هل تبدد عملية الوهم المتبدد مخاوف الأسرى!!

هل تبدد عملية الوهم المتبدد مخاوف الأسرى!!

عماد عفانة
2006-06-27

يروي لي أحد الأسرى المحررين تلك المشاعر القلقة المترددة بين الفرح والخوف التي كانت تنتاب أبطالنا الأسرى خلف قضبان الاحتلال كلما نجحت المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة وبالأحرى…

يروي لي أحد الأسرى المحررين تلك المشاعر القلقة المترددة بين الفرح والخوف التي كانت تنتاب أبطالنا الأسرى خلف قضبان الاحتلال كلما نجحت المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة ـ وبالأحرى كتائب القسام التي انفردت في تنفيذ عمليات الاختطاف ـ في أسر أحد جنود الاحتلال لمبادلته بأسرانا البواسل في سجون القهر والإذلال.

ويستطرد هذا الأسير المحرر وقد إغرورقت عيناه بالدموع كنا نرى الأسرى خصوصا من ذوي الأحكام العالية يرزمون حاجياتهم المتواضعة في حقائب العودة والحرية ويضعونها قرب باب الزنزانة أملا في نجاح عملية الاختطاف في ترتيب عملية تبادل أسرى، وكم كانت قلوبنا تذرف دما ليس على فشل أي عملية خطف جندي فقط ولكن على عظم خيبة الأمل وعميق الحزن الذي كان يصاب به الأسرى خصوصا من ذوي الأحكام العالية.

تذكرت هذه الكلمات الحزينة وأنا أسمع عبر كل وسائل الإعلام عن عملية الوهم المتبدد التي نفذتها ثلاث أجنحة من فصائل المقاومة، وتساءلت بفرح هل تنجح هذه العملية البطولية الجريئة التي شهد لها العدو قبل الصديق في تبديد مخاوف الأسرى من قضاء بقية أعمارهم خلف قضبان الجلاد..!!

وهل تنجح المقاومة في استخلاص العبر من جميع عمليات الاختطاف السابقة لجنود الاحتلال لجهة توفير كل عوامل النجاح لعملية اختطاف الجندي الصهيوني لجهة النجاح في ترتيب عملية تبادل أسرى..!!

وهل ستصمد المقاومة في وجه الضغوط العربية والفلسطينية لجهة رفض الإفراج عن الجندي إلا مقابل أسرانا خصوصا من ذوي الأحكام العالية..!!

ولكن ما الذي يدفعنا للشك في أن المقاومة لن تنجح أو لن تصمد وما هي التحديات التي تتعرض لها

أولا الضغط الفلسطيني الداخلي والذي تقف على رأسه مؤسسة الرئاسة التي اعتبرت العملية خروجا عن الإجماع الوطني وتوعدت بتشكيل لجنة تحقيق في جميع الذين يقفون خلف تنفيذ هذه العملية.

وما يثير الغرابة والدهشة في الأمر أن الرئيس محمود عباس الذي طالما تغنى بعقلانية ووطنية أسرانا وبنزاهتهم عن الغرض لجهة تزكية الوثيقة التي خرجت من سجن "هداريم" والتي لوّح الرئيس عباس بالاستفتاء عليها، هؤلاء هم ذات الأسرى الذين نفذت المقاومة هذه العملية من أجل التمتع بالنظر إلى سواد عيونهم وهم خارج سجون الاحتلال.

وإذا كانت العملية جاءت للعمل على الإفراج عن الأسرى فلماذا الاعتراض إذا، وهل يعني ذلك أن الرئيس عباس لا يرغب بالإفراج عن الأسرى..!!

وهل كان الرئيس عباس يملك وسيلة أخرى للإفراج عنهم ..!!

وإذا كانت وثيقة الأسرى قد سماها الرئيس عباس وثيقة الإجماع الوطني فكيف تعتبر هذه العملية التي تريد الإفراج عن هؤلاء الأسرى خروجا عن هذا الوفاق الوطني..!!

وإذا كانت وثيقة الأسرى تنص على تركيز المقاومة في الأراضي المحتلة عام 67  فلماذا الاعتراض إذا والعملية لم تتجاوز هذه الحدود..!!

وإذا كان المقصود تجنب الانتقادات الدولية وتجنب قتل المدنيين رغم أن العدو يقتل مدنيينا كل يوم، والعملية كانت ضد ثكنة عسكرية صهيونية فأين يكمن الاعتراض إذا!!.

وما يزيد الطين بلة التصريحات الصادرة عن الناطق باسم الرئاسة والتي زعم فيها أن هذه العملية تعطي للعدو المزيد من الذراع لتنفيذ عمليات اجتياح واغتيال بحق شعبنا، وكأن العدو كان يحتاج إلى مثل هذه الذراع لارتكاب مجزرة عائلة غالية أو أحمد أو لاغتيال جمال أبو سمهدانة..!!

إن التصريحات هي التي تبرر للعدو هذه المجازر وكأن الانتقام لدماء شعبنا غير مشروع وأن مجازر الاحتلال هي رد على هذه المقاومة!!.

وبذلك شكل هذا الموقف من مؤسسة الرئاسة أول عوامل الضغط لجهة إفشال عملية خطف الجندي للإفراج عن الأسرى.

ثانيا الضغط العربي والذي تقف على رأسه الشقيقة مصر والتي لا نرى وفودها المخابراتية الأمنية في غزة للتوسط لدى المقاومة إلا عندما تنال المقاومة من الاحتلال وجنوده، ولم نر وبكل أسف هذه الوفود الأمنية تتوسط لدى الاحتلال لإيقاف مجازره بحق أطفالنا ونسائنا وأبريائنا التي طالتهم في مجزرة عائلة غالية أو عائلة أحمد في خان يونس.!!

ونحن إن كنا لا نقصد بذلك التشكيك بالدور المصري في مساندة القضية الفلسطينية إلا أن ذلك لا يعني ألا نطالب الشقيقة مصر بالعمل على الإفراج عن آلاف الأسرى في سجون الاحتلال لنزع فتيل أي عملية للمقاومة من أجل الإفراج عنهم.

وإذا كانت الشقيقة مصر يعنيها مصلحة القضية الفلسطينية فعليهم أن يعلموا أن قضية أسرانا في سجون الاحتلال هي في سلم أولويات هذه القضية وبالتالي عليهم أن يعملوا على إنهاء هذا الملف الذي يدمي قلوب شعبنا صباح مساء.

ثالثا الضغط الأمريكي والأوروبي وهذا الضغط لن يكون له كبير أثر لأنه واقع ومتحقق بالفعل بفعل الحصار وحرب التجويع المفروضة على شعبنا وعلى خياره الديمقراطي.

رابعا وهو الأهم الضغط الصهيوني والذي أمامه ثلاث خيارات

1- استنفاذ كل الخيارات الدبلوماسية وعلى كافة الأصعدة سواء داخليا عبر الرئيس عباس أو عربيا عبر الشقيقة مصر أو دوليا عبر الدبلوماسية الأمريكية الأوروبية في الإفراج عن الجندي المختطف.

2- إذا  فشل الخيار السياسي الدبلوماسي فإنه لا مناص لإسرائيل من الخيار الثاني والذي بدأت بالإعداد له منذ اختطاف الجندي وهو الخيار العسكري الذي من المتوقع أن يتضمن ثلاث مراحل

أولا سلسلة من الضربات الجوية لما تسميه بالبنية التحتية لحماس من مؤسسات وجمعيات ومدارس وجامعات.

ثانيا سلسلة من عمليات الاغتيال المركزة لما تسميه إسرائيل بالقادة والرموز والميدانيين وحتى أصغر جندي في حماس.

ثالثا بالتزامن مع ما سبق عملية اجتياح محدود أو موسعة لاماكن محددة قد تكون في جنوب وشمال القطاع.

إن عملية الوهم المتبدد البطولية لا شك أنها شكلت لجيش العدو صدمة قوية كونها نفذت تحت أنفه وعلى أبواب عرينه الذي لم يغادره، وكونها نفذت ضد ثكنة عسكرية هي الأشد تحصينا في الملتقى الحدودي الثلاثي.

هذا عدا عن كون العدو بكل استخباراته وأجهزته المخابراتية فشل في استخدام معلوماته الإستخباراية التي كانت تحذر من عملية اختطاف في أحد المعابر الحدودية وباستخدام نفق، فالمعلومات كانت فعلا دقيقة إلا أن أجهزة مخابرات العدو فشلت على غير عادتها في توظيف هذه المعلومات في إفشال هذه العملية البطولية وبدلا من ذلك توجهت لتنفيذ عملية اختطاف لشقيقين ليس لهما أية علاقة بفصائل المقاومة.

نحن إذ نورد هذه السيناريوهات فلا نقصد إشاعة أجواء من الخوف في صفوف أبناء شعبنا أو رجال المقاومة، فشعبنا يتعرض كل يوم للمجازر وقصف المدنيين سواء على شاطئ البحر كما وقع لعائلة غالية أو في منازلهم الآمنة وعلى موائد طعامهم كما وقع لعائلة احمد، ومناضلينا يتعرضون للاغتيال في كل وقت يتاح للعدو أي من المقاومين لا يترددون في اغتياله حتى لو أدى ذلك إلى سقوط عدد مضاعف من الأبرياء أطفال أو نساء، وشعبنا تعرض وما زال لقصف مقراته ومنشآته، إذا ما الجديد في التهديدات الصهيونية عدى عن كونها حربا نفسية..!!.

فالعدو لا يريد أن يسجل على نفسه انه ساوم المقاومة الفلسطينية في الداخل ولأول مرة في تاريخه للإفراج عن أحد جنوده مقابل الإفراج عن أسرى في سجونه.

والعدو لا يريد أن يهز صورته الأسطورية في العالم كجيش لا يقهر بينما تنجح المقاومة المحاصرة بأسلحة فردية في قهره وفي خطف جنوده رغم ما يملكه من ترسانة عسكرية يتفاخر بها بل ويصدرها إلى أقوى دول العالم.

والعدو كذلك لا يريد أن تشكل أي عملية تبادل أسرى مع المقاومة في الداخل بوابة لتنفيذ عمليات أخرى خصوصا وأنها متاحة بشكل اكبر في الضفة الغربية.

خيارات المقاومة لكن ما هي الخيارات المتاحة للمقاومة أمام كل هذه التحديات

الخيار الأول وهو المرجح عدم الاستجابة لكافة الضغوط والإصرار على تنفيذ عملية تبادل أسرى طالما حلم شعبنا بها للإفراج عن الأسرى من ذوي الأحكام العالية.

- وهذا يتطلب من المقاومة استخلاص العبر من كل عمليات الاختطاف الفاشلة السابقة والاستفادة من دروس حزب الله وعدم الإدلاء بأية معلومات مجانية عن هذا الجندي، وابتعاد القريبين من هذه الدائرة قدر الإمكان عن وسائل الإعلام وعن الاتصالات الهاتفية الأرضية والمحمولة.

- كما يتطلب من كافة اذرع المقاومة تشكيل غرفة عمليات عسكرية مشتركة على وجه السرعة والاستفادة من كيفية تنفيذ عملية الوهم المتبدد لجهة تقسيم المهمات وتوزيع الأدوار وتقسيم القطاع إلى قطاعات عسكرية كي يسهل الدفاع عنه.

أما الخيار الثاني الذي لا نتمناه وهو الاستجابة للضغوط المحلية من الرئيس عباس والخارجية للإفراج عن الجندي المختطف مقابل أن يصبح الرئيس عباس ذي صلة وتقبل إسرائيل بالجلوس معه على طاولة المفاوضات، أو مقابل منح تسهيلات على المعابر في غزة والضفة والسماح بإدخال الأموال للحكومة.. الخ من التسهيلات التي لن ترقى لفرحة الإفراج عن الأسرى في سجون الاحتلال.

فهل تنجح عملية الوهم المتبدد في تبديد مخاوف الأسرى من تقضية بقية أعمارهم خلف قضبان الاحتلال وتنجح في الإفراج عنهم..!!  اللهم آمين.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026