخطئ أولمرت كثيرا لو صدق نفسه حتي ولو صادقه في هذا الحليف الاستراتيجي الأمريكي وفي هذا السياق من المؤسف ان خارطة الطريق التي يتلاعب بها هذا الحليف قد وصلت الي حالة من الجمود والتراجع رغم انها حظيت بمصادقة مجلس الأمن‏.‏

هكذا يحق لنا ان نهتف جميعا وبصوت واحد ونردد ليلا ونهارا‏..‏ واقدساه‏...‏ واقدساه‏..‏ واقدساه

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026