بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحق تبارك وتعالى إن أريد إلا الأصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب هود من الآية…
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول الحق تبارك وتعالى ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(هود من الآية88)
انتهزت الإدارة الأمريكية فرصة وقوع حادث 11 سبتمبر 2001م وما واكبه من فجيعة وحزن داخل المجتمع الأمريكى، وذهول واضطراب على المستوى الدولى، وانطلقت فى توظيف الحدث لتنفيذ مخططاتها – المعدة سلفا – والرامية إلى السيطرة والهيمنة على العالم، وإخضاعه لتوجهاتها، وإقامة الإمبراطورية الأمريكية وتعزيز مكانتها كقطب أوحد لا ينازعها فيه أحد، وفى سرعة تحسد عليها – وعبر صيحات التهديد والوعيد – أعلنت الإدارة الأمريكية بداية حرب "صليبية" جديدة ضد من أسمتهم بالإرهابيين، وأنها غير مهتمة بتقديم من قاموا بحادث 11 سبتمبر إلى العدالة، وإنما هى تريد إقامة حرب لا هوادة فيها مع الإرهاب وتتبعه فى كل مكان لاستئصال شأفته واجتثاثه من جذوره، وأنها لا ولن تتوانى فى إيقاع أقصى العقوبة – ولو حربا – ضد من يساعد الإرهاب أو يؤيه.
واختارت الإدارة الأمريكية أفغانستان لتبدأ حملتها ضد الإرهاب (المزعوم) فقامت بغزوها، واحتلالها، وأقامت فيها حكومة موالية لها، وزرعت فى المناطق المجاورة لها قواعد عسكرية دائمة على مقربة من إيران والصين والهند ودول القوقاز (حيث احتياطى النفط الكبير) ...
وكانت العراق – حيث أكبر احتياطى نفط فى العالم – هى المحطة التالية.. فغزتها واحتلتها وأقامت بها هى الأخرى قواعد عسكرية تتحكم من خلالها فى منطقة الشرق العربى والإسلامى وتعزز من تواجدها العسكرى فى الخليج، وتؤمّن دولة الكيان الصهيونى فى مواجهة إيران وسوريا، ومصر أيضًا .. وقد تم ذلك دون إرادة المجتمع الدولى كله وأعادت الإدارة الأمريكية العالم بذلك إلى شريعة الغاب وأن القوى هو الذى يحكم وهو الذى يفرض إرادته وقوانينه.
وإزاء تلك الأحداث الجسام كان موقف الحكومات والأنظمة العربية غريبا
وعجيبا، متراجعا وسلبيا، فالتهديد الأمريكى بتصدير النموذج العراقى إلى
كافة الأنظمة العربية أصابها بالخوف والفزع، وبدلا من اللجأ إلى الشعوب،
والتصالح معها ومعاملتها بما يتناسب ومكانتها وقدرها، إذْ بها تدير ظهورها
لها، بل ويسعى بعضها إلى استجلاب رضاء الإدارة الأمريكية، أو غض الطرف عما
فعلت (وتفعل) اتقاءً لشرها والهروب من بطشها .
وفى الوقت ذاته كان شارون وآلته العسكرية الباطشة تقوم – وبدعم كامل من
الإدارة الأمريكية – بعملياته الإجرامية ومجازره الوحشية ضد شعب فلسطين فى
محاولة منه لقمع وإنهاء المقاومة الباسلة وكسر إرادة الشعب الفلسطينى البطل..
المقاومة تشتد
وعلى غير ما توقع المحتل الغاصب اشتد ساعد المقاومة فى أفغانستان والعراق، وبدأت الإدارة الأمريكية تشعر بالقلق من خلال قتلاها الذين يتوافدون عليها يوميا، وأنها غير قادرة – رغم أعمال القمع والاعتقال – على إيقاف المقاومة أو الحد منها، ومما زاد من القلق أن الرئيس بوش مقدم فى نهاية هذا العام على انتخابات الفترة الثانية له، وهو ما يمثل توقيتا حرجا، خاصة وأن أعداءه الديمقراطيون بدأوا فى تأليب المجتمع الأمريكى عليه من خلال إثارة شبح حرب فيتنام وما لقيه الأمريكيون هناك .
أيضا أدت أعمال المقاومة الفلسطينية فى الأرض المحتلة إلى تكبيد العدو
الصهيونى خسائر فى الأرواح، وتراجع فى الاقتصاد، واهتزاز فى النظرية
الأمنية له، والهجرة العكسية، فضلا عن فشل مشروعه الذى راهن عليه.
وقد واكب الأعمال العسكرية الباطشة بالنسبة لأفغانستان والعراق وفلسطين، سياسات وإجراءات أخرى تجاه بقية الدول العربية والإسلامية فى شكل تدخل سافر من الإدارة الأمريكية إغلاق المدارس الدينية، وتطوير المناهج الإسلامية، وتغيير الخطاب الدينى والثقافى بما يتلاءم مع المصالح الأمريكية وبما يقضى – حسب زعمهم – على المناخ الذى يعمل على تفريخ الإرهاب .. وللأسف تجاوبت حكومات وأنظمة الدول العربية والإسلامية لهذه المطالب التى تعد بحق انتقاصًا لسيادتها وإساءة لكرامتها .
لكن الشعوب العربية والإسلامية كان لها موقف آخر، فقد أعلنت رفضها الكامل عبر المسيرات الضخمة والمؤتمرات الحاشدة لكلا من المشروعين الأمريكى والصهيونى ولم تزدها أعمال القمع الأمريكى والصهيونى إلا كراهية وازدراءً لها وتعاطفا كاملا مع المقاومة،.
مشروع الشرق الأوسط الكبير
وفى إطار البحث عن طريقة لفرض الوصاية أو العودة لعهود الانتداب من جديد بشكل كامل وشامل، تفتق ذهن الإدارة الأمريكية عن مبادرة قديمة جديدة أطلق عليها مشروع الشرق الأوسط الكبير والذى يعتبر الكيان الصهيونى أحد ركائزه الأساسية ، وقد اتخذت الإدارة الأمريكية مسألة الاستبداد والطغيان وسحق الكرامة الإنسانية للمواطنين فى العالم العربى والإسلامى والعصف بحقوقهم القانونية وحرياتهم العامة، وشيوع الفساد والتخلف الحضارى، وانتشار الفقر، وقلة الإنجازات فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية وما أدت إليه من أزمات ومشكلات فى التعليم والصحة والإسكان والبطالة ... إلخ، نقول اتخذت هذا كله مبررا لإطلاق هذه المبادرة التى تضمنت محاور ثلاثة رئيسية هى تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، بناء مجتمع معرفى، وتوسيع الفرص الاقتصادية، ونسيت – أو تناست - الإدارة الأمريكية أنها الداعمة القوية لكل صنوف الديكتاتورية والاستبداد، وأنها تخطط دائما لبقاء الدول العربية والإسلامية فى عزلة عن العلم والتقدم ، وأنها تستغل الظروف الاقتصادية المتردية للدول لمزيد من التبعية لها والدوران فى فلكها .
وقد تم توزيع هذه المبادرة على الدول الصناعية الثمانى، بهدف إضافة بعد دولى لها، لإسقاط الحساسية والشكوك التى تكونت لدى الشعوب العربية والإسلامية تجاه الإدارة الأمريكية من جانب، ولتوسيع وإشراك أكبر قدر من القوى الدولية فى خط مواجهة واحد ضد الإرهاب المزعوم من جانب ثان، ولإحكام الحصار على الدول العربية والإسلامية من جانب ثالث فلا تجد مناصا من قبول المبادرة والإذعان لها، وسوف تتخذ الدول الصناعية الثمانى فى يونيو المقبل موقفا موحدا – من حيث الإشراف والتنفيذ - إزاء هذه المبادرة على أساس أن المنطقة العربية والإسلامية – بوضعها وتكوينها الحالى – تمثل مصدر خطر عليهم، وبالتالى من حقهم التدخل فيها لإعادة صياغتها وتشكيلها – نظما ومجتمعات – للقضاء على هذا الخطر الذى يتهددهم .. ومن نافلة القول التذكير أن هذه المبادرة يجب ألا تشغلنا وتصرف أنظارنا عما يجرى فى فلسطين، والعراق، وأفغانستان.
موقفنا من المبادرة
إن مسألة التحديث والإصلاح على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى لابد وأن تنبع من داخل الشعوب العربية والإسلامية..
أولا حتى تكون متسقة ومتوافقة مع هوية الأمة وخصوصيتها الثقافية وميراثها الحضارى
وثانيا لضمان ديمومتها واستمرارها، وثالثا كى ندرأ عن أنفسنا مغبة التدخل والوصاية وفرض قيم تهدد أمننا واستقرارنا .
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية ماضية فى طريقها فى التدخل والوصاية، وهو ما يستلزم وقفة جادة من الأنظمة الحاكمة، ومؤسسات المجتمع المدنى والأحزاب والقوى السياسية والشعوب، فالأمر جد لا هزل فيه، وإذا لم نأخذ بزمام المبادأة ونسارع بإجراءات إصلاح حقيقية، ومواجهة ما يحدث – وما سوف يحدث – بروح التحدى والإصرار والمقاومة فسوف يجرفنا الطوفان، والواقع أنه لم يعد هناك خيار، فهذه مرحلة فاصلة فى تاريخ أمتنا، ولم يعد هناك وقت للمناورة أو المراوغة، أو استجلاب رضا الإدارة الأمريكية، فإما أن نكون أو لا نكون، وإذا كانت الإدارة الأمريكية تهدد أو تلوح بضرب بعض الأنظمة أو فرض عقوبات عليها – دون خجل أو حياء – فإن على الأنظمة أن تحسم أمرها بالانحياز إلى الشعوب والتصالح معها، فهى الملجأ والملاذ، وهى صمام الأمن والاستقرار، وهى القادرة – بفضل الله وبما لديها من طاقات وإمكانات – على الخروج من المأزق ومواجهة التحديات .
لذلك نقول لا مناص من إصلاح سياسى كامل وشامل .. من ديمقراطية حقيقية (بمفهومها الإسلامى) تنبع من الشعوب ذاتها، وبقناعة من الأنظمة الحاكمة فى أحقية هذه الشعوب فى أن تعامل المعاملة الكريمة اللائقة بها، فقد آن لأمتنا أن تتبوأ مكانتها بين الأمم ولكى تتحقق فيها الخيرية التى تحدث عنها القرآن (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)(آل عمران110) وكفى ما تعانيه هذه الأمة من تخلف وأزمات متعددة وإخفاقات فى ميادين شتى، ويسعى الإخوان إلى قيام نظام سياسى يضمن تحقيق مبدأ التكريم الإلهى للإنسان، ويحفظ حقوقه وحرياته، ويوجه الجهود لبناء مؤسسات الحكم بما يحقق لها الاستقامة والفاعلية، كما يضمن النزاهة والحرية لعمليات انتخاب الحاكمين وحسن مراقبتهم خلال الفترة الموقوتة لحكمهم اعتمادًا على أسس دستورية تضبط مسار الحكم وتضمن سلامته وإحكام إدارته وتداول سلطته وانتقالها بصورة سلمية .
وأما ما يخص الإصلاح الاقتصادى فإن من المعلوم أن المال هو (عصب الحياة) وأن الاقتصاد ركن أساسى من أركان الدولة، ومن الصعوبة بمكان أن يقوم الاقتصاد بدوره الفعال فى النهضة والتنمية الشاملة فى ظل نظريات اقتصادية غريبة عن المجتمع وهويته وثقافته، وعليه، لابد من برنامج منطلق من مبادئ الإسلام وقيمه ويعبئ طاقات الشعب الروحية وقواه الاجتماعية، ويتبنى سياسات اقتصادية جادة وجريئة تعتمد الواقعية، وتحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وبين الاستثمار والادخار، ويبن الصادرات والواردات، وتأخذ فى الحسبان مرحلة التطور الاجتماعى والاقتصادى، والإمكانات المتاحة للمجتمع من أجل التغيير المنشود وتحقيق السلام الاجتماعى والرفاه الاقتصادى، والاستقرار السياسى ، ولا شك أن التكامل الاقتصادى بين مصر والدول العربية والإسلامية يعتبر أحد الأسباب المهمة فى نهضة الأمة ورقيها .
ويقوم الإصلاح الاجتماعى على تحقيق الربانية والتدين فى المجتمع، والحفاظ على الآداب العامة وتعزيز مؤسسات النظام الاجتماعى، ورعاية الأسرة (المرأة والشباب والطفولة)، ومحاربة الجرائم والفساد، وإحياء نظام الحسبة، وإقامة العدل الاجتماعى وتوفير العمل والكسب، وإصلاح التربية والتعليم، والعناية بالصحة العامة، وتوجيه الإعلام والفن، وتنظيم السياحة والاصطياف (حول أساسيات المشروع الإسلامى لنهضة الأمة) هذه إشارات مجملة سوف يتبعها تفصيل بإذن الله، والله الموفق والمستعان إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد .. وهو الهادى إلى سواء السبيل؛
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع