إن أي تعريف سياسي دقيق للأسير يشمل على الفور ملايين الفلسطينيين الذين تحاول سلطات الاحتلال تحديد نسبة الأوكسجين في تنفسهم والتحكم بشهيق وزفير كل فرد منهم لكننا نقبل على نحو إجرائي…
إن أي تعريف سياسي دقيق للأسير يشمل على الفور ملايين الفلسطينيين الذين تحاول سلطات الاحتلال تحديد نسبة الأوكسجين في تنفسهم والتحكم بشهيق وزفير كل فرد منهم، لكننا نقبل على نحو إجرائي بالتعريف المتداول دولياً للأسير، فهناك عشرة آلاف أسير فلسطيني من الرجال والنساء ومن مختلف الأعمار والفصائل، لم تنفع كل السبل لاعتاقهم، حتى تحولوا بمرور الزمن إلى قوة وطنية ضاغطة، واقترحوا وثيقتهم الشهيرة للائتلاف الوطني، وقيض لها مؤخراً النجاح.
واضح الآن حتى للأعمى أن هذه العملية البربرية التي استهدفت البنية التحتية الفلسطينية لم تكن بحاجة إلى حدث دراماتيكي كي تعثر على ذريعتها، فالمؤسسة العسكرية الصهيونية يتلخص برنامجها في أمرين، أولهما استبعاد أي حل سياسي، وإلحاق كل المسؤولين في الدولة العبرية بثكناتها، وقد حدث هذا مراراً، فبعد المبادرة العربية في قمة بيروت كانت الإجابة العاجلة لشارون اجتياح المدن الفلسطينية، وهذا ما تكرر خلال فترة تعتبر قياسية مع إيهود أولمرت الذي كان يبحث عن يد ثالثة وربما شفة ثالثة لأي فلسطيني يعانقه.
واضح أيضاً أن هذه العملية تأتي رداً سريعاً على الائتلاف الفلسطيني، وما توصلت إليه الفصائل بشأن وثيقة الأسرى، خصوصاً بعد أن خرج النادي الأوروبي عن صمته وقدّم إغاثة مالية سريعة لمن عوقبوا بالتجويع والحصار.
ولكي لا نحلق عالياً وبعيداً عن جاذبية الحدث فإن المعادلة قدر تعلقها بالأسرى والسجناء هي ببساطة عشرة آلاف لا يطالب بهم أحد غير ذويهم وهم أسرى أيضاً بمقياس آخر، وأسير واحد يطالب العالم كله بإطلاق سراحه، ومن جهة أخرى، فإن اعتقال عدة وزراء ونواب فلسطينيين له معنى واحد، هو اعتقال النظام السياسي العربي برمته، لأن هؤلاء الوزراء والنواب ليسوا مجرد أفراد بلا صفات، إنهم من صلب حكومة تم تشكيلها بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية التي أجمع العالم على نزاهتها، ولم يتم الطعن بها إلا بأثر رجعي ورضوخاً للمنظار الأمريكي الذي صنفها ضمن محور الشر ودائرة الإرهاب.
والعملية التي بدأت بها سلطات الاحتلال الصهيونية على نحو متدرج، وأقرب إلى ما يسمى التدحرج، انتهت في أقل من سبعين ساعة إلى إعلان هدفها الحقيقي، وهو إعادة احتلال غزة، واعتقال الحكومة الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي، مما يتيح لمن يملكون فائضاً من الوقت وبرودة الأعصاب أن يتذكروا ذلك السجال الذي دار عشية الانسحاب من غزة، عندما أفرط المتفائلون في تفاؤلهم، ولم يسمعوا كلمة واحدة ممن رأوا في الانسحاب خطوة تكتيكية.
إن الدولة العبرية توفر الآن أسباباً كافية لانتفاضة ثالثة، رغم تحفظنا على هذا التحقيب التاريخي لانتفاضة لم تنقطع خلال تسعين عاماً إلا لالتقاط الأنفاس.
وقد تردد مصطلح الانتفاضة الثالثة خلال الشهور الماضية، حتى في صحف عبرية، وحذر من هذه القيامة محللون يهود رأى بعضهم أن المؤسسة العسكرية التي أصابها العمى أصبحت تنتج عنفاً تدعي أنها تحاول وضع حد له.
إن المعتدى عليهم الآن، ليسوا حماس "الحركة" أو الحزب، أو حتى الحكومة، بل هم الفلسطينيون جميعاً ومن مختلف الأطراف، وهم أيضاً العرب سواء في بعدهم الرسمي أو الشعبي، ويطال هذا الاعتداء البشرية بأسرها لأنه بربري، تحركه دوافع عرقية بدائية تغذيها إمبراطورية ديناصورية هي الولايات المتحدة التي صمتت دهراً ونطقت كفراً عندما وصفت كل ما يجري بأنه دفاع عن النفس.