دروس وعبر فى: ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا

دروس وعبر فى: ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا

المرشد محمد عاكف
2004-02-13

دروس وعبر فى لقد جاء الإمام البنا إلى الدنيا على قدر مقدور فإن العصر الذى ولد فيه كان عصرا مليئا بالتيارات الهدامة والإلحاد والتحديات المعادية وكان العالم الإسلامى يتعرض لأبشع…

دروس وعبر فى

لقد جاء الإمام البنا إلى الدنيا على قدر مقدور، فإن العصر الذى ولد فيه، كان عصرا مليئا بالتيارات الهدامة والإلحاد، والتحديات المعادية، وكان العالم الإسلامى يتعرض لأبشع أنواع المخططات الاستعمارية، نتيجة لسيطرة الاستعمار الغربى الصليبى، وغارته الفكرية والحضارية على كثير من البلدان الإسلامية، ولعل أبشع وأشنع ما نزل بالمسلمين فى تلك الفترة، كان إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924م، حيث تحولت دار الخلافة من رمز لاتحاد المسلمين وقوتهم، إلى دولة علمانية، ألغيت فيها الشريعة الإسلامية، لتحل مكانها القوانين الوضعية ، وأصبح المسلمون كالشاة فى الليلة المطيرة، قلبت المفاهيم واستشرى الانحلال، وفشا الإلحاد، وشوهت أمجاد الإسلام العظيم، وعزلت الشريعة عن حياة المجتمع، واستحالت دولة الخلافة إلى دويلات متنافرة ولم يبق لهذه الأمة من ملجأ ولا نصير  إلا رحمة الله تعالى، ثم نجدة العقيدة، وقوة الإيمان .

ومن هنا يكتسب التوقيت الذى ظهر فيه الإمام حسن البنا رحمه الله أهميته ، فقد أيقن الرجل أن جهود الدعاة إلى الله لن تؤتى ثمارها المرجوة طالما ظلت جهودا فردية متفرقة ، وأدرك أنه لابد من تجميع هذه القوى فى جماعة واحدة تأخذ الإسلام كله دينًا شاملًا ينظم نواحى الحياة جميعها ، ويعيد تقديم الإسلام من جديد فى صفائه وجلاله وكماله ، فكان هو ذلك الإمام المجدد ، كما ورد فى الحديث الشريف "يأتى على رأس أمتى كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها" وكان فى تكوينه العلمى والعبادى، وفى صلته بالله تعالى ، وعميق فهمه للإسلام ، ولواقع مجتمعه ، ومتطلبات النهضة التى لابد منها ، كان فى ذلك كله قدرا رحيما من الله تعالى قيضه لهذه الأمة ، فأسس جماعته سنة 1928م بعد سقوط الخلافة بنحو أربع سنين ليحاول وضع مشروع النهضة الإسلامية الشاملة موضع التنفيذ ، ونذر لهذا المشروع والدعوة إليه والتربية عليه والجهاد فى سبيله عمره كله ، وقد كان وقت أن أسس جماعته فى العشرينيات من عمره ..

وكانت نفسه المتوثبة تتوق إلى تحقيق أعظم الآمال لهذه الأمة ، وإن رآها بعض البعيدين عنه ضربا من جموح الخيال تنوء به القوى الأرضية الراسخة .. وقد أجمل أهداف جماعته فى أمرين فقال لإخوانه

"واذكروا دائما أن أمامكم هدفين أساسيين

الأول أن يتحرر الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبى .

الثانى أن يقوم فى هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعى، وتبلغ دعوته للناس"

أما وسائل تحقيق هذه الأهداف فترتكز فى مجموعها على تكوين الفرد المسلم تكوينا حقيقيا يشمل جميع جوانبه العقدية والفكرية والنفسية والجسدية والعبادية.. وعلى كتف ذلك الفرد تؤسس الأسرة المسلمة ومن مجموع ذلك يتحقق إصلاح المجتمع والدولة بإذن الله ..

ولم يغفل الإمام البنا عن دور المرأة المسلمة ، فجعل من أهم أقسام جماعته قسم الأخوات المسلمات ، يزكى نفوسهن ، ويستهدف تربيتهن، لتتحقق المرأة المسلمة بصحيح إسلامها، وتكون أما صالحة تؤتمن على تربية جيل النصر المنشود ، وعنصراً فاعلاً ومؤثراً فى مجتمعها ، وهو الذى أسس مدارس حراء لتعليم الفتيات فى وقت كان تعليمهن فى مصر أمراً يثير الاستغراب ، ولتعلمهن حرفاً يكتسبن منها ، وبنى دارا للتائبات - منذ بداية تأسيسه الجماعة فى الإسماعيلية - لتصحيح مسار النسوة اللائى انحرفت أخلاقهن، وساءت سيرتهن ..

وأمضى الإمام حسن البنا رحمه الله حياته مدافعا عن حق الأمة فى الحرية السياسية ، وحقها فى التعبير عن نفسها ، واختيار قادتها وأولى الأمر فيها ، وأن النظام النيابى هو أقرب النظم إلى الإسلام.

أما الاستقلال عن الاستعمار بكافة أشكاله السياسى والاقتصادى والعسكرى والفكرى فكان حجر الزاوية فى رؤيته السياسية ، وقد مر بنا أنه جعل تحرير الوطن الإسلامى كله من كل سلطان أجنبى أول أهدافه العامة .

ولقد حدد الإمام الغاية والهدف والوسيلة، والغاية دائما هى الأصل "الله غايتنا" فهذا أصل الأعمال، وهى القوة التى تدفع إلى الطريق، يقول الإمام "مصدر تحديد هذه الغاية هو الإسلام، فهى تتجلى فى كتاب الله وسنة رسوله، والتزامنا بها هو انتساب لأسمى مهمة، فهو سبحانه غايتنا الأصيلة، وأساس ومحور صلاتنا وأعمالنا، وهذا مصدر عزتنا وقوتنا، وليس بعد ذلك عزة ولا قوة" (رسالة إلى أى شئ ندعو الناس) .

وعن المهمة يقول "أيها المسلمون عبادة ربكم والجهاد فى سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هى مهمتكم فى الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون" ومن أوصاف أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أنهم "رهبان بالليل، فرسان النهار" (المرجع السابق)

ثم يتحدث عن ضرورة إيقاظ الأمة من الغفلة التى سيطرت عليها فيقول "علينا أن نوقظ الأمة من غفلتها وأن نقف أمام هذه الموجة المادية الطاغية، ونستعيد مجد الإسلام.

الإمام البنا وقضية فلسطين

إنه شهيد هذه القضية، وقد كانت عنده - ومازالت عند جميع الإخوان فى العالم - قضية الإسلام الكبرى، وهى كما قال "قلب أوطاننا، وفلذة كبد أرضنا، وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية فى جامعتنا ووحدتنا، وعليها يتوقف عز الإسلام أو خذلانه"، وكأنه يخاطبنا اليوم، ويعيش معنا رضى الله عنه، فالعصابات الصهيونية ومن ورائها أمريكا، حولت قضية فلسطين مع عصابات يهودية، إلى معركة كبرى، وقد تجسد الصراع بين قوى الشر والظلم من ناحية وأهل فلسطين العزل من ناحية أخرى، ولم يكن الإمام غافلا عن حجم المتاعب التى ستأتى من التصدى لهذه القضية، وكان يقول "ريح الجنة تهب من فلسطين" ، ويقول "إن الإخوان المسلمين ليعلمون أن دعوتهم عدوة للاستعمار، فهو لها بالمرصاد، وعدوة للحكومات الجائرة الظالمة، فهى لن تسكت على القائمين بها، وعدوة للمستهزئين والمترفين والأدعياء، من كل قبيل، فهم سيناهضونها"، ولقد اهتم الإمام وإخوانه بقضية فلسطين، فدفعوا بشبابهم لمواجهة الصهيونية، ونازلوهم فى كل مكان، وقدموا الشهداء الأبرار ، وهم دائما على استعداد لو أتيح لهم أن يواجهوا الصهاينة فى فلسطين، وما كانوا ليتخلفوا عن هذا الواجب وتلك الفريضة .

لماذا أغتيل الإمام الشهيد ؟

لقد أغتيل الإمام البنا فى 12 فبراير سنة 1949 والأمة كلها أحوج ما تكون إليه ، ودخلت جماعته فى محنة طويلة عصيبة فما وهن رجالها ، وما ضعفوا، وما استكانوا، بفضل الله وتوفيقه ، وكانت دماء الإمام الشهيد - الذى قتل فى أكبر شوارع القاهرة ، ومنع الناس من تشييع جنازته ، فما حمل جثمانه الطهور إلا نساء بيته - أعظم تأثيرا فى أصحابه من ألف خطبة يلقيها ، وألف رسالة يكتبها ، وكما قال الشهيد سيد قطب رحمه الله "إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا فى سبيلها دبت فيها الروح ، وكتبت لها الحياة" ..

إن الرجل الذى أرعب الاستعمار الغربى الصهيونى - لما أعلن أنه سيمضى إلى الجهاد فى فلسطين على رأس الآلاف من أصحابه - كان لابد أن يختفى من على مسرح الأحداث كى يتاح للاستعمار العالمى حظ من البقاء ، وكى يكتب للصهيونية العالمية احتلال أرض فلسطين وغيرها .. وكى يعاد تشكيل خريطة المنطقة العربية والعالم الإسلامى على النحو الذى خطط له الاستعمار وأعوانه ، ولينفسح السبيل أمام الانقلابات العسكرية المتتالية التى دفعت إلى سدة الحكم فى عالمنا العربى بأنظمة عسكرية مستبدة ..

لقد استشهد الإمام البنا والدنيا كلها أهون شئ عنده، إمام قد أضنته العبادة الخاشعة، وقيام الليل الطويل، والأسفار المتلاحقة فى سبيل الله، لقد عرفته المنابر فى جميع مدن مصر وقراها، وهو يرشد الأمة بصوته الرحيم إلى الله، ويجمعها فى ساحة الإسلام، ويؤلف بين القلوب .. لقد واجه المادية والإلحاد والاستعمار بكل ألوانه، وحوله الأبناء من شباب الصحوة واليقظة الإسلامية، الذين ملأ قلوبهم حب الإسلام والاستمساك به، ولذلك خرج من الدنيا تشيعه الملائكة، خرج محمولا على أكتاف بناته، لم يستطع أحد من شدة الإرهاب أن يبكى عليه، ولم يترك تراثا ماديا، وهو فى الثالثة والأربعين من عمره رضى الله عنه وأرضاه .

وفى ذكرى موكب البطولات والشهداء، والرجولة الفذة، نقول يخطئ من يظن أن وسائل القمع والتضييق وإحصاء الأنفاس تفلح فى إبعاد التيار الإسلامى عن الحياة، فهذا فهم خاطئ لا ينطبق على هذه الدعوة، فهى كلمة الله، وأن المؤمنين بها لا خيار لهم ولا عذر لهم فى تركها والتخلى عنها .

إن هذه الدعوة لابد أن تنطلق من حيث لا يحتسب الذين يضيقون عليها، وتمضى إلى غايتها بإذن الله .

إن دعوة الإسلام فى القرن العشرين، رفع لواءها حسن البنا المدرس الفقير – تحت قيادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "الرسول قدوتنا"، وأقام جماعة الإخوان المسلمين التى استطاعت أن تقاوم العواصف وأن تثبت أقدام رجالها بإذن الله، رغم المحن والابتلاءات ..

رحم الله الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس هذه الجماعة، وواضع نظريات العمل الإسلامى رحمة واسعة، وجزاه عن المسلمين خير الجزاء ، وتقبله فى الصالحين، هناك فى ظل العرش، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026