يبدو أن عملية الوهم المتبدد التي وقعت في منطقة كرم أبو سالم في قطاع غزة قبل عدة أيام والتي كان من جملة تداعياتها وقوف معظم دول العالم على رجل واحدة ترقبا لما تحمله الأيام القادمة…
يبدو أن عملية (الوهم المتبدد ) التي وقعت في منطقة ( كرم أبو سالم ) في قطاع غزة قبل عدة أيام والتي كان من جملة تداعياتها وقوف معظم دول العالم على رجل واحدة ترقبا لما تحمله الأيام القادمة من حوادث وأحداث ..لم تكن متميزة بأدائها ونتائجها فحسب بل وبتسميتها كذلك ، لأنها – التسمية – تثير في النفس خواطر شتى وتقرع أبواب الذهن بأسئلة عديدة ومتنوعة ومنها ، ترى كم هي مساحة الأوهام في حياتنا ؟! بل أين الحقيقة وأين الوهم فيها ، وكم هي الأوهام التي نعيش معها على أنها حقائق ، وما هي الحقائق التي – توهمنا - طويلا - أنها أوهام ؟؟!!
أول الأوهام التي تأكد تبددها – مقولة الجيش الذي لا يقهر- التي صنعت وهم الأسطورة للاحتلال ، وتحت تأثير هذا الوهم خُيل للكثيرين أن الحل الوحيد مع هذا الذي لا يقهر !! هو تلمس رضاه وخطب وده بأي ثمن حتى يرضى ، حتى وإن كان هذا الثمن أرضا أو دماء أو كرامة ، فلا بأس بذلك لأنه في سبيل تجنب غضب – الذي لا يقهر – كل شيء يهون !!
ومع أن معالم هذا الوهم بدأت بالاهتزاز والتداعي منذ يوم الكرامة مرورا بعبور القناة والفرار من لبنان وصولا إلى انتفاضتي الحجارة و الأقصى وما حملته كل منهما من بطولات ، إلا أن هناك من لا يزال يصر على تأكيد الوهم لا تبديده !!
وهم آخر نسمع عنه كل يوم حتى أصبح خبزا نأكله مع طعامنا وهواء نتنفسه يطلق عليه اسم ( الشرعية الدولية ، المجتمع الدولي ،الأمم المتحدة ، العالم الحر المتحضر ، اللجنة الرباعية ) حتى أصبحت واحدة من أسمى أمانينا أن نحظى بلمسة أو ترمقنا بنظرة رضا من هؤلاء أو من أحدهم كأضعف الإيمان .
هؤلاء جميعا هبوا هبة رجل واحد غضبة لجندي أسر في عملية عسكرية من قلب معسكره ، ووجوب عودته إلى أهله سالما غانما ودونما تأخير ، أما عشرة آلاف أسير ( رجالا ونساء ورضع ومرضى ) يختطفون من بين عائلاتهم ليل نهار ، فلم يسمع بهم العالم الحر ولم تدر بهم الأمم المتحدة ولا الرباعية رغم أن بعضهم قارب عامه الثلاثين في الأسر!! ومن العجيب أن هذا الوهم المتبدد لا زال هناك من يتمسك به كحل وحيد لاسترداد الحقوق !!
وهم ثالث طالما غمرنا بعباءة نصرته وفيض نخوته ( النظام العربي ) الذي تحول بقدرة قادر من طرف في الصراع مع الاحتلال إلى وسيط يرفع شعار ( الصلح خير ) ، ويعمل وفق قانون الجدات ( يا بخت من وفق رأسين بالحلال ) مع امتياز بسيط !! أن هذا النظام يحبذ أن يكون التوفيق بالحرام!!
ولا يهم لديهم (أرباب النظام ) إن كانت غزة أو الضفة تهتز على وقع القذائف والصواريخ ، وتترنح أجساد الضحايا فيها ألما ، المهم أن يتراقصوا وعواصمهم على أنغام ( السامبا ) حال فوز البرازيل بكأس العالم لكرة القدم !!وتترنح أجسادهم طربا لهيفاء وإليسا ونانسي ، و بأس بهذا النوع من الرقص ما دام يخدر العقول والأجساد فلا تعود تعي أو تشعر بما يجري!!
وهم رابع عاشه الكثيرون وهو ( تناقض السلطة والمقاومة ) وأن الدخول في دهاليز السياسة يعني الخروج تلقائيا من خنادق المقاومة ، هذا الهم بددته العملية ووجهت رسالة مفادها أن السياسة والمقاومة رديفان وليسا نقيضين لمن أراد بصدق أن يستخدمهما ، ومن أراد غير ذلك فله أن يبقى غارقا في أوهامه .
وهم خامس اسمه ( الجوع يجلب الركوع والضغط يؤدي إلى الاستسلام ) ، وأن هذا الشعب قد تعب وبدأ يترنح وقريبا سوف يهوي !! هذا الوهم انقشع مرة واحدة ودون مقدمات عندما تبين أن الألم والقهر قد يجلب بعض الدموع ولكنه أبدا – لدى الأحرار- لا يعرف الخضوع ولا الخنوع ، وأن هناك من أبناء هذا الشعب من هم على أتم استعداد أن يطعموا أجسادهم للرصاص والصواريخ وجنازير الدبابات ولكنهم أبدا لا يطعمون هذه الأجساد لقمة واحدة مرت بقربها رائحة الذل !!
أوهام أخرى حملت أكفانها بيديها واستعدت للرحيل ...( توازن القوى . . - على أهميته - العيش بسلام مع الجيران..المفاوضات ..التسوية وعملية السلام ..الحلول أحادية الجانب ، العيش بأمان مع هضم حقوق الآخرين .. - تهاوى وهم توازن القوى أمام الإيمان والعزيمة والإرادة ..أمام العقيدة الراسخة - وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله - وتهاوت المفاوضات و (عملية السلام ) تحت أنقاض الجسور والبيوت وركام الأبنية والشوارع ، وصعق التيار المتدفق من محولات الكهرباء المقصوفة وهم السلام وحسن الجوار ..
وثمة وهم سادس كبير اسمه حرص الاحتلال على كيان فلسطيني مستقل واحترامه لهذا الكيان، وقبوله وجود كيان غير تابع له ، والأحداث الأخيرة خير من بدد هذا الوهم !!
عجيب أمر هذه الأوهام فهي تحمل تناقضاتها بين ثناياها وفي جنباتها ، وهي تتبع عين رائيها ، فهي تزداد تبديدا لمن فتح عيني قلبه عليها ، وبالمقابل تزداد مع الأيام والأحداث تأكيدا لمن أغلق بصيرته وفتح بصره ينظر إلى الأحداث بمنظار يأس يسميه الواقعية ، أو بمنظار المراهنة على الحصان الرابح ، وفي حقيقة أمره إنما ينظر من خلال غشاوة اسمها الأوهام تقوده إما إلى الانهيار أو الاندثار.
أما الشعب الفلسطيني فقد قرر مرة وللأبد تبديد الوهم الذي زرعه الاحتلال في أذهان العرب طويلا ويتمثل بمنطق السادة للعبيد ، منطق يقول فيه العبد لسيده – أنت تأمر ونحن نطيع – وأن هذا الوهم قد انضم إلى قافلة الأموات والأموات لا يعودون للحياة أبدا.