تؤكد الأحداث والتفاعلات الأخيرة في الساحة الفلسطينية ما كان واضحا منذ تشكيل حركة حماس للحكومة الفلسطينية بل حتى قبل ذلك منذ فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وهو أن الحصار…
تؤكد الأحداث والتفاعلات الأخيرة في الساحة الفلسطينية ما كان واضحاً منذ تشكيل حركة حماس للحكومة الفلسطينية، بل حتى قبل ذلك منذ فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهو أن الحصار سيكون محكماً، وأن لا مجال للالتفاف عليه، خاصة بتعدد أطرافه وتداخل مصالح هذه الأطراف. لقد تبيّن أن مستوى التواطؤ مع هذا الحصار وتشجيعه والترحيب به كان مذهلاً، وأن تقديس البعض لمصالحه الفئوية والذاتية الضيقة كان مطلقاً وغير قابل للتراجع والنقاش، وهو ما يعني أن الحكومة الفلسطينية الحالية تُحاصر وتُفشل بعوامل موضوعية، ولا تَفشل لأسباب ذاتية، والفارق بين الحالتين كبير.
ولا يألُ البعض جهداً في محاولة قلب الحقائق، وتزويرها، وجعل الموضوعي والذاتي متداخلين. لكن يكفي حماس أن تختزن الجماهير في ذاكرتها أيّ ظلم تعرضت له الحركة، وأي حصار لا مثيل له فُرض عليها، واشتُرط لرفعه ثمن ليست حماس -وبحق- مستعدة لدفعه، لأن المقابل هو مقابل بخس.
نعم راهنت حماس، عند تشكيلها للحكومة، على استمرار تدفق الأموال للجهاز الحكومي الفلسطيني من قبل الجهات المانحة، على اعتبار أن لا مصلحة لهذه الجهات أو لغيرها في انهيار السلطة، وفي أسوأ الأحوال اعتقدت حماس أنها قد تجد بدائل لهذه الأموال إذا انقطعت من مصادرها، لكن المصادر التي جرت المراهنة عليها، وهي الدول العربية والإسلامية كانت عاجزة عن القيام بهذا الدور. بل إن حصار الحكومة الفلسطينية المنتخبة، وما تلا ذلك من تواطؤ ضد حزب الله في الحرب بينه وبين إسرائيل، أثبت وإلى الأبد، أن معظم الأنظمة العربية ليس فقط عاجزةً عن تقديم عون ذي بال للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية، بل إنها أيضاً غير معنية بذلك على الإطلاق، ولا يتصدر هذا الأمر اهتماماتها. بل إن أولى أولوياتها هي كيفية بقائها والمحافظة على نفسها من العواصف التي تحيط بها، خاصة وقد هدّدت الأجندة الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط بعد أحداث 11 أيلول، الكثير من هذه الأنظمة ووضعتها في مهب الريح، من خلال الحديث (المصلحي والمخادع بالطبع) عن الإصلاح والديمقراطية والفوضى البناءة والشرق الأوسط الكبير ثم الجديد وما إلى ذلك.
وربما أن من فوائد خوض حماس تجربة حكومة السلطة، أنها أثبتت أيضاً، وبما لا يدع مجالاً للشك، ما كان يقوله الكثيرون باستمرار، من استحالة الجمع بين السلطة والمقاومة، إذ أن لكل منهما تبعات ومتطلبات تتعارض بالضرورة مع الأخرى. وأكثر من ذلك فقد ثبت أن إقامة سلطة (بلا سيادة في المحصلة) تحت الاحتلال هو قلب صارخ لأولويات شعب رازح تحت احتلال قل نظيره في التاريخ. وإن أي حديث عن كون السلطة تحت الاحتلال إنجازاً وطنياً
هو حديث للاستهلاك والمزايدة فقط. ففي ظل الاختلال المهول في موازين القوى يكون هذا (الإنجاز) فارغاً من أي معنى، وخالياً من كل سيادة، وعاجزاً عن انتزاع الحقوق اللازمة لتتحول تلك السلطة إلى دولة حقيقية، هي الهدف النهائي لنضال عشرات السنين.
وعوداً على بدء إلى موضوع المال والرواتب، لقد حوّل اتفاق أوسلو ومشروع السلطة تحت الاحتلال، القضية الفلسطينية إلى قضية رواتب. ولقد مكّنت هذه الرواتب أعداءنا من أن يمسكوا بنا من اليد التي تؤلمنا، بعد أن حققنا (إنجازاً وطنياً) وأرحناهم من أعباء وتكاليف احتلالهم الباهظة والمرهقة لهم.استوقفني شعار رفعه بعض المضربين، فحواه أننا تحولنا من شعب الجبّارين إلى شعب الشحاذين. وهذا صحيح، لكن السؤال هو من المسؤول الحقيقي عن ذلك؟
الإجابة الموضوعية، التي يبتعد عنها الكثيرون، هو أن من رهن قوُتَنا ومصادر دخلنا للمحتل ومن يقف خلفه هو المسؤول الأول والأخير عن ذلك. السؤال الكبير والخطير الذي يسأله –عن حق- بعض المعلقين هو أنه إذا كان موضوع الرواتب يُستخدم اليوم لابتزاز الحكومة الحالية والضغط عليها، فمن يضمن ألا يُستخدم لابتزاز أية حكومة قادمة، وللمساومة على حقوقنا الوطنية المسلوبة؟!
سيُقال لأية حكومة لاحقة ارضخي وتنازلي، وإلا فسيف الرواتب جاهز ومسلط على رقبتك ورقبة شعبك. لنتخيل هذا الموقف. كيف سيكون تصرف تلك الحكومة؟ هل سترضخ وتتنازل؟ وماذا عن أنهار الدماء والمعاناة التي قُدمت خلال كل هذه السنين؟ أم ستصمد تلك الحكومة وتتوقف الرواتب مرة أخرى؟ عندها ماذا سيقول الذين يهاجمون ويطعنون وينهشون الحكومة الحالية، بل ويتهمونها بالمسؤولية الحصرية عن معاناة الشعب الفلسطيني، بشكل بعيد عن المعايير الوطنية والأخلاقية وحتى الإنسانية، مع أن نفس من حمّلها تلك المسؤولية يقول –ويا للتناقض- أن للحكومة بموجب الدستور دور حصري فقط يتمثل في مساعدة الرئيس على تنفيذ برنامجه!!!
أخطر ما في الأزمة الحالية أنها تضرب بقوة في النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني، وتهدّد وحدته، وتغير في أولوياته. لقد أصبحنا ننسى في بعض الأحيان أن لنا عدواً محتلاً رابضاً على صدورنا وحقوقنا. احتلت المناكفات الداخلية الحيز الأكبر من وقتنا واهتمامنا وجهدنا، ولا يبدو أن هناك ما سيتغير في المدى المنظور!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع