الشرق الأوسط الجديد.. وصفة أمريكية قديمة بأدوات جديدة

الشرق الأوسط الجديد.. وصفة أمريكية قديمة بأدوات جديدة

أحمد الحيلة
2006-07-26

أطلقت واشنطن تقليعتها التي عرفت سابقا بالشرق الأوسط الكبير رغبة منها في إنتاج شرق أوسط بمواصفات أمريكية يمهد الطريق لها ولحليفتها الإستراتيجية إسرائيل من فرض هيمنتهما على المنطقة…

 (1)

أطلقت واشنطن تقليعتها التي عرفت سابقاً بالشرق الأوسط الكبير، رغبة منها في إنتاج شرق أوسط بمواصفات أمريكية، يمهد الطريق لها ولحليفتها الإستراتيجية (إسرائيل) من فرض هيمنتهما على المنطقة، مستثمرة في ذلك تمكنها من احتلال العراق، وضعف وتبعثر النظم السياسية العربية، ولذلك عملت واشنطن على محورين أساسيين وهما

أولاً التخلص من النظم السياسية المناوئة لها ولسياستها، إضافة لابتزاز نظم سياسية أخرى.

ثانياً عزل حركات المقاومة في مسعى لإضعافها أو القضاء عليها، ليصبح الشرق الأوسط الكبير مرتعاً أمريكياً وأرضاً خصبة للمشاريع الصهيوـ أمريكية.

وقد كانت "الديمقراطية" الذريعة، والأداة التي استخدمتها واشنطن للوصول إلى هدفها المنشود؛ فبالنسبة للأنظمة "المتمردة" على الإرادة الأمريكية، اتهمت بالديكتاتورية، وعدم ديمقراطيتها، وبالتالي يحق لواشنطن زعيمة العالم الجديد، أن تفرض ما تشاء من عقوبات سياسية واقتصادية، وصولاً للتهديد باستخدام القوة، وهذا ما كان مع دول مثل سوريا، والسودان، وإيران..، ولمزيد من التعقيد كانت تلك الدول متهمة بدعم "الإرهاب" (أي المقاومة)، مما يعني في نظر واشنطن أن تلك الدول تقع في بؤرة الاستهداف في معركة ما يسمى بمحاربة "الإرهاب".

أما الدول التي حظيت بصداقة الولايات المتحدة، فلم تسلم هي الأخرى من الابتزاز؛ فبسيف الديمقراطية هددت واشنطن بعض العواصم العربية ـ التي تخشى الشرعية الديمقراطية أو التي تمارس الديمقراطية شكلاً دون مضمون حقيقي ـ لاتخاذ مواقف متماهية مع السياسة الأمريكية في بعض القضايا وخاصة القضية الفلسطينية، حتى تحولت بعض الأنظمة إلى شريك في محاصرة المقاومة الفلسطينية والضغط عليها سياسياً وأمنياً.

وعلى صعيد المقاومة اللبنانية، فقد نجحت واشنطن مع فرنسا باستصدار القرار 1559 الذي بموجبة انسحبت القوات السورية من لبنان، وبموجبه توفرت الأرضية لبعض التيارات اللبنانية للمطالبة بنزع سلاح حزب الله، وتحويله إلى حزب سياسي يمارس نشاطه عبر مؤسسات الدولة بعيداً عن استخدام المقاومة المسلحة ضد الاحتلال (الإسرائيلي).

ورغم كل المحاولات الأمريكية والفرنسية وتعاون بعض الأطراف اللبنانية لنزع سلاح الحزب، إلا أن حزب الله استطاع استثمار الخصوصية اللبنانية في تركيبتها السياسية والطائفية في الحفاظ على سلاح المقاومة عبر الحوارات الداخلية، والتحالفات السياسية التي تعرفها وتتميز بها الساحة اللبنانية.

أما المقاومة الفلسطينية، فقد استطاعت القضاء على مشروع الشرق الأوسط الكبير ودفنه؛ فبفوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية المدعوم إجراؤها محلياً وإقليمياً ودولياً وبالأخص من قبل واشنطن و(تل أبيب)، انقلب المشهد وتحولت الديمقراطية إلى وبال على أمريكا التي سعت لعزل المقاومة وتدجينها سياسياً ظناً منها أن هذه الحركات لا تحظى بامتداد وتأييد شعبي كبير، وأنه بالإمكان رفع الشرعية والغطاء عنها عندما تخسر في الانتخابات أو تحظى بأقلية نسبية تحت قبة البرلمان.

ولكن نتائج الانتخابات التشريعية المفاجئة، ومن ثم رفض أمريكا و(إسرائيل) ومعظم الدول المتأثرة بالسياسة الأمريكية، التعامل مع نتائج الانتخابات والشروع في حصار الحكومة الفلسطينية الشرعية التي شكلتها "حماس" لإقصائها عن الحكم، كشف زيف ادعاءات أمريكا الديمقراطية، الأمر الذي أدى إلى تراجع مشروع الشرق الأوسط الكبير مخافة صعود حركات المقاومة ووصول الحركات الإسلامية المناهضة للهيمنة الأمريكية إلى سدة الحكم، كما حدث في مصر عندما اكتسح الإخوان المسلمون عشرات المقاعد رغم كل الحصار والتضييق من قبل النظام وأجهزته الأمنية.

 (2)

أما الدعوة الأمريكية الحالية لشرق أوسط جديد على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، فهي وصفة أمريكية قديمة على شاكلة الشرق الأوسط الكبير، مع إجراء تعديل واحد على درجة من الأهمية، وهو استبدال الأداة من فزّاعة الديمقراطية إلى العصا الغليظة الممثلة بأحدث ترسانة عسكرية أمريكية حازت عليها (إسرائيل)، ولسان حالهم يقول الذي لا يأتي بالسياسة و"الديمقراطية" (المزعومة)، يمكن أن يأتي بالعنف وبالمزيد من القوة المسلحة.

ومن هنا جاءت الدعوة الأمريكية لشرق أوسط جديد مواكبة ونتيجة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، ذلك العدوان المدعوم أمريكياً، والحائز على غطاء دولي، وتشجيع من بعض الأطراف العربية ـ للأسف الشديد ـ التي ترتبط بعلاقات ومصالح داخلية وإقليمية مع واشنطن.

فالولايات المتحدة الأمريكية، تعاني من أزمة شديدة جراء تصاعد خط المقاومة ضدها من أفغانستان إلى لبنان مروراً بالعراق وفلسطين، وذلك بالتماس مع سوريا الممانعة والرافضة الانصياع للأوامر الأمريكية، وبالتماس مع إيران التي تمثل قلقاً شديداً لواشنطن في مجال النشاط النووي.

ومن هنا ترى واشنطن أن بيروت تمثل نقطة تقاطع هامة على خط المقاومة، وخط سوريا ـ إيران، وأن العدوان الإسرائيلي رغم انتهاكه الصارخ للمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، يمكن أن يمثل فرصة مواتية لإحداث اختراق في جبهة الممانعة التي أصبحت تعرف بمحور سوريا ـ إيران ـ لبنان ـ فلسطين.

فإن نجحت المغامرة العسكرية الإسرائيلية في القضاء على حزب الله أو تجريده من السلاح، فإن ذلك سيعد بمثابة نصر في معركة مع جبهة الممانعة تلك، وسيؤدي إلى انعكاسات سلبية عليها؛ فالمقاومة الفلسطينية ستتأثر معنوياً بتراجع حزب الله الذي يستهدف عدواً مشتركاً، والكل يدرك كم عمت الفرحة في نفوس الفلسطينيين مقاومين ومدنيين عند نجاح حزب الله في أسر جنديين أملاً في استبدالهم مع سجناء لبنانيين وفلسطينيين داخل سجون الاحتلال.

أما سوريا، فإنها ستفقد عامل قوة وحليفاً قوياً لها على الجبهة اللبنانية التي قد تتحول بدون مقاومة حزب الله إلى تهديد لدمشق، وخاصرة رخوة لسوريا قد تستغلها (إسرائيل) وأمريكا ساحة وممراً في المستقبل، لمزيد من الحصار وتضييق الخناق على سوريا، وهذا ما يفسر تصريح وزير الإعلام السوري من أن سوريا ستضطر لدخول المعركة إذا اقتربت القوات الإسرائيلية من الحدود السورية مع لبنان.

وفي السياق نفسه، سيعتبر إضعاف حزب الله، إنجازاً أمريكياً حيال الملف النووي الإيراني، حيث ستفقد إيران قوة مناصرة لها على الحدود الشمالية للكيان (الإسرائيلي) الحليف الاستراتيجي لواشنطن في المنطقة، والمعني هو الآخر بالقضاء على أي أمل لإيران بامتلاك التقنية النووية مخافة توصلها في المستقبل لتصنيع القنبلة النووية.

واستناداً إلى ما سبق، فإن واشنطن تعول كثيراً على العمليات العسكرية (الإسرائيلية) في لبنان، ولذلك هي تزود (تل أبيب) بقنابل "ذكية" وكل ما يلزم من عتاد على وجه السرعة، إضافة لوقود الطيران الحربي الذي نفد لدى الجانب (الإسرائيلي) بمنحة قدرها 300مليون دولار.

وتعمل على منح (إسرائيل) الوقت الكافي لإتمام مهامها للوصول إلى نقطة الحسم العسكري، وبغطاء دولي تشارك فيه بعض الدول العربية.

إذن النجاح والخسارة على الجبهة اللبنانية، هو المؤشر على بداية النجاح والفشل لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

فنجاح (إسرائيل) في عدوانها على لبنان بإضعاف حزب الله أو القضاء عليه، سيفتح الباب أمام الحلف الصهيو-أمريكي للانتقال إلى المرحلة التالية لاستثمار النصر، وسيكون الدور على أحد أركان جبهة الممانعة، تمهيداً لشرق أوسط جديد خال من المقاومة والممانعة السياسية.

وخسارة إسرائيل على الجبهة اللبنانية، سيعزز في المقابل جبهة الممانعة، ويحفز خط المقاومة في المنطقة لمزيد من العمليات والنشاط لاستنزاف الحلف الصهيو ـ أمريكي.

.. فهل يمكن أن يُدفن مشروع الشرق الأوسط الجديد في لبنان، كما دُفن مشروع الشرق الأوسط الكبير في فلسطين؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026