أحمد علي المغربي

بين الركن الشديد "1" و "2" عام واحد... ومشاهد عديدة!

أحمد علي المغربي
2021-12-29

في مثل هذا اليوم وتحديدا التاسع والعشرون من شهر ديسمبر كانون الأول من العام الماضي أقيمت مناورة عسكرية موسعة شاركت فيها كافة الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة التي تنشط في قطاع…

في مثل هذا اليوم، وتحديداً التاسع والعشرون من شهر ديسمبر كانون الأول من العام الماضي أقيمت مناورة عسكرية موسعة شاركت فيها كافة الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة التي تنشط في قطاع غزة لأول مرة، وحملت اسم "الركن الشديد"، أُستخدم فيها العديد من الأسلحة براً وبحراً وجواً، وحملت رسالة وحدة وجاهزية واستعداد لصد أي عدوان صهيوني محتمل ضد القطاع.
لم تمضي على المناورة خمسة أشهر، وتحديداً يوم العاشر من مايو آيار من هذا العام، حتى جاء الاختبار الأول أمام فصائل "الركن الشديد"، وذلك بعد قيام الاحتلال بالاعتداء على أهلنا في باحات المسجد الأقصى وكذلك في حي الشيخ جراح، وسقوط مئات الجرحى، حينها خرجت المقاومة عن صمتها، وأعطت الاحتلال مهلة ساعتين حتى يوقف اعتداءاته، دون جدوى، فجاء الرد سريعاً وحاسماً؛ بإطلاق رشقة صاروخية باتجاه القدس المحتلة انطلاقاً من قطاع غزة، في خطوة شكلت صدمة لدى قادة العدو الصهيوني، وكانت ايذاناً بانطلاق معركة سيف القدس التي استمرت أحد عشر يوماً.
إذاً، جاء تطبيق ما حدث في مناورة "الركن الشديد" سريعاً، وجاءت النتائج أفضل من المتوقع، حيث سجلت معركة "سيف القدس" أكبر وأوضح هزيمة في تاريخ الاحتلال، إذ لم يسبق أن مُني المشروع الصهيوني بمثل هذه الانتكاسة، وكانت خلاصة هذه المعركة أن الكيان الصهيوني تراجع ولم يحقق أياً من أهدافه، بينما نجحت فصائل المقاومة -من غزة- بحماية المسجد الأقصى والمرابطين فيه، وصد اعتداءات الاحتلال ضد المقدسيين.
"سيف القدس" التي كانت من ثمار "الركن الشديد"، وما سبقه من مراكمة للقوة والإعداد، وما تبعه خلال المواجهة البطولية، التي رأينا خلالها مشهداً فلسطينياً جديداً كلياً، وثمة معادلة مختلفة تماماً عن السابق في الصراع، فقد أصبحت القدس ولأول مرة تحت وصاية فصائل المقاومة، وبات المسجد الأقصى في حمايتها، ولم يعد قطاع غزة معزولاً، بل أصبح يتولى مهمة حماية الكل الفلسطيني.
لم يشكّل "الركن الشديد" مشهداً وحدوياً في قطاع غزة وحسب، بل امتدّ خلال المعركة ليوحّد الفلسطينيين في كل مكان، في القدس، ومدن الضفة، ومدن الداخل المحتل، والأردن، ولبنان، والعديد من المناطق حول العالم، بل تابعنا تغيّر ملموس في الرأي العام العالمي ضد الاحتلال، وهذا أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العربي والدولي، ما شكّل فشلاً استراتيجياً كبيراً لمشروع الاحتلال الذي يقوم على تقسيم الفلسطينيين وتشتيتهم، بل ومحاولة إبعادهم عن محيطهم العربي والإسلامي.
بين "الركن الشديد الأولى والثانية" عامٌ بالتمام، كان مليئاً بالكثير من المشاهد التي لم ولن ننساها، حيث الاحتفالات العفوية لجماهير شعبنا مع كل رشقة صاروخية تخرج من باطن الأرض لتضرب العمق المحتل، وسعادة أيّما سعادة مع كل طائرة مسيرة تحلّق في سماء أراضينا المحتلة، وبهجة لا تُوصف مع كل انجاز ميداني تحققه أيادي المقاومة، والأجمل من هذا كله هي مشاهد احتفال المصلين بعد أن وضعت الحرب أوزارها، في مداخل وساحات المسجد الأقصى فخراً واعتزازاً بمقاومتهم؛ التي استجابت لصرخاتهم، وفرضت واقعاً جديداً في القدس المحتلة.
المناورة الختامية "للركن الشديد" هذا اليوم بعد عدة أيام من التدريبات المشتركة لمجاهدي الفصائل، حملت العديد من الرسائل التي فهمها الاحتلال جيداً بعد قرابة السبعة أشهر على انتهاء معركة "سيف القدس"، لعل أبرزها وأهمها خلال هذه الفترة؛ أن أي مساس بالقدس أو الأسرى؛ فهو لعبٌ بالنار، وأن فصائل المقاومة على أتم الجهوزية والاستعداد، ولن تقف مكتوفة الأيدي أو تترد في تكرار ما حدث للدفاع عن أسرانا وأقصانا، في إطار تحملها مسئولية حماية شعبنا في كل مكان.
المفارقة أن "الركن الشديد الثانية" والتي عكست حالة غير مسبوقة من الشراكة والتنسيق العالي بين الأذرع العسكرية للمقاومة في قطاع غزة، جاءت بعد ساعات قليلة من زيارة رئيس السلطة محمود عباس وبعض رجالاته لوزير الحرب الصهيوني بيني غانيتس في منزله، والتي جاءت في ظل معاناة غزة من الحصار، والضفة من الاستيطان، والأسرى من بطش السجّان، إذاً؛ هما مشهدان مختلفان تماماً، الأول هو مشهد التفرّد والذل والخنوع والتنسيق الأمني والارتماء في حضن الاحتلال، والثاني هو مشهد مختلف تماماً رأينا خلاله رايات كافة فصائل المقاومة "بما فيها المحسوبة على حركة فتح" ترفرف في ميدان واحد، يجمعهم مشروع المقاومة والإعداد ومراكمة القوة، معتصمين بحبل الله الوثيق، وكلمتهم واحدة للعالم أجمع، أن بوصلة الكل الفلسطيني ومشروعه هي "المقاومة" حتى النصر والتحرير والتمكين، أن أصحاب مشروع "المفاوضات والتنسيق الأمني" واللقاءات العبثية مع قادة الاحتلال، لا يمثلون إلا أنفسهم.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026