ريم الرياشي مائة عام وهي تقف شامخة كحد السيف صامدة في وجه الظلم والقهر والتعنت مائة عام وهي تتجرع الألم والمهانة والتنكيل والتهجير لكنها أبدا ما كلت برسالتها النضالية تعرضت للذل…
مائة عام وهي تقف شامخة كحد السيف.. صامدة في وجه الظلم والقهر والتعنت.
مائة عام وهي تتجرع الألم والمهانة والتـنكيل والتهجير.. لكنها أبدًا ما كلت برسالتها النضالية.
تعرضت للذل والأسر وللاعتداءات الجسدية داخل سجون التعذيب الإسرائيلية، ولكنها أبدًا لم ترضخ، ولم تهادن، ولم تستكن من أجل أن تشرق شمس الحرية على أرض وطننا الحبيب.
مائة عام وهي تستصرخ الكرامة العربية، والدم العربي، والجوار العربي، والعادات والتقاليد العربية، وتناشد "معتصم هذا الزمان" أن يثأر لكرامتها ممن اغتصب الأرض والمقدسات، لتكتشف أن "المعتصم الجديد" لا هم له سوى الشرب في نخب الشهداء، والوقوف حدادًا وخطابة في مآثر وبطولات الشهداء و"التوسل" للإدارة الأمريكية لمنحنا السلام..!!
وأن "السكون" الذي يتميز به العرب منذ أكثر ثلاث سنوات ما هو إلا الحل الوحيد لتفريغ الآذان من المقولات التي لم تتوقف عن الدوي كالطبول الفارغة منذ عشرات السنين..!!
فكان لابد من الاغتسال من أدران الزمن الصوتي الممتلئ بالادعاء والورم والوهم والانتفاخ..!!
إلى أن جاءت انتفاضة الأقصى الحالية لتكتشف المرأة الفلسطينية أن هذا هو قدر الفلسطينيين.!
فقدر الفلسطينيين أن يقاوموا.. ويجاهدوا.. ويستشهدوا.. ويواجهوا- لوحدهم- هذه الهجمة الصهيونية التي لم يسلم منها الأطفال والرضع والفتية والنساء والشيوخ والشباب حتى الحجر والحيوان والطير.!
وكانت انتفاضة الأقصى الفرصة المواتية للمرأة الفلسطينية لتضيف سفرًا جديدا الى سجلها الخالد من خلال تصديها البطولي لقوات الأحتلال جنبا الى جنب مع الرجل مضحية بالزوج والولد والحبيب والروح فداء للوطن و حريته وكرامته.
إنها البطلة الشهيدة ريم الرياشي التي جسدت بروحها الطاهرة ودمائها الزكية نضال وجهاد المرأة الفلسطينية في التاريخ بحروف من نور، وأعادت للأذهان صورة جهاد المرأة المسلمة المميز في مقاومة المحتل في كافة العصور.
لا نريد التحدث هنا عن مشروعية أي عمل ثوري ضد محتل لا يزال ينتهك أبسط حقوق الإنسان أمام أنظار العالم ومنظماته الدولية ، ولكن المثير للدهشة أن يعمد واضعوا حجر أساس الإرهاب في المنطقة إلى اتهام الشعب الفلسطيني به !!
والأكثر غرابة أن يخرج علينا المتباكون والنائحون والمولولون الذين ذرفوا دموع التماسيح على قتلى عملية الشهيدة ريم الرياشي ليدينوا ويشجبوا ويستنكروا ويلقوا بالتهم جزافـًا ضد منفذة الهجوم ومن يقف وراءها.!
وتناسى هؤلاء- عن سابق إصرار وسوء نية- أن الإحتلال الإسرائيلي هو أساس الداء ومصدر البلاء، وإن العمليات الإستشهادية هي السلاح الوحيد الذي أوجع الحكومة الإسرائيلية وحلفائها، وضرب المشروع الصهيوني الذي يعتمد على إستقدام اليهود من شتى بقاع العالم إلى "أرض الميعاد" حيث الأمن والأمان في الصميم، وزلزل منظومة العدو الأمنية والحربية التي تعتمد على نقل المعركة إلى أرض العدو، وأوصل إلى الجميع رسالة الغضب الفلسطيني باللغة التي يفهمونها ، وهو ما يفسر لنا إصرارهم على لوم الضحية دون الجلاد ، ووصف أبطال العمليات الإستشهادية بالإنتحاريين حينـًا ، وبالإرهابيين في أحيان أخرى كثيرة، هذا الإصرار ليس له إلا معنى واحد هو أنهم يريدون أن يجردوا العرب والمسلمين من السلاح الوحيد الذي تبقى لهم للدفاع عن شرف أمتهم وكرامتها ، لكي ينفتح الطريق لكسر إراداتهم وتركيعهم.!
ولذلك ، فإن الإنتفاضة البطلة التي قامت من أجل مقاومة الإحتلال الصهيوني لا يمكن أن تساوم على حقها الكامل في ضرورة محاربة هذا الإحتلال ومطاردته ودحر فلسفته التوسعية البدائية القائمة على إستئصال الآخر.!
وهكذا فإن الشعارات والأفكار والمواثيق والأسس والإستراتيجية التي وضعتها الإنتفاضة لم توضع بالصدفة أيضـًا لتصبح فيما بعد أداة في يد من يريد أن يجد حلا أو نصف حل لمأزق يعاني منه ، وكأن الإحتلال الصهيوني يطمع بأرض دون سواها ، وكأنه يفصل بين أطماعه وأحلامه في الوطن العربي ، فالعمليات الإستشهادية ليست أداة يمكن إستعمالها متى شاء البعض ولا يمكن أن تكون كذلك، وإنما هي فعل شعبي مسلح له أهداف واضحة المعالم مهما صعبت وطالت الطريق وزادت الأهوال، لذلك يجب الحفاظ على هذا السلاح الموجع، وعدم التفريط فيه، ومقاومة كل محاولة لتجريد الإنتفاضة منه.
إن العملية الإستشهادية الأخيرة في معبر ايريز، والعمليات التي سبقتها هي عمليات مقاومة مشروعة ردًا على الإرهاب الإسرائيلي، وهي ثمار سياسة إسرائيلية إسترخصت الدم الفلسطيني، فأبى الفلسطينيون في المقابل إلا أن يسترخصوا دمائهم من أجل الحفاظ على كرامتهم وعزتهم وشعبهم، وليثبتوا لعدوهم أن روح المواطن الفلسطيني ليست أقل أهمية من روح المواطن الإسرائيلي، وأن الدم الإسرائيلي ليس بأغلى أو أعز من الدم الفلسطيني، وإذا كان شارون يستمتع بقتل الأطفال والنساء والشيوخ والشباب بهذه الصورة المأساوية اليومية التي يشاهدها العالم ، فليستعد إلى دفع الثمن أكثر وأكثر ..!!
نقولها بكل صراحة إن الخيار ليس بين إتهام العمل الإستشهادي بالإرهاب، وبين إيجاد الحلول والتفريط بالحق الكامل للشعب العربي على كامل ترابه، وإنما الخيار الحقيقي هو بالإستعداد والحشد وتبني المفهوم الحقيقي للعمليات الإستشهادية المستمرة بالرغم من كافة الظروف والأوضاع العربية والدولية التي تمارس للقضاء عليها.
ونحن أخيرًا كما يرددها الشعب الفلسطيني دائمـًا، لا نريد القتال من أجل القتال، ولا نمارس النضال من أجل النضال، ولكننا ندرك أن أي تنازل وأي تفريط يعني القضاء على أمتـنا وعلى مستقبل أبنائنا في الوطن العربي بأسره.
إن أبطال وبطلات العمليات الإستشهادية ليسوا كارهين للحياة ، ولكنهم كارهون للظلم.!
وليسوا راغبين في القتل ، ولكنهم هم القتلى وقد إغتالهم الإجرام والظلم والغطرسة والإضطهاد الإسرائيلي ..!!
فالمعركة التي فرضها العدو الإسرائيلي علينا أعطتـنا درسـًا هو أن لا ننـتظر الموت والاستشهاد، بل نمشي إليه.!
يجب أن نمشي إليه في كل أرض فلسطينية قبل فوات الأوان .!
فجهادنا ونضالنا واستشهادنا من أجل أمتـنا هو خيارنا الوحيد، وهو الرد العملي في مواجهة سياسة "الديبلوماسية الهادئة" وسياسة "تجريع الأمر الواقع" وسياسة "تهريب الحلول التصفوية" التي أثبتت كلها سياسات فاشلة عقيمة.
هكذا وبكل بساطة نفهم إنتفاضة شعبنا المسلحة، وهكذا يفهمها أبناء شعبنا ، وهكذا نفهم حقنا الكامل بالتراب الفلسطيني والعربي ، من خلال الصمود والنَـفـَس الطويل والكفاح المسلح وحرب الشعب التي تجلت بأبهى صورها في العمليات الإستشهادية.. كل هذه تعطي المضمون الحقيقي لمعنى الإنتفاضة ومفهومها الحقيقي.
وعزاؤنا الوحيد أمام كل مظاهر العجز والتخاذل والإستسلام والصمت، وجود هذا الزخم الجهادي في صدور أبناء شعبنا الفلسطيني، وهذا الكم الهائل من مجاهدي ومجاهدات العمليات الإستشهادية قافلة بعد قافلة، وجيلا بعد جيل الذين يوجهون بنادقهم دومـًا صوب العدو الصهيوني، هذه البنادق التي لن تسقط من أيديهم إلا على أشلائهم وجثثهم ... هذه البنادق التي من حقها وحدها أن تقود وأن تنظر وأن تخطط وأن تناضل للنصر ، دون أن تلتفت للمعادلات والتسويات والتراجعات .. ومن غير أن تأذن لأحد أو تسمح لطامع أو ضعيف أو متخاذل من أبناء شعبنا في القضاء على الحلم الفلسطيني المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ريم الرياشي
أيتها الشاهدة والشهيدة
أيتها المجاهدة العظيمة..
يا عنوان هذه الأمة ورمز عزتها وكرامتها
لقد جئت في اللحظة المناسبة.. والزمن المناسب.. والمكان المناسب.. لتسجلي موقفـًا نحن في أمس الحاجة له.. وسط هذا العجز والإنكفاء العربي.. وفي زمن الهرولة ولحظات الخور ومبادرات التصفية.. وجولات الوفود المكوكية التي اختلطت فيها العيون الزرقاء بالعيون السوداء، والعيون الوجلة المنكسرة بالعيون الحادة الوقحة.!
من بين دماء آلاف الشهداء ، ودموع الثكالى والأرامل والأيتام ، ومن أنات الجرحى والمعاقين، وآهات الأسرى والمعتقلين ، تقدمتِ الصفوف لتثأري لكل هؤلاء من عدونا الأبدي والأزلي، ولتعيدي لنا أمجاد الاستشهاديات وفاء إدريس ودارين أبو عيشة وآيات الأخرس وعندليب طقاطقة وهبه ضراغمة وهنادي جرادات، ومئات من شهيدات الوطن.. آمنة الأخرس وشادية أبو غزالة ونورا شلهوب ومنتهى الحوراني ولينا النابلسي ودلال المغربي وتغريد البطمة وعائشة البحش وإلهام أبو زعرور وخديجة شواهنة وفوزية أبو جزر والمئات من الشهيدات اللائي روين بدمائهن تراب وطننا الحبيب.
لقد كنت يا "ريم" شعلة مضيئة في زمن الظلام ، فرسمت لنا الطريق ، وأثبت بدمك الطاهر أن الشعب الذي يزرع أرضه بالتضحية لابد وأن يحصد النصر.
ريم الرياشي
لقد خرجت من ركام انكسارنا، وقمقم هواننا، لتقذفي بنفسك في أتون الموت، من أجل أن "نعتدل" في جلستـنا، وحتى نرفع رؤوسنا قليلا بعد حقبة من الطأطأة الطويلة..!!
ريم الرياشي
يا أيقونة المجد.. وعنقود الفخر
يا رمز "الحرائر العربيات" وعنوان "النخوة"
لقد تركت إرثـًا صعبـًا
ولقد أخجلت رجولتـنا..!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع