عادت قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين لتفرض نفسها بقوة هذه الأيام في إطار الجهود والضغوط الدولية التي تستهدف استثمار أجواء ما بعد الحرب الإسرائيلية ضد لبنان لتمهيد الطريق نحو…
عادت قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين لتفرض نفسها بقوة هذه الأيام في إطار الجهود والضغوط الدولية التي تستهدف استثمار أجواء ما بعد الحرب الإسرائيلية ضد لبنان لتمهيد الطريق نحو إبرام اتفاق سلام بين لبنان و"إسرائيل"، حيث اكتشف الجميع أن القضية الأساسية التي تحول دون ذلك تتمثل في الإجماع اللبناني على رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين الموجودين على أرض لبنان، وبالتالي فإن على الذين يطالبون لبنان بمصافحة اليد الإسرائيلية الممدودة للسلام أن يجدوا حلاً لهذه المعضلة التي تربط الدخول في عملية السلام بالحل الجذري والشامل للصراع العربي الإسرائيلي بحيث تكون لبنان هي آخر دولة عربية تتحرك على هذا الطريق!
وإذا كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين تمثل تحدياً لكل الحكومات اللبنانية تحت مظلة توافق عام يرفض فكرة التوطين، فإن المسألة بالنسبة للفلسطينيين هي صلب وجوهر النزاع وأنه بدون التوصل إلى حل عادل وشامل لمشكلة هؤلاء اللاجئين فإن كل الاتفاقيات والمعاهدات تظل مجرد حلول مؤقتة وليست دائمة!
ومعنى ذلك أن قضية اللاجئين هي القنبلة الموقوتة لنسف أي حلول أو ترتيبات يتوهم الذين يضعونها لإلزام دول المنطقة بها - كرها أو طواعية - أنها ستوفر للشرق الأوسط أمناً وسلاماً واستقراراً.
أريد أن أقول بوضوح إن أية محاولات لاستمرار التشكيك في صحة وجدوى تمسك الفلسطينيين بحق عودة اللاجئين لن يكتب لها النجاح!
والحقيقة أن بعض الذين يشككون في صحة وجدوى تمسك الفلسطينيين بحق العودة لمن جرى إخراجهم من فلسطين عام 1948 طبقاً لقرارات الأمم المتحدة يتجاهلون - عمداً - جملة حقائق في مقدمتها أنه عندما وقعت النكبة وجرى اغتصاب فلسطين بتزاوج بين المؤامرة السياسية الممثلة في قرار التقسيم عام 1947 القوة العسكرية ممثلة في نتائج حرب عام 1948 لم يكن ما يملكه اليهود كأفراد ومؤسسات على أرض فلسطين يتجاوز 8% فقط من مساحتها الكلية، حيث كان ما يربو على 92% ملكاً للشعب الفلسطيني وللأوقاف الإسلامية من عهد الخلافة العثمانية.
ويخطئ من يظن أن الذعر الإسرائيلي من حق العودة يتعلق فقط بما يمكن أن يترتب على استعادة اللاجئين الفلسطينيين لمنازلهم وممتلكاتهم المغتصبة، ولكن مبعث الذعر هو أن حق العودة يمثل ضربة في الصميم للفكر الصهيوني الذي قامت "إسرائيل" على أساسه.
لقد كان الترحيل والتوطين خارج فلسطين أحد أهم أعمدة الفكر الصهيوني التي روج لها تيودر هيرتزل منذ أكثر من مائة عام عندما كتب في 12 يونيو عام 1895 قائلاً سنحاول طرد المعدمين خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك، وفي نفس الوقت سنمنعهم من العمل في بلدنا.
وعلى ذات الدرب الذي سار عليه هيرتزل كتب الصهيوني المتعصب زائجويل في أبريل عام 1905 يقول يجب أن نستعد لطرد هذه القبائل العربية بالسيف مثلما فعل أجدادنا.
وربما يكون ضرورياً ومفيداً أن نتذكر أنه عندما بدأت موجات الهجرة الصهيونية الأولى من روسيا للبدء في إنشاء المستعمرات الصهيونية الكيوبيتزات، كانت هناك مجموعة من الثوابت التي تحكم عمل هؤلاء المهاجرين اليهود وهي
أن الأرض التي يحصلون عليها في فلسطين - طوعاً أو كرها ـ لا تعود ملكيتها للعرب بأية حالة وتبقى ملكاً للشعب اليهودي في كل مكان.
الالتزام بمنع العمال العرب من العمل على هذه الأراضي المستولى عليها. وقف كل أشكال التعامل والتعاون الاقتصادي مع العرب في فلسطين.
ومن الضروري أيضاً أن نتذكر أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تقدم الزعيم الصهيوني وايزمان باقتراح إلى مؤتمر السلام، طالباً تحويل فلسطين إلى دولة يهودية وتضمن اقتراحه نصاً مباشراً يدعو إلى طرد العرب من فلسطين بالقوة وإسكانهم على ضفاف دجلة والفرات الخصبة.
وخلال سنوات الانتداب البريطاني على فلسطين منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى كان صوت العجوز الصهيوني جابو تنسكي هو المعبر الحقيقي عن الأفكار الصهيونية الخاصة بترحيل الفلسطينيين وكانت له مقولة وقحة ومشهورة في نوفمبر عام 1939 ليس هناك خيار.. يجب أن يخلي العرب المكان لليهود في أرض "إسرائيل".. شكراً لله فنحن اليهود لا ننتمي إلى الشرق لذلك يجب أن نكنس الروح الإسلامية من أرض "إسرائيل"!
ومن العجيب والغريب معاً أن غالبية العالم المتحضر في أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيتي سايروا "إسرائيل" في ادعاءاتها الكاذبة بأن هؤلاء اللاجئين مشكلة عربية، لأن العرب - على حد زعمهم - هم الذين أعلنوا الحرب على "إسرائيل"، وأن هؤلاء اللاجئين خرجوا بإرادتهم تنفيذاً لأوامر عربية، ومن ثم مسئولية إيوائهم وتوطينهم تقع على عاتق الدول العربية.
والأعجب والأغرب أنه بعد أن وقعت النكبة بدأت المحاولات الصهيونية بدعم من القوى المؤيدة لـ"إسرائيل" في أمريكا وأوروبا بالسعي لإضفاء العقلانية على جريمة تهجير الفلسطينيين وطردهم من أرضهم بدعوى أن ذلك بات أمراً واقعاً يجب التسليم به والتفكير في وضع الحلول الإنسانية له.
وعلى مدى يقرب من 20 عاماً، منذ قرار التقسيم، وحتى نكسة يونيو1967، صدر العديد من الدراسات الأمريكية والبريطانية المماثلة بهدف الترويج لتصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة من خلال مشروعات للتوطين في الدول العربية، كان أبرزها مشروع جونسون لتوزيع المياه العربية الذي جري طرحه عام 1954 وظل الإلحاح مستمراً بشأنه حتى عام 1967 باسم إمكان تسوية القضية من خلال تخصيص جزء من مياه نهر اليرموك والأردن لتوطين الفلسطينيين في الضفة الشرقية للأردن.
ورغم أن ما يقرب من مائة ألف فلسطيني استطاعوا البقاء ومقاومة خطط الطرد والترحيل خلال الفترة ما بين عام 1948 و1966, فإن "إسرائيل" لم تفقد الأمل في دفعهم للنزوح بشتى الوسائل، خصوصاً بعد أن وضعتهم تحت الحكم العسكري، وصادرت أغلب ممتلكاتهم، ولكن الوضع تغير بعد حرب يونيو 1967، حيث ازدادت مشكلة اللاجئين تفاقماً.
ومع أن المجتمع الدولي مازال متمسكاً بصحة القرار رقم 194 الخاص بحق العودة، حيث تتكرر الإشارة إليه على مدى يزيد على نصف قرن في جميع القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن "إسرائيل" بدأت في ظل أوضاع القوة الجديدة التي توفرها لها الهيمنة الأمريكية بالدق على وتر التشكيك في إلزامية قرار العودة والادعاء بأنه قرار غير ملزم، وأنه مجرد توصية لها طابع إنساني فقط، فضلاً عن الترويج أيضاً إلى أن معظم اللاجئين لا يرغبون في العودة، وأنهم لو جرى تعويضهم تعويضاً مناسباً فسيتنازلون تلقائياً عن هذا الحق!.
وفي اعتقادي أن الاستسلام لمخططات التشكيك الإسرائيلية المدعومة أمريكياً يمثل الخطر الأكبر على قضية اللاجئين، لأن حق العودة هو الشيء الوحيد الذي لا تملك أي سلطة فلسطينية حق التنازل عنه، لأنه حق يمتلكه أناس لم يفوضوا أحداً بالتنازل عنه بالنيابة عنهم، ثم إن العودة حق مؤبد وليس مجرد رخصة تفقد مفعولها بمرور الزمن، وبالتالي فهذا الحق لا يسقط بالتقادم!.
والحقيقة أن التشكيك الإسرائيلي لا يستند إلى أي أساس لأنه يمكن عودة اللاجئين إلى ديارهم دون أدنى تأثير على السكان اليهود في "إسرائيل"، بل إن العكس هو الصحيح، حيث يمكن أن تسهم العودة في إثراء الجانب الزراعي من الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني نقصاً حاداً في العمالة.
وإذا كانت "إسرائيل" تزعم أن عودة اللاجئين ستؤدي إلى تعكير النقاوة اليهودية للدولة العبرية فإن ذلك يمثل سيف اتهام لها بالعنصرية في عصر العولمة الذي يتبنى تبادل الأفكار ويرتكز إلى احترام حقوق الإنسان!.
تلك هي الحقيقة التي فشلت كل محاولات طمسها تحت مظلة الاستخدام الفج للقوة المفرطة على محوري الترغيب والترهيب بهدف إقناع العرب والفلسطينيين بالاستسلام للأمر الواقع ونسيان حق العودة والقبول بمنهج التوطين!.