الحرب وسيلة قتل في منطق إسرائيل في حين إنها في القانون الدولي الإنساني وسيلة لإضعاف قوة العدو العسكرية أو لتدميرها من أجل فرض شروط عليه فالعمليات العسكرية تتكامل مع العملية السياسية…
*
الحرب وسيلة قتل في منطق "إسرائيل"، في حين إنها في القانون الدولي الإنساني وسيلة لإضعاف قوة العدو العسكرية أو لتدميرها من أجل فرض شروط عليه، فالعمليات العسكرية تتكامل مع العملية السياسية، وتشكل محاولة للخروج من المأزق السياسي، قد تؤدي إلى السلم، وقد تؤدي إلى اشتداد المأزق. لذلك وضع القانون الدولي الإنساني قواعد ينبغي التقيد بها من جانب القوى الداخلة في الصراعات المسلحة، من أجل ضبط العمليات العسكرية ضمن الحدود التي تتلاءم مع مفهوم القانون الدولي الإنساني للحرب، وبالتالي عدم تحويل الحرب إلى مجرد وسيلة قتل وتدمير.
وهذه القواعد نصت عليها اتفاقيات جنيف للعام 1949، وهي تتعلق بالجرحى من القوات العسكرية في الميدان وفي البحار، ومعاملة الأسرى، وحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وقبل ذلك، ومنذ فجر التاريخ، وفي مختلف الحضارات، جرى وضع قواعد ينبغي احترامها في الحروب، من أجل الحفاظ على المدنيين، والاهتمام بالجرحى، حتى جرحى القوات العسكرية التابعة للعدو، ومعاملة الأسرى معاملة حسنة، على أساس أن الجرحى والأسرى من العسكريين أصبحوا عملياً خارج المعركة، وبالتالي خارج العمليات العسكرية، ولم يعودوا يشكلون خطراً على أحد.
هذه القواعد يبدو أن لا مكان لها في "الحضارة الصهيونية"، و"إسرائيل" لا تتقيد بها رغم انضمامها إلى اتفاقيات جنيف للعام 1949، وتتمادى في انتهاك القانون الدولي الإنساني ومختلف الأعراف والقرارات الدولية، وتحظى في الوقت نفسه بالحماية الدولية، ويجري غض الطرف عن الجرائم التي تتمادى باقترافها، والتي باتت تشكل سمة أساسية في تاريخ "إسرائيل"، ووصمة عار في جبين الأمم المتحدة، المفترض بها رعاية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة والحروب، كما في السلم.
تقوم "إسرائيل" بذريعة ضرب حزب الله وتدمير آلته العسكرية، بتدمير لبنان وقتل أبنائه الأبرياء، وتشريدهم والتنكيل بهم، فمنذ اللحظة الأولى لبدء العمليات العسكرية ضد لبنان، باشرت "إسرائيل"، قصف الأحياء الآهلة بالسكان والبعيدة عن المواقع العسكرية، وملاحقة الأبرياء الهاربين من القصف وإمطارهم بوابل من القنابل والصواريخ، وهذا ما أدى إلى مزيد من المجازر، سقط فيها الأطفال والنساء والشيوخ، ناهيك عن تدمير البنى التحتية، من جسور وطرقات ومحطات الكهرباء وخزانات الوقود، وقصف المطارات والموانئ، وتدمير المباني على ساكنيها. وأغرب ما في الأمر أن "إسرائيل" دمرت الجسور، وقطعت الطرق، وأنذرت المواطنين، في الوقت نفسه، بإخلاء قراهم ولم تترك لهم سبيلاً للهروب.
لقد انتهكت "إسرائيل" في عدوانها على لبنان كل قواعد القانون الدولي الإنساني، مستعملة الحرب وسيلة للقتل، وليس لتدمير الآلة العسكرية لحزب الله، مع العلم أن هذه الآلة العسكرية وجدت في الأساس بسبب عدوان "إسرائيل" المتمادي على لبنان منذ أكثر من ثلاثين سنة، واحتلال أجزاء واسعة من لبنان، لم يجر تحريرها عن طريق الأمم المتحدة وقراراتها التي بقيت حبراً على ورق، إنما عن طريق المقاومة التي قادها حزب الله. الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" في حربها على لبنان تؤدي إلى تصنيف قادة "إسرائيل" مجرمي حرب، لأنه ينطبق عليهم التعريف الدولي لمجرمي الحرب. وهذا يفترض، من الناحية القانونية، سوقهم ومحاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية بقرار من مجلس الأمن الدولي، الذي من واجبه رعاية حقوق الإنسان في الحرب كما في السلم، والسهر على احترام قواعد القانون الدولي، ولكن أين نحن من منظمة الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن الدولي تحديداً؟
من المؤسف أن نعيش في زمن فقدت فيه الأمم المتحدة الحد الأدنى من مصداقيتها، فغدا العالم يعيش في ظل شريعة الغاب نتيجة الأزمة التي يعيشها القانون الدولي.
لقد وجد القانون الدولي من أجل تنظيم العلاقات الدولية بما يحفظ حق الشعوب والدول، وبالتالي الأمن والسلم الدوليين، فإذ بالعلاقات الدولية تتحكم بالقانون الدولي بدلاً من أن يتحكم القانون الدولي بها، وإذ بمصالح الدول المشروعة وغير المشروعة تتحكم هي وموازين القوى، وبخاصة العسكرية منها، بالعلاقات الدولية، فغدا القانون الدولي اسماً من دون مسمى. ولا بد من وقفة على الصعيد الدولي تعيد للقانون الدولي اعتباره، لكي يحقق ولو الحد الأدنى من الأهداف التي وضع من أجلها. لقد اجتمع مجلس الأمن الدولي للنظر بالشكوى التي تقدم بها لبنان اثر العدوان "الإسرائيلي" الغاشم، ولم يتخذ قراراً بإدانة العدوان وطلب وقف إطلاق النار، فتنكر بذلك للهدف الذي قامت الأمم المتحدة من أجله، ألا وهو الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ورعاية حقوق الإنسان، التي غدت محوراً أساسياً من محاور القانون الدولي.
إن الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" بحق المدنيين، وتدمير البنية التحتية التي كلفت لبنان مليارات الدولارات، وأدت إلى تراكم الديون عليه، تفترض محاكمة قادة "إسرائيل" لكونهم مجرمي حرب، ومقاضاة "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية، من أجل إجبارها على دفع تعويضات للبنان، كما أجبرت العراق على دفع تعويضات للكويت.