تتسارع الأحداث والتطورات في فلسطين ومركزها القدس المحتلة والمسجد الأقصى ومنذ بداية تصدر القدس العنوان الرئيسي للمشهدين السياسي والميداني أشرت في مقالي السابق إلى أن الأحداث…
تتسارع الأحداث والتطورات في فلسطين، ومركزها القدس المحتلة والمسجد الأقصى. ومنذ بداية تصدُّر القدس العنوانَ الرئيسي للمشهدين السياسي والميداني، أشرت في مقالي السابق إلى أن الأحداث لن تقف عند حدود القدس، وهو ما حدث فعلاً. فالمَشاهد من حي الشيخ جرّاح، وغطرسةُ المستوطنين وسعيهم للاستيلاء على بيوت عائلات فلسطينية تسكن الحي منذ 73 عاماً، وبطشُ جنود الاحتلال بالمعتصمين والمتضامنين معهم، بالتوازي مع استعدادات جماعات صهيونية متدينة لاقتحام المسجد الأقصى بمناسبة ذكرى استيلاء الاحتلال على القدس، الأمر الذي كثّف من وجود المرابطين داخل المسجد الأقصى استعداداً لمواجهة الاقتحام والتصدي له ومنعه، والمَشاهدُ من باحات المسجد الأقصى، كلُّها عوامل تفجير أفضت إلى اندلاع الأحداث في أغلبية المدن والقرى الفلسطينية، وبينها مدن الداخل الفلسطيني، كاللد وأم الفحم ويافا وغيرها.
القرار الذي اتخذته المقاومة في غزة بتوجيه تحذير إلى الاحتلال مفاده أنها لن تصمت على عدوانه على القدس المحتلة والمسجد الأقصى، وقيام القائد العام لـ"كتائب القسام" شخصياً بإصدار تحذير للعدو، عكسا متغيِّراً مهماً في تسلسل الأحداث وتطورها.
ومع عدم استجابة الاحتلال للتحذيرات والتهديدات الصادرة عن المقاومة، طلبت قيادة الاحتلال من عدة وسطاء التدخل لمنع المقاومة من تنفيذ تهديدها، بحيث تفصل بين ما يتعلق بغزة وكل ما يجري في القدس وسائر المدن الفلسطينية المحتلة عموماً.
تدخّلت مصر والأمم المتحدة واتصل وسطاء آخرون بقيادة حركة حماس، التي أصرت على موقفها، وطالبتهم بالتوجه إلى قيادة الاحتلال ومنعه من الاستمرار في انتهاكاته حرمةَ المسجد الأقصى واعتداءاته على المصلّين فيه، وإلغاء مَسيرة المستوطنين التي تمّ التهديدُ بأنها ستقتحم الأقصى مروراً من باب العامود. ومع فشل الوساطات، أصدر المتحدث باسم "كتائب القسام"، تصريحاً مقتضَباً حدَّد موعداً لاستجابة العدو لمطالب المقاومة، وعند انتهاء هذا الموعد أعلنت "كتائب القسام" أنها قصفت مدينة القدس المحتلة بعدة صواريخ ذات قدرة تدميرية كبيرة، ثم قصفت مختلف أجنحة المقاومة مواقع متعددة داخل فلسطين المحتلة. ووثّقت "سرايا القدس"، الجناح العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي"، استهدافها جيباً للاحتلال بصاروخ كورنيت دمّره بصورة كُلية.
وحتى كتابة هذا المقال، ما زالت المواجهات العسكرية مستمرة، وما زال الوسطاء يتبادلون الرسائل بين المقاومة والاحتلال.
وسائل الإعلام الصهيونية، من خلال أبرز المتخصصين فيها، والمعروف ارتباطهم وصِلَتُهم بصُنّاع القرار الصهيوني عسكرياً وسياسياً، عبّرت عن ذهولها من جرأة المقاومة في غزة على تحذير "إسرائيل"، وأعربت عن عدم فهمها توجهات قيادة حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة وتقود المقاومة فيه.
أغلبية المواجهات العسكرية السابقة اشتعلت نتيجة أسباب مباشرة، لها علاقة بالحصار المفروض على قطاع غزة، والذي سعت المقاومة لكسره من خلال أدوات ووسائل شعبية وعسكرية.
المواجهة الحالية مُغايرة لسابقاتها، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن توجهات المقاومة واستراتيجيتها في هذه المرحلة، وفي المستقبل أيضاً.
يبدو أن المقاومة تحاول فرض قواعد اشتباك جديدة مع الاحتلال، أوسع من كونها أهدافاً تكتيكية تتعلق بغزة وسعيها لكسر الحصار عنه، وخصوصاً الحصار الاقتصادي الذي أنهك الشعب الفلسطيني في القطاع .
القواعد الجديدة، تتمثَّل إحداها باستخدام قوة المقاومة الفلسطينية في غزة لردع الاحتلال عن القيام بجرائم وعدوان على الشعب الفلسطيني في كل مكان في فلسطين. أمّا القاعدة الثانية التي تسعى لفرضها، فهي تسخير المقاومة في غزة لخدمة القضايا الوطنية الاستراتيجية والثوابت الوطنية الكبرى، وعلى رأسها قضية القدس.
وأبرز أهداف المقاومة في هذه الجولة التأكيد أن المقدِّرات التي بنتها وراكمتها خلال الأعوام الماضية هي مُلك للشعب الفلسطيني، ودرعه الحامية.
إن ما قدَّمته المقاومة حتى الآن من أداء فاجأ العدو، أكّد أن سياسة الحصار والعدوان فشلت في ردعها وكيّ وعيها، وهو ما اعترف به عدد من الأوساط الصهيونية .
المواجهة الحالية وتطوُّر منظومة المقاومة وعدم الخشية من رد الاحتلال وقوته النارية، تعكس رغبة المقاومة في كسر هيبة "إسرائيل" وتوجيه إهانة إليها، الأمر الذي قد يشجع كلَّ الأطراف المعنية بمواجهتها على عدم التردد من ذلك، وألاّ تخشى هذه الدولةَ المارقة.
مهما تكن نتائج الجولة الحالية، فإن مسار الأحداث وتطورها وتبعاتها ستفرض معادلة جديدة قد تنعكس على المنطقة برمّتها.