قبل عام تقريبا كلفني مركز الإعلام العربي بالقاهرة بإعداد ورقة بحثية حول التحديات والعوائق التي تواجه المقاومة بنماذجها العربية والإسلامية من كتاب التكليف فهمت أن ورقتي تندرج…
قبل عام تقريباً كلفني «مركز الإعلام العربي» بالقاهرة بإعداد ورقة بحثية حول «التحديات والعوائق التي تواجه المقاومة بنماذجها العربية والإسلامية». من كتاب التكليف فهمت أن ورقتي تندرج في سياق مشروع تنظيري كبير هدفه، وموضوعه وعنوانه أيضاً، الإجابة عن السؤال «هل المقاومة خيار أم ضرورة؟».
حينذاك، تصورت أن المهمة يسيرة بالنسبة لامرئ أهلك أكثر من نصف عمره منحازاً للمقاومة، مهموماً بشؤونها وشجونها على المستويين الفكري التجريدي والحركي التطبيقي. غير أن الأمر بدا مخالفاً لهذا الظن، لاسيما من حيث الضغوط النفسية والمعنوية التي ألقاها مضمون الورقة أثناء إعدادها على الوجدان. لقد كان من المعلوم أن قوى المقاومة العربية، شقها المتصدي للأطماع والمشاريع الاستعمارية الصهيونية بخاصة، تمضي محفوفة بصعوبات خارجية وداخلية تفرض عليها أعباء جسيمة.
لكن ما أكدته سيرة البحث بمنهجية علمية وبموضوعية رصينة، هو أن معرفتنا ومعلوماتنا عن هذه الصعوبات شحيحة وفضفاضة. فعند تصنيف الشكليات والظواهر المعاكسة لمسار المقاومة إلى جوار بعضها البعض ثم تأملها بشكل شامل، يتكون لديك انطباع بأن هذا المسار يواجه تحديات تنوء بحملها الجبال. ثم إنه بناء على هذا الانطباع الثقيل، تثور في ذهنك كثير من الهواجس والمخاوف بشأن حال المقاومة ومستقبلها.
فإن كنت من الغيورين عليها، الحريصين على ديمومتها وعافيتها، لابد وأنك ستقع في قبضة الحزن والكآبة.. وقد لا يخلصك من أحابيل هذه القبضة سوى عمليتي استذكار واستحضار. استذكار بأن المقاومة في كل زمان ومكان ما كانت ولا قامت أصلاً إلا استجابة لتحديات ضارية، واستحضار لبعض اشراقات نماذج المقاومة العربية راهناً على الرغم من الواقع الضاغط عليها بشدة في هذا الموقع أو ذاك.
أبوح بهذه الأحاسيس بالنظر إلى أن ورقتي المشار إليها تمكنت من إحصاء عدد كبير من التحديات، التي بوسع أي واحد منها أن يؤلم المقاومة ويؤثر سلباً في مصيرها وقد يحبطها، ومنها عشر سمان جاءت تحت العناوين التالية تحدي ضبط مفهوم المقاومة والدفاع عنه؛ تحدي خصوصية التجارب النضالية؛ تحدي التجزئة القطرية؛ تحدي تشظي قوى المقاومة وتعدديتها السطحية؛ تحدي غيبوبة مفهوم الأمن القومي؛ تحدي البيئة الثقافية المضادة؛ تحدي الديمقراطية؛ تحدي السياق الدولي المعاكس؛ تحدي التطبيع وتوابعه، وأخيراً تحدي الافتقاد للقاعدة الآمنة..
وكي نبين دواعي الأسس والوجل من وطأة هذه التحديات، نسوق ما اشتملت عليه الورقة من تفصيلات بشأن واحد منها فقط وباقتضاب شديد هو تحدي الخصوصية.. فقد لاحظنا أن استقامة أية تجربة للمقاومة تتحقق أكثر وتتعزز بالاسترشاد بالتجارب الأخرى، السابقة عليها أو المتزامنة والمواكبة لها. بيد أنه في غمرة هذه العملية الاسترشادية، ينبغي الحذر من الوقوع في إسار المحاكاة الخطية أو الاستنساخ لهذه التجارب، حتى وإن كانت عربية قديمة أو معاصرة وفي متناول السمع والبصر والبصيرة.
هذا يعني أنه لم يكن من الصحيح في مراحل سابقة الحديث الفلسطيني مثلاً عن الاقتداء الحرفي بنموذجي حزب الشعب في فيتنام والجزائر.. ولا هو من الصحيح راهنا أو مستقبلاً السعي إلى الاقتداء تماماً وبلا تحفظ بالمثل الهندي في النضال المدني ولا بتجربة حزب الله في الكفاح المسلح، ولا حتى بنمط النضال ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا!. ذلك لأن لكل تجربة ظروفها ومعطياتها ومحدداتها الخاصة بها التي تفرض على القوى المقاومة اشتقاق الأدوات المناسبة للتعامل معها.
لقد شفعت الورقة رؤيتها هذه ببراهين نحسبها قاطعة الدلالة.. كالقول بأن أنماط المقاومة المدنية على غرار المثل الهندي تبدو محدودة الفعالية وربما معدومة التأثير في التصدي للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، فغالبية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال تعتمد كرهاً على التعامل مع القطاعات الصهيونية الغازية على صعدٍ كثيرة، دون استثناء البنى الاقتصادية والمالية والخدماتية المهمة (كشبكات الكهرباء والهاتف والموانئ البحرية..) ووضعية هذا شأنها من الاعتمادية المفرطة على "إسرائيل" تحول دون إيلامها بأدوات العصيان والمقاطعة، بل وربما كان المحيط السكاني المدني الفلسطيني أكثر انكشافاً وعرضة لمثل هذه الآلام..
وليس بلا مغزى في هذا الإطار أن ننبه لفارق آخر بين الحالتين الهندية والفلسطينية يتعلق بنوعية الاستعمار.. إذ لم يدع أحد من غلاة المستعمرين البريطانيين بأن الهند تنتمي بالتاريخ أو الجغرافيا أو العقيدة إلى بريطانيا، فأين ذلك من الدعاوى الصهيونية تجاه فلسطين؟. ولا يخفى أن تبايناً كهذا يطرح تداعيات مختلفة على الشعبين الهندي والفلسطيني لجهة عمق الصراع وجذريته ومداخل المقاومة.
في كل حال، تدعو الورقة قوى المقاومة العربية بعامة إلى استلهام العبر والدروس من بعضها البعض وكذا من خبرات الآخرين، لكنها تضع «نقطة نظام» كبيرة أمام اتجاهات التمثل الكامل لواحدة أو أخرى من هذه الخبرات بلا ضوابط. وهي تدرك أن مراعاة هذا المحذور ليست بالأمر الهين.
السؤال الذي طرق الرأس عند اكتمال الورقة هو إذا كان التغلب على تحدي الخصوصية بإبداع أنماط كفاحية مناسبة، يحتاج إلى جهد واجتهاد مضنيين، فكيف الحال بجملة التحديات الرديفة الأخرى معاً؟!. والواقع أن الذي انتشلنا من صداع هذا السؤال ونكده عاملان
أولهما اشراقة نموذج حزب الله وأدائه الرائع في الحرب السادسة التي تطمئن الخاطر إلى إمكانية الاستجابة الإبداعية الفاعلة لكل التحديات.
وثانيهما توكيد أوراق بحثية أخرى بأنه ما من مقاومة شقت طريقها عن إرادة واعية وحقوق ثابتة إلا انتهت بالانتصار.
وذلك ما قيل في المؤتمر الذي نظمه مركز الإعلام العربي بالتعاون مع نقابة الصحافيين المصريين يومي 17 و18 سبتمبر الجاري حول مشروعية البحث والذي أكد أيضاً أن مقاومة البغي خيار وضرورة وفطرة إنسانية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع