حصاد عام هجرى وقفات وتأملات

حصاد عام هجرى وقفات وتأملات

المرشد محمد عاكف
2004-02-27

رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمينالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه مع المرشد العام للإخوان المسلمينالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه…

رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمينالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه مع

المرشد العام للإخوان المسلمينالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه مع انصرام عام هجرى 1424 وبداية عام جديد يجدر بنا أن نقف لنتأمل فى أهم أحداث ذلك العام الذى ودعنا منذ أيام، فهكذا يجب أن يكون المؤمن حيث أمر الله تعالى موسى عليه السلام ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) (ابراهيم من الآية5) وأمرنا الله تعالى عقب الحوادث الهامة والعظيمة بالاعتبار فقال ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)(الحشر من الآية2)

ونحن لا نقف لنبكى على حالنا وحال المسلمين أو لنتحسر فقط على ما فاتنا، ولكننا نتأمل الأحداث لنأخذ منها العبرة والعظة ولنعزم على تغيير حالنا إلى ما هو أفضل ولنتذكر مواقفنا فيها، فما وجدنا من خير حمدنا الله على توفيقه لنا، وإن وجدنا غير ذلك صححنا أوضاعنا وأعدنا النظر لعل الله يلهمنا الرشد والصواب ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد من الآية11)

لقد كان العام المنصرم مليئًا بالوقائع والأحداث على كل المستويات عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، ولم نستطع أن نحصيها عددًا أو نقف أمامها جميعًا ويكفينا هنا أن نستعرض أهم الأحداث .

المبادرات الأجنبية

لم يكد العام أن ينقضى إلا وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية نواياها تجاه المنطقة العربية فى إطار مشروعها الإمبراطورى الجديد وقدمت مبادرة جديدة حول "الشرق الأوسط الكبير" وقد جاءت فى سياق مبادرات عديدة تقدمها أطراف مختلفة داخل الإدارة الأمريكية ومن أوروبا، وسط عجز عربى رسمى وحصار للقوى الشعبية الحية فى الأمة وكما يقول الشاعر

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم                ولا يستأذنون وهم شهود

ومن الواضح أن أمريكا لا تريد إلا التمكين للكيان الصهيونى المغتصب لأرض فلسطين وسط تنامى الرفض الشعبى لهذا الكيان العنصرى وتريد أيضًا السيطرة على ثروات وأسواق المنطقة وفى مقدمتها النفط، كما تريد حصار التيار الإسلامى المقاوم والرافض لسياستها فى المنطقة عبر تغيير المناهج التعليمية وتحديث الخطاب الدينى والتدخل فى المعاهد والجامعات الإسلامية إلى الحد الذى وصل لمحاولة إلغاء مادة التربية الدينية، وإحلال مادة دخيلة باسم "الأخلاق" وكأن تدريس الدين الإسلامى أو المسيحى لا يتضمن ولا يكفى لبناء أخلاقى متين، والسؤال من أين ستستمد أخلاق أمريكا جذورها، أمن دين جديد، أم من أخلاق الكاوبوى الأمريكى التى أحالت العالم كله اليوم إلى ساحة حروب متصلة ؟

إن الحاجة إلى الإصلاح والتغيير قائمة فى بلادنا منذ عقود وإن غياب الحريات الأساسية بسبب استبداد الحكام والذين تدعمهم أمريكا هو الذى أدى إلى الفشل المتوالى على كافة الأصعدة، وإننا قادرون عبر التلاقى الوطنى العام والتلاحم العربى والتضامن الإسلامى على بناء نهضة فتية تعيد للعرب والمسلمين مكانتهم المفقودة منذ قرون، والبداية هى إطلاق الحريات، وعلى أمريكا أن توفر مبادراتها ويكفينا منها أن ترفع يدها عن المنطقة وأن تتوقف عن دعم الاستبداد وعن رعاية الكيان الصهيونى وإلا فإنها ستخوض حروبًا خاسرة ضد الشعوب التى تتسلح بعقيدتها وإيمانها .

احتلال العراق

من أبرز أحداث هذا العام احتلال العراق بسهولة وبمساعدة عربية مباشرة أو غير مباشرة وهو الذى شجع الإدارة الأمريكية على تصور سهولة التغيير واستسلام بقية الأنظمة العربية كما حدث مع ليبيا، لكن الذى فاجأ الأمريكيين هو انتفاض الشعب العراقى للمقاومة المسلحة ورفض كل الشعب العراقى للاحتلال وإصرارهم على جلاء القوات المحتلة .

إن المقاومة ضد الاحتلال حق مشروع لكل الشعوب، وإن العام الذى بدأ منذ أيام سيشهد إن شاء الله تعالى تصاعد المقاومة العراقية وتميزها عن عمليات العنف العشوائية التى لا يعرف أحد من وراءها، ولا شك أن هذه المقاومة ستتبنى برنامجًا للمستقبل وسيخوضها الشعب العراقى الذى يعانى جراء الاحتلال وفشل الإدارة المدنية للاحتلال فى توفير الأمن والاستقرار وغياب الحاجيات الأساسية للحد الأدنى من المعيشة، وسينضم اليائسون من الحلول السلمية مع الاحتلال إلى صفوف المقاومة كما حدث فى فلسطين السليبة .

فلسطين الصامدة

إن جرح فلسطين الذى ما زال ينزف واشتد نزفه خلال العام الماضى خاصة مع انكشاف رؤية بوش – شارون على أرض الواقع والتى بددت سحب الدخان التى أطلقتها تصريحاته التى أراد بها تخدير الحكام العرب وخداع الشعب الفلسطينى حول "دولة فلسطين"

على الأرض كان بناء جدار العزل العنصرى الذى ابتلع قرابة نصف أراضى الضفة الغربية أكبر دليل على فشل المشروع الصهيونى الذى أراد الهيمنة والسيطرة على الأرض والسكان والثروات وأراد الامتداد خارج حدود فلسطين إلى النيل والفرات، فإذا به يحيط نفسه بجدار عازل خوفًا من اشتداد هجمات المقاومة ويبنى "جيتو" جديد أو حارة  يهود واسعة ولا شك أن إصرار الشعب الفلسطينى الأعزل على استمرار نهج المقاومة هو الذى سيحطم هذا الجدار، كما تحطم جدار برلين من قبل، وسينهار – مع انهياره المشروع الصهيونى كما انهارت الفكرة الشيوعية والمعسكر السوفيتى بانهيار جدار برلين .

علينا أن ندعم جهاد الشعب الفلسطينى البطل وأن نفك الحصار الذى فرضته أمريكا والحكومات العربية على العمل الخيرى والإغاثى، فضلا عن العمل الجهادى خلال العام الماضى وأن نعمل بكل قوة على وصول الغذاء والدواء وكل صور الدعم إلى المرابطين على أرض فلسطين .

لقد نجح الشعب الفلسطينى فى الالتفاف بكل فصائله إسلامية ووطنية، وبكل اتجاهاته الفكرية داخل السلطة وخارجها حول نهج المقاومة، وأفلت بفضل الله ، ثم بجهود المخلصين من خطر الفتنة الداخلية والاقتتال الأهلى، وهذه خطوة طيبة، وها هو اليوم يحقق أولى بشائر الأمل فى إعلان العدو عن نيته الانسحاب من قطاع غزة، ويقيننا أن الشعب الفلسطينى سيوظف هذا الانسحاب الذى جاء تحت اشتداد وطأة المقاومة والانتفاضة لتمتين وحدته الوطنية، ولترسيخ نهج المقاومة حتى تمام الجلاء عن كامل الضفة الغربية وبذلك يمكن تحقيق المرحلة الأولى من الاستقلال بإقامة دولة فلسطينية بسواعد المقاومة، ليس بمنحة أمريكية، دولة قادرة على تحقيق أمانى الفلسطينيين فى استكمال حق تقرير المصير، وجمع الشتات الفلسطينى ورفع راية الحرية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وفى مقدمتها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

الحصار على العالم الإسلامى

شهد هذا العام اشتداد الحصار العلمى والتقنى المفروض على أمة الإسلام وحرمان المسلمين من الالتحاق بركب التقدم عبر تهديد إيران لتوقف برنامجها النووى السلمى، وإرهاب باكستان وتهديدها واتهامها ببيع التكنولوجيا النووية وإجبار ليبيا على تفكيك برنامجها البدائى، وحرمان مئات الطلاب العرب والمسلمين فى أمريكا من الالتحاق بدراسات العلوم المتقدمة .

كما اشتد الحصار على العمل الخيرى فى أمريكا وأوربا ومطاردة العمل الإغاثى فى كل بلاد الدنيا بما فيها بلاد العالم الإسلامى .

وفى الوقت الذى تتدفق فيه المعونات والمنح على العدو الصهيونى وعلى الجماعات التبشيرية وعلى الجماعات العرقية الإثنية، يحاصر فيه المسلمون ويمنعون من أداء فريضة من فرائض دينهم وهى الركن الثانى من الإسلام "الزكاة" كما تمنع الفتيات المسلمات من حقهم الطبيعى وحرمانهم فى الالتزام بأوامر ربهم بارتداء الحجاب فى المدارس الحكومية الفرنسية، أهى حرب على فروض الإسلام، أم هى بداية الحرب على القرآن الذى هو دستور المسلمين كما أعلن ذلك مسئول أمريكى مؤخرًا .

ونحن على ثقة أن ملايين المسلمين لن يزيدهم ذلك إلا تمسكًا بدينهم والتفافًا حول قرآنهم وتطبيقًا لشعائر إسلامهم، ليس تحديًا لأحد، بل خضوعًا لأمر الله تعالى .

وفى مقدمة أوامر الله لنا أن نأخذ بأسباب القوة جميعًا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال من الآية60) ومع اقتناعنا أن أسلحة الدمار الشامل مما حرّمه الله لأنها لا تفرق بين محارب وغير محارب، ولا تميز بين مذنب وبرئ، وأن تزهق آلاف الأرواح، إلا أن الذى بدأ السباق النووى فى العالم هى أمريكا والذى استخدم السلاح النووى هى أمريكا، وأن العالم اليوم وصل إلى حال من الردع المتبادل، والتوازن النووى باستثناء المنطقة العربية التى يتترس فيها العدو الصهيونى بأكثر من 200 رأس نووى بينما تقف كل الدول العربية عاجزة ومكشوفة أمام ذلك التهديد الخطير، ولا تستجيب أمريكا للدعوات المتكررة لنزع السلاح النووى وأسلحة الدمار الشامل من المنطقة كلها، وإزاء ذلك التهديد لا تملك الشعوب العربية إلا السعى لتحقيق التوازن فى القوى والردع المتبادل وهذا ما مارسته كل دول العالم بدءًا بالاتحاد السوفيتى مرورًا بالصين والهند وانتهاء بباكستان ولن تكون الأخيرة .

لقد شهد العام الماضى نهاية لبعض الطغاة مثل صدام حسين وإدوارد شفرنادزة وعند المقارنة نجد أن الأول زال حكمه بغزو عسكرى وأدى ذلك إلى احتلال بلاد الرافدين، أما الثانى فقد أطاحت به ثورة شعبية وبأيادى وطنية، وأدى ذلك إلى بداية جديدة حيث تمت انتخابات حرة تولى بها رئيس جديد الحكم، فيا للمفارقة، ويا للعجب .

أحرام على بلابله الدوح               حلال للطير من كل جنس

ونحن على يقين أن الأمة العربية والإسلامية التى يدين غالبية سكانها بالإسلام واستظل كلهم بحضارته الوارفة، التى تعلى من شأن الحرية "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار" والتى تقرر من أصول الحكم الشورى ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ )(آل عمران من الآية159) قادرة على إدارة مجتمعاتها بكفاءة واقتدار بعيدًا عن المخططات الأجنبية التى لا تريد بها خيًرا .

موجة العنف الأخيرة

ولقد شهدت بلاد إسلامية عديدة موجة من عمليات العنف التى استهدفت أمن واستقرار هذه البلدان فى "بالى" بإندونيسيا" والرياض بالمملكة العربية السعودية واستانبول بتركيا، والدار البيضاء فى المملكة المغربية، موجة تشير الشكوك فى توقيت مريب، توقفت بعد ذلك باستثناء مطاردات فى السعودية، وكأنها جاءت لإرهاب الحكومات لتنضم إلى الحرب الأمريكية العالمية على ما تسميه الإرهاب الذى لم تجد له تعريفًا حتى اليوم، وهى لا تستهدف إلا الإسلام المقاوم والمعارض لسياستها وهمينتها .

لقد أدان الإخوان جميع تلك الأحداث وقتها، وأكدوا تمسكهم بنهجهم الإصلاحى السلمى المتدرج، وحذروا الشباب المسلم من الانسياق لمغامرات طائشة وطالبوه بالاستفادة من التجارب الفاشلة السابقة، كما أعلنوا أن هذه النزعة العنيفة لن تتوقف ولن يتم علاجها إلا بعلاج جذورها، وأن فى الالتزام بالإسلام الصحيح الكفاية والعون على منع وتقليل آثار هذه الأحداث .

الأحباب الذين رحلوا

لا نستطيع أن نختم هذه الوقفة مع العام المنصرم إلا بالترحم على الذين فارقونا وفى مقدمتهم ضحايا الزلازل العنيفة التى ضربت عددًا من البلاد الإسلامية خاصة فى "بم" بإيران، عشرات الآلاف فى غمضة عين، دليل على قدرة الله القاهر فوق عباده، وذكرى لنا أن نستحضر دائمًا نية الطاعة والجهاد فى سبيل الله .

كما نتذكر الأحباب الذين رحلوا عن دنيانا وفى مقدمتهم مرشدنا المستشار محمد المأمون الهضيبى، وإخواننا حسن جودة، وعبدالمنعم سليم جبارة، وعز العرب فؤاد وغيرهم كثير، نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة والرضوان، كما ندعوه تعالى ألا يحرمنا أجرهم، ولا يفتننا بعدهم، وأن يغفر لنا ولهم .

عام مضى بكل أحداثه، لنا فيها العبرة والدروس، وعام بدأ نسأل الله فيه التوفيق والسداد .

( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(آل عمران من الآية140). * هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026