منذ اللحظة التي انتهت فيها الانتخابات الفلسطينية الأولى الرئاسية والتشريعية ويحاول الفائزون ترسيخ أقدامهم في الأرض ليس ذلك فقط بل كان الأمر واضحا أيضا على مستوى الصراعات الداخلية…
منذ اللحظة التي انتهت فيها الانتخابات الفلسطينية الأولى الرئاسية والتشريعية ويحاول الفائزون ترسيخ أقدامهم في الأرض، ليس ذلك فقط، بل كان الأمر واضحاً أيضاً على مستوى الصراعات الداخلية بين أقطاب تلك التشكيلة وعسكرها القديم والحديث، فرسخ القدامى أقدامهم وتمرد بعض الجدد، ومنهم من تم احتواؤه ومنهم من زيح عن الطريق فلم نعد نسمع صوته، ومنهم من فرض على القدامى فرضاً بفعل فاعل عربي أو غربي أو محلي قادر، حتى أن تصفيات معينة وقعت في الشارع الفلسطيني لم يفهم سببها ، أو أنها حملت على محمل اعتداء المعارضة.
أيضاً عمل الكثيرون على ترسيخ أقدامهم في المجال الاقتصادي والمالي، فبحث كل منهم عن منبع مالي أو بقرة حلوب لا ينضب حليبها في سبيل الاستفادة بأكبر قدر من هذا المشروع.
ثم فاحت رائحة الفساد في المجتمع الفلسطيني، وحينها كان لا بد من تقديم كبش فداء لهذه الرائحة، ففضح بعض المستفيدين القدامى المعارضين في السياسة العامة، وتم تسريب معلومات مالية وأمنية عنهم، ولكن الشارع الفلسطيني امتلأ بالفلتان الأمني للصراعات التي وقعت بين رؤوس الصراع الداخلي على السيطرة أو المسؤولية، وكلنا لاحظ ذلك بعيد استشهاد (أبو عمار) وأصبح الأمن أحد المطالب الشعبية، فاجتمعت كل هذه الأمور لدى الشارع الفلسطيني، وأصبح يتطلع إلى تغيير هذا النظام الحاكم الذي كان أكثر المتهمين، أو المتهم الأوحد بكل ما مضى ذكره.
وعليه فقد وجب الإعلان عن إجراء انتخابات بلدية قبل الانتخابات التشريعية، نوعاً من التنفيس؛ حيث إن البلديات هي الأظهر للشارع فيما يتعلق بالخدمات، وكلنا لاحظ أموراً هامة في ذلك، منها
بدأ مسلسل اللعب بالديمقراطية يأخذ طريقه في التطبيق، فقد تم اختيار البلديات الصغيرة أو التي تأكدوا أنها ليست لـ(حماس)، أو التي تسيطر عليها العائلات، ورغم ذلك فقد كان لحماس فيها حظ ما، ثم راحوا يسوّفون في إجراء باقي الانتخابات، و(حماس) لا تلتفت للأمر على أنه مصيري، بل كانت منتبهة إلى إثبات وجودها على الأرض من خلال المشاركة الاجتماعية، وخدمة المجتمع في كل مناحي حياته، حتى العمل الجهادي، ثم أجريت الانتخابات البلدية في بلدات هي في الأصل معاقل للحزب الحاكم سابقاً، أو أن حماس وقعت في أخطاء صعبة مع أهلها مثل بيت لاهيا، ورغم ذلك فقد فازت (حماس) فوزاً كاسحاً أدى إلى تعطيل(من خلال الطعن) بعض هذه النتائج إلى اليوم، ومن ثم توقفت الانتخابات البلدية الكبرى في المرحلة الثالثة والنهائية حتى إشعار آخر.
كل ذلك واكب مرحلة الإعلان السابقة عن نية الرئيس إجراء الانتخابات التشريعية، وكان لا بد –مع الضغط الدولي والعربي والمحلي- من إجرائها ولكن ليس قبل المماطلة لمدة تقارب العام ومرات تأجيل لا تقل عن ثلاث بحجج واهية، بل إن الحجج هذه كانت هي الدافع الحقيقي الذي يجب اعتماده لإجراء الانتخابات، لكن العائق الحقيقي وراء ذلك هو إعلان حماس عبر دعم قاعدتها التنظيمية وقرار قيادتها بأنها ستشارك وبثقل في هذه الانتخابات!!!
إذن لا بد من المماطلة، وقد كانت، بل وواكبتها، جهود على كل المستويات لثني (حماس) عن المشاركة أو لفض الناس عنها بهدف إفشالها لو دخلت حقاً الانتخابات؛ فقد اتهمت (حماس) بالبحث عن المصلحة الشخصية لقيادتها، حيث إنها –كما قالوا- حرّمت الانتخابات سابقاً ثم أحلّتها الآن، وقد قطعوا في ذلك الأمر شوطاً احتاج من (حماس) جهوداً على كل المستويات وفي كل المجالات لنسدّ هذا الجامعة.
ثم اتجهوا إلى التشويه على المستوى الشخصي لقياداتها ومرشحيها والتفضيل في ذلك كثير مملّ.
وحتى يوم الانتخابات وصدور النتائج الأولية الكاذبة لاقتراع العسكريين، فقد أرادوا حرباً نفسية على الجمهور، واستطلاعات الرأي المأجورة أو الموجهة ساهمت في ذلك، والبيانات المدسوسة على لسان الشرفاء وغير الشرفاء، وعلى لسان بعض أصحاب الخلاف مع الحركة ممن كانوا فيها وتركوها، بل وصل الأمر إلى إسقاط الاتهامات التي قدّمناها في بداية المقال على عناصر وقيادات حماس.
ذلك قدّمته وهو ليس ما أردته، فقد كانت جلّ العقبات، وما يمكن أن نسميه تخطيطاً يرقى إلى المستوى الدولي والإقليمي، ما بعد إعلان النتائج شبه النهائية، وسوف أذكر هذه العثرات في نقاط دون تفصيل
-مباشرة تم حساب المقاعد التي حصدتها (حماس) والمحسوبين عليها، ولمّا تأكدوا أنها بلغت الثلثين وأدركوا أنها تستطيع التشريع والتغيير في الدستور أدركوا خطورة ذلك على معاهداتهم فتم تغيير النتائج بسحب صوت من (حماس) في خانيوس وإضافة صوت للطرف المنافس، وروجعت لجنة الانتخابات في ذلك فـ(كلفتت) الأمر وتململت في متابعة الأمر، وصمتت (حماس) لتفويت الفرصة على من أرادوا إفشال الانتخابات كلياً.
-لمّا أعلنت (حماس) قدرتها على تشكيل الحكومة مع من يرغب في المشاركة، مارس الرئيس أبو مازن أدواراً لا تقل خطورة على رئيس الوزراء إسماعيل هنية وحركة (حماس)، فقد ماطل في توجيه كتاب التكليف بتشكيل الحكومة لرئيس القائمة التي حصدت أعلى الأصوات، بل وخرج إلى ما وراء الوطن وظل يزور الضفة الغربية من وراء وراء، حتى لا يلتقي هنية، وكان يراهن على مرور الوقت القانوني، حتى إذا كلفه بالكتاب لا يبقى وقت للمشاورة مع الفصائل التي أبدت رغبة في المشاركة.
-ومارست قائمة التغيير والإصلاح دوراً إعلامياً فاضحاً لهذا الأسلوب، وكان لا بد من تكليف هنية بالكتاب، خاصة وأن (حماس) لم تركن لموقف الرئيس السابق، بل استغلوا الوقت لترتيب وتشكيل الحكومة من حماس ومن وافق على المشاركة.
-وحين كلف الرئيس هنية بتشكيل الحكومة قدم له الكتاب مشروطاً بالإقرار بالاتفاقيات مع العدو، رغم اعتراف الرئيس بعدم قانونية الشرط. وعليه فقد تجاهل هنية هذه الشروط ولم يوقع إلاّ بعد إضافة رفضه خطياً على الكتاب.
-ثم كانت فترة المماطلة في التسليم والاستلام من التشريعي والحكومة، وباختصار فقد استخدمت سياسة الأرض المحروقة، ورفض التسليم حتى لمفاتيح المكاتب، حتى التزم موظفو التشريعي تحركات مسؤوليهم القدامى في الحضور والإياب!!!!!
-الأجهزة الأمنية لم تلتزم بقرارات وزارة الداخلية، رغم مسؤوليتها عنها.
-وبدأ الرئيس بسحب الصلاحيات من الوزراء إضافة إلى عدد من المؤسسات الإعلامية والقضائية والأجهزة.
-كما هاجمت بعض التشكيلات من أبناء الأجهزة الأمنية مؤسسات السلطة، بل وحرقتها، وهددوا وزراء ونواب وشوهوهم بكل الوسائل.
-واصطنعت القلاقل وافتعلت المشكلات الجانبية، وقتل الأبرياء والعلماء.
-وأوصي بقطع المساعدات والرواتب والمستحقات من الدول العربية والأوربية ، بل والضرائب من العدو.
-ومنع العرب من إيصال الأموال التي جمعتها الحكومة من الشعوب العربية وغيرها.
-لم يوافق الرئيس على جلب الأموال عل حسابه الخاص بدعوى أنه ليس صرّافاً.
-حاولوا منع الوزراء من جلب الأموال، بل وحاولوا توجيه الإهانات للوزراء على المعابر.
-اصطنعوا المشاكل بين حماس والدول المحيطة كالأردن ومصر.
-ثم شرع العدو بتهديد النواب والوزراء بالاغتيال.
-ضرب الحصار العام والشامل على الشعب والحكومة.
-ولما فشلت كل المحاولات السابقة في فض الناس عن الحكومة، اقتربت أوربا وأمريكا من التعامل مع الحكومة كأمر واقع؛ لأن البعض قالها صريحة بأنه فشل في الهدف، لكنهم –فجأة- طلبوا من الإدارة الأمريكية بعدم التعجّل، وظهرت بعد ذلك مباشرة وثيقة الأسرى وما تبع ذلك من محاولة لتمرير الاستفتاء في ظل الحصار والتجويع والأسر.
-ولمّا تأكدوا أن (حماس) جادة في إيقاف الاستفتاء، لخطورته، ولو بكل الأثمان وافقوا على تمديد الحوار، وإظهار التساهل في استبدال وإضافة بعض الألفاظ، وما زال في جعبتهم وسائل لإفشال الحكومة، فأعلنت (إسرائيل) حملة أمطار الصيف، قبل عملية كرم أبو سالم؛ حيث اعتقلوا وقتلوا وخطفوا وزادوا في الحصار، وكانت مجزرة عائلة غالية قبل كرم أبو سالم، وهددت (إسرائيل) بالاجتياح، وكانت قد استعدت له جيداً وتبادلت التهديدات مع جماعات المقاومة الفلسطينية، وفي سرعة لا تصدّق كانت أرتال الدبابات تدخل من شمال غزة والقصف قد أصاب الوزارات والأماكن التي تتعلق بالحكومة والتشريعي و(حماس). واعتقل النواب والوزراء الذين أكد القضاء الإسرائيلي عدم المقدرة على توجيه التهمة عليهم بالتحريض على خطف الجندي أو الإرهاب.
-جاء سريعاً سريعاً من يعلن على الفضائيات وجود أزمة وزارية وفراغاً دستورياً، في محاولة لإعادة الالتفاف على الحكومة، ولمّا استخدم القانون في إغلاق ذلك المطلب.
-ثم وجه وزير الداخلية رسائل تكليف، يمكن أن تؤخذ على أساس وثيقة الوفاق الوطني الأخيرة، حيث جاء فيها بوجوب التزام الأجهزة الأمنية التابعة للداخلية بقرارات الوزير، إلا إن حالة الاستنفار قوبلت بالرفض، وبدعم من الرئيس، وكأن الوطن لا يعنيهم، أو كأن العملية ليست من أجل "جلعاد" بل هي مواصلة المشوار لإسقاط الحكومة!!
بل واغتالوا الدكتور حسين أبو عجوة المحاضر في جامعة الأقصى، وقيل غنهم توصلوا إلى حقيقة كون القتلة هم الذين مارسوا القتل قبل توقيع الوثيقة!!
والآن نسأل هل يوجد مكان تسلسلي في هذا المشهد يمكن أن ندخل فيه عملية "الوهم المتبدد" أو شخص "جلعاد" الذي لم نعد نسمع اسمه في الصحافة الإسرائيلية؟!
الواضح أن الأحداث التي سردتها أعلاه لا تترك مكاناً لـ"جلعاد" داخل المشهد الخاص بإرهاق الحكومة الفلسطينية في السنوات الأربع القادمة!!!!