رسالة «الوهم المبدد»

رسالة «الوهم المبدد»

منير شفيق
2006-07-02

لنبدأ بالدلالة الرمزية أسموها

لنبدأ بالدلالة الرمزية أسموها «الوهم المبدد»، وهو اسم فيه جدة وإبداع، ويشكل دلالة موجهة خصوصاً إلى الجيش الإسرائيلي، ومن ورائه الجيش الأمريكي اللذين كانا يفتنان في اختبار أسماء عمليات العدوان مثلاً اسم «عناقيد الغضب». في العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، أو اسم «عاصفة الصحراء» في العدوان الأمريكي على العراق، فاختيار هذه الأسماء الرمزية يراد منه تعزيز هيبة الجيش المعني وإنزال هزيمة نفسية بالشعب المستهدف ومن ورائه الشعوب العربية والإسلامية.

ولكن لكي تؤدي هذه «الرمزية.. رسالتها يجب أن يدعمها نجاح ميداني صارخ قدر الإمكان».

وجاءت رمزية «الوهم المبدد» لتحمل بدورها رسالة أولاً للجيش الإسرائيلي وحكومته والمجتمع المركب عليه «الكيان الصهيوني» مجتمع مركب على الجيش، فالجيش هو الأساس الذي قامت عليه البنية الإسرائيلية بكاملها منذ أن كان الهاغناه وقبلها قوات ميليشيا ثم لتحمل رسالة إلى إدارة بوش التي قررت أن تقف وراء حكومة شارون ثم أولمرت بشراكة ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين لم يسبق لها مثيل من قبل فالإدارات الأمريكية السابقة كلها أبقت هامشاً يتسع ويضيق في إدارة الصراع وضروراته وحفاظاً على ماء الوجه في العلاقات مع العرب والمسلمين.

وهذه الرسالة المزدوجة لإسرائيل وأمريكا، قالت بعد أن حققت انتصاراً مدوياً في الميدان كفاكم أوهاماً بالتصور أن بالإمكان إخضاع الشعب الفلسطيني وإذلاله وفرض خطة «الانفصال» الثانية «مشروع أولمرت»، وقد أصبح مشروع أولمرت - بوش بعد مباركة بوش له أثناء الزيارة التي قام بها أولمرت إلى واشنطن، فهذا هو الوهم الأول الذي أرادت العملية تبديده وكان وراء اختيار الاسم كما يبدو.

على أن الوهم والأوهام أخذا بالشيوع بين الكثيرين دولياً وإسلامياً وعربياً وفلسطينياً حول إمكان التوصل إلى تسوية وبهذا راح يعبر الفلسطينيون عما يقوم الجدار باقتطاعه من أراضي الضفة العربية بما في ذلك ضم القدس وتهويدها والسيطرة على الحدود وفرض حالة تقطيع الأوصال.

هذه الحالة بمجملها بما يبتلعه الجدار وتقطيع الأوصال ستؤدي إلى تهجير «ترانسفير جديد» لمئات الألوف في حالة القول لهم «اهدأوا وتعايشوا مع هذا الوضع، واغرقوا بالأوهام أو الأحلام أن ثمة مفاوضات قادمة، ومن قلبها سيخرج الفرج.

من هنا فإن العقل الذي وراء التخطيط للعملية واختيار اسم «الوهم المبدد» كما يظهر أراد أن يقول لكل واهم أكان من المدغولين الذين يتعمدون نشر الأوهام أم كان من المخدوعين الذين يتعلقون بوهم ما يسمى «طريق التسوية» أو «خريطة الطريق» أو العودة إلى المفاوضات إن الأوان قد آن لتبديد الأوهام.. تلك الأوهام.

وعندما عرف كيف وقعت العملية العسكرية والتي نجحت بأسر جندي إسرائيلي «يحمل جنسية فرنسية أيضاً» وهو في الموقع الأمامي، وبيده السلاح مشهراً، وفوق الأرض المحتلة؟ وكيف حضر لها وكان استغرق من أشهر حفر نفق بطول 400 متر، ثم كيف قاتل المهاجمون الشجعان الذين كشفوا عن مهارة في القتال وليس عن جراءة فقط.. عندما عرف كل ذلك، امتلك اسم «الوهم المبدد» كل أبعاده ورمزيته.. ثم رسالته.

ثم من قال إن الرسالة تلقاها من وجهت إليهم فحسب وإنما أيضاً هنالك الذين يواجهون الحقيقة، كما هي، بلا حرج من قولها أي لا حل سياسياً ما دام ميزان القوى في مصلحة "إسرائيل" وأمريكا، وما دام الذين يريدون حلاً، ولو مع التنازلات الكبرى، لا يفعلون غير مناشدة أمريكا «والمجتمع» الدولي «ليس مجتمعاً وإنما هو بضع دول» أن يفعل شيئاً حتى يقبل أولمرت بالرئيس الفلسطيني محمود عباس «شريكاً» ويفتح معه باب المفاوضات ولو ذراً للرماد في العيون حتى هذا لم يعط لهم «حتى الآن».

هذا الاستنتاج الذي يقول به من يواجهون الحقيقة كما هي، أي «لا حل سياسياً» ما دام ميزان القوى القائم لم يغير أو في الأقل يهز أو يهتز، لديهم دليل بسيط هو ما يجري على أرض الواقع منذ اتفاق أوسلو حتى اليوم، وإذا شئت منذ أن بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين ونشأت القضية الفلسطينية.

هؤلاء قالت لهم الرسالة التي حملتها عملية الوهم «المتبدد» نحن من وجهة نظركم، نعم يجب أن يهز أو يهتز ميزان القوى. وإذا أكملتم هذا الطريق بالدعم السياسي والمعنوي في مواجهة العدوان الإسرائيلي، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً و«عالماً ثالثياً» ورأياً عاماً عالمياً فسوف يجد الاحتلال نفسه، وبعد أن تفشل ردود أفعاله ويخرج معزولاً مداناً مستنكراً حتى من المقربين له عدا إدارة بوش، إذا لا أمل فيها حتى في مجاملة محبيها من الفلسطينيين والعرب والمسلمين ولو بنظرة أو لفتة.

عندما ييأس الاحتلال من إخضاع الشعب الفلسطيني من خلال القوة والبطش والعقوبات الجماعية فتستمر الممانعة والمقاومة والنظر شذراً، وعندما تهتز شجرة الأنظمة العربية بعد أن جمدها الصمت والخور والأوهام بأمريكا، ومع تحرك شعبي يخرج بعض ما يستبطن من غضب لا متناه على ما يجري في فلسطين، وعندما يمتد مثل ذلك إسلامياً وعالماً ثالثياً، ورأياً عاماً ولا تجد أوروبا مندوحة من أن تتوازن نسبياً من جديد، ويرجع لروسيا والصين والهند ذلك الصوت الذي صمت منذ خمسة عشر عاماً، وعندما يجد غالبية يهود العالم أن من حولهم أصبحوا يرون "إسرائيل" دولة احتلال متوحشة والأشد خطراً على الأمن والسلم في العالم عندئذ، وعندئذ فقط، سيكرر الاحتلال ما فعله في جنوبي لبنان وقطاع غزة لا محالة.

وبالمناسبة يمكن أن يضاف سبب آخر جعل الحل السياسي أمام الطريق المسدود، فهو الموقف الفلسطيني، العربي - الدولي الرسمي الذي أسقط من يده كل أوراق الضغط، وإحداث تغيير في ميزان القوى عبر تلك الأوراق «ليس بالضرورة أن تكون عسكرية» وأمسك بورقة واحدة هي شعار «العودة إلى التفاوض» ورهن مصير الحل بالتفاوض، الأمر الذي زاد الموقفين الإسرائيلي - الأمريكي، إلى جانب ميزان القوى، تعنتاً وكبرياء وطمعاً فيهم بتقديم المزيد وإلا فليبقوا كالمعلقة مهضومة الجناح بلا حول ولا طول، فهل في هذا تجن عليهم؟.

انظروا إلى التجربة وما حدث على أرض الواقع، انظروا إلى مشروع أولمرت بوش، فقد داس على كل القرارات والمواقف الدولية السابقة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026