الحرب في ربع ساعتها الأخير

الحرب في ربع ساعتها الأخير

خيري منصور
2006-08-20

ما من حرب بلا نهاية رغم أن بعض الحروب دام ثلاثة قرون وبعضها سمي حرب السبعين سنة لكن ربع الساعة الأخير من أي حرب هو المثير ليس فقط بمن توصد الحرب بابها بهم وهم آخر القتلى بل لأن الإعياء…

ما من حرب بلا نهاية، رغم أن بعض الحروب دام ثلاثة قرون، وبعضها سمي حرب السبعين سنة، لكن ربع الساعة الأخير من أي حرب هو المثير، ليس فقط بمن توصد الحرب بابها بهم، وهم آخر القتلى، بل لأن الإعياء ينال كلاً من الطرفين، وإن بأشكال متفاوتة تتناسب والعدد والعدة لدى كل طرف.

وفي بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية، رسمت كاريكاتورات في الصحف الأوروبية، منها ما يوحي بأبدية هذه الحرب، ومنها ما يشترط إيقافها بموت أحد الزعيمين الخميني وصدام. لكنها انتهت في يوم ذي دلالة نادرة في التاريخ هو الثامن من الشهر الثامن لعام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، لكن هل تنتهي الحروب فعلاً لحظة وقف إطلاق النيران؟ سواء كانت بالمنجنيق أو الصواريخ؟

الأرجح أن لها ظلالاً تمتد زمناً طويلاً لأنها تترسخ عبر كل أشباحها في ذاكرات الأطفال، وتتحول إلى ما يسميه إدوارد سعيد السردية الوطنية أو "الناراتيف" التي تتناقلها الأجيال، ومنها يتشكل جذر صورة الذات، سواء من خلال النقش على الرخام أو النقش على الزمن ذاته، بعد أن يكون قد أصابه التَّخثّر لبعض الوقت، ولعل هذا التصور هو ما دفع بعض المؤرخين إلى وصف الجغرافيا بأنها تاريخ متخّثر أي توقف عن الجريان لتتشكل منه ومن صلابته الطارئة خرائط وتضاريس وحدود.

إن الحروب التي لا تنتهي ويستمر ربع ساعتها الأخير زمناً لا يمكن التكهن بمداه هي تلك التي تتوقف من دون أن يظفر كل طرف بحقه، خصوصاً الطرف الأضعف الذي عثر على نقطة القوة في القدرة على المواجهة والصَّد، وحين تطلق وسائل الإعلام العربية على هذه الحرب التي شنتها الدولة اليهودية على لبنان الحرب السادسة، فإن هذا التحقيب يحذف ثلاث حروب على الأقل، لم تندرج في خانة المواجهة الجذرية والشاملة فالانتفاضات المتعاقبة حروب، وما جرى في أول التسعينات هو حروب عربية - عربية، وثمة في الهوامش معارك كان يمكن لمن يرصدها بدقة أن يتوصل من خلال حاصل جمعها إلى حرب أو اثنتين.

على أي حال، تبقى الحرب السادسة أو العاشرة مجرد حلقة غير معزولة عن مسلسل الحرب الكبرى، التي كانت شرارتها الأولى اغتصاب أرض وتشريد شعب، وإقامة عازل جيو سياسي بين خاصرتين عربيتين أو ذراعين.. لا فرق.

، تتحول إلى اندفاعات مجنونة نحو الاستدراك وترميم النواقص، وتسجيل هدف واحد على الأقل كي لا يعود المتحاربون إلى ثكناتهم وبطالتهم العسكرية ببسطار حُنَيْن وليس بحذائه كما تقول الحكاية المعروفة.

من يموت في الدقائق الأخيرة غالباً ما يوصف بأنه سيّئ الحظ، وكأن من سبقوه بأيام أو أسابيع أو شهور كانوا حسني الحظ، لأن الحرب كانت في ذروتها، وهذه من صميم تقاويم الحرب الوهمية التي تقسم إلى بداية ووسط وخاتمة.

ما ينبغي قوله، وبأعلى صوت الآن، إن الحرب التي تدوم ستة أيام أو ستين يوماً لا تنتهي بقرار وقف إطلاق النار إذا كان تضميد الجرح قد تم بلا تعقيم، وإذا كان المسروق لم يسترد حقّه، والأدق أن يسمى وقف الحرب في هذه الحالات.. هُدْنة لإعادة التأهيل.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026