وقفات مع قدوم عيد الأضحى

وقفات مع قدوم عيد الأضحى

المرشد محمد عاكف
2004-01-30

رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد فتقبل…

رسالة من محمد مهدى عاكف  المرشد العام للإخوان المسلمين  بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير، وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وعن معاصيه أبعد .. فها هو عيد الأضحى يسرع الخطى إلينا ببركته وفضله، ليكون ختام عبادة، وتمام نعمة، ومدعاة شكر وذكر، ومثار تفكر، وموطن عظة، فهو يأتى فى ختام فريضة الحج، وهو ركن ركين من أركان الإسلام، كما كان عيد الفطر ختام فريضة الصيام، ليفرح المسلمون عقب كل عبادة ونسك .. (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(يونس58) .. وهو يأتى عقب يوم عرفة حيث يغفر الله لهذه الأمة ما أسلفت من معصية، وما فرطت فى جنب الله، فلا يرى الشيطان أخزى ولا أذل منه يومئذ، وقد خاب سعيه، وضاع جهده .

وفى مثل ذلك اليوم أتم الله نعمته على أمة الإسلام بكمال نزول القرآن، دستور هذه الأمة ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )(المائدة من الآية3) وفى أعقابه يقذف الحجيج إبليس بجمراتهم، متبرئين من سلطانه وقهره، متحررين من وسوسته ونفثه، عازمين على نصب العداوة له (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)(فاطر6)

فنسأل الله تعالى أن يتقبل من حجاج بيته حجهم وسعيهم، وأن يديم عليهم نعمته، وقد عادوا متطهرين كيوم ولدتهم أمهاتهم، وما أحرانا أن نستمسك بذلك الفضل، ليكون الحج – كما أراده الله – دورة تدريبية مكثفة، يعيشها أكثر من مليونى مسلم كل عام، يجددون خلايا الإيمان والإنابة والتضحية والجهاد فى جسد هذه الأمة، التى أضحت فى مسيس الحاجة إلى فقه أسرار عبادتها، والتمسك بمردودها العملى، وهى فى وضعها العصيب الذى تتكالب عليها فيه قوى الشر ..

تضحية إبراهيم – عليه السلام - وآله  ..

يأتى عيد الأضحى من كل عام تخليدا لكل هذه المعانى وغيرها، وبخاصة ذكرى تضحية أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام وأسرته المؤمنة التى نذرت نفسها لله، واستسلمت لأمره، فحققت كمال معنى الإسلام والإيمان، حين همّ خليل الرحمن بذبح ولده طاعة لربه، فانقاد الابن لمراد الله تعالى، ورضيت الأم الصابرة بقضائه عز وجل، فكان تمام الإسلام لله هو كمال الاستسلام له (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)(الصافات103-107) وكان القبول من الله تعالى رهنا بحقيقة الإخلاص له، ومطلق التجرد لجنابه، حتى لو كان ذلك فى أخص عواطف المرء عاطفة الأبوة والأمومة والبنوة ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف من الآية110) وبتلك التضحية النبيلة استحق إبراهيم عليه السلام أن يكون خليل الله تعالى، وأن يكون أمة وحده (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(النحل120-121)

التضحية سبيل أصحاب الدعوات ..

لم تقم دعوة عظيمة دون تضحية عظيمة ممن ينتسبون إليها، قيادة وجندا، وقد كان ذلك حاضرا فى ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول لنـزول الوحى على قلبه، حين حدثه ورقة بن نوفل بقوله "ليتنى أكون جذعا – أى قويا فتيا – حين يخرجك قومك، قال صلى الله عليه وسلم "أمخرجىّ هم ؟ قال نعم، ما جاء نبى بمثل ما جئت به إلا عودى" ..

كما كانت التضحية فى سبيل الدعوة ماثلة فى ذهن إمامنا الشهيد حسن البنا حين استقرأ سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وحوادث التاريخ وسير أصحاب الدعوات، ثم قال "أيها الإخوان  المسلمون إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التى تحاول هذا أو من الفئة التى تدعو إليه – على الأقل – إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل فى عدة أمور

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ، وإيمان به، وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره" ..

وجعلها الإمام البنا رحمه الله ركنًا أصيلاً من أركان البيعة، ووضعها فى ترتيبها الطبيعى الذى يضمن لأصحابها القبول عند الله، والنجاح فى السعى، فجاءت بعد أركان الفهم والإخلاص والعمل والجهاد، فلا تضحية تجدى بغير فهم صحيح يحيط بالدعوة من أطرافها، دون إفراط أو تفريط، وبدونه تغدو مخاطرة مغامر يورد نفسه موارد الهلكة دون تبصر ووعى، ولا تضحية تجدى من غير إخلاص لله يجلب لها القبول عنده، وبدونه تغزو شهوة نفس تريد أن تُذكَر فتُشكر ..

ولا تضحية بعيدا عن الالتزام الصادق بركن العمل الذى يحدد لها دوائر السير، ونطاق البذل، وجهاد يوسّع مداها لتكون عنصر صيانة للأمة وإعزاز لها .. لذلك قال فى أركان بيعتنا "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شئ فى سبيل الغاية، وليس فى الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع فى سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل" ..

الجهاد والتضحية فريضة ..

إن عيد التضحية يقدم علينا وسوق الجهاد والتضحية قائم فى عديد من أقطارنا، فُرضَ عليها أن تضحى بكل غال وثمين، ردًا للعدوان، ودفاعا عن المقدسات والحرمات، لا إرهابا كما يزعم المجرمون، ولا عدوانا على من ينشد السلام ويؤمن به .. فأهلنا فى فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان - وفى غيرها من بلدان عالمنا الإسلامى المستهدف - لا يبغون غير حقوقهم الأصيلة فى الحرية والاستقلال وكرامة الإنسان، هم الذين اعتدى عليهم الصهاينة والأمريكان والروس، هم الذين قتل رجالهم ونساؤهم وأطفالهم، وديست بلادهم، وبُدِّدت ثرواتهم، واحتلت أوطانهم، فمن عجيب أن ينعت جهادهم بعد ذلك بالإرهاب، أو توصف تضحياتهم بالعنف الذميم .. ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً)(الكهف من الآية5) لقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بأنهم ( إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)(الشورى من الآية39) وأذن لهم برد العدوان قائلا عز من قائل (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إ! ِلَّا  أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج39-40)

إننا نتوق إلى اليوم الذى تستطيع فيه جموع شعوبنا المسلمة أن تشارك هؤلاء المجاهدين جهادهم، وتدعم تضحياتهم، كما نتوق إلى اليوم الذى تدرك فيه حكومات بلادنا قيمة ما لديها من نفوس أبية، تعشق الشهادة فى سبيل الله ردا على عدوان الظالمين الذين لا يريدون خيرا لحاكم ولا محكوم، ويسعون لفرض الذلة والهوان على الجميع، وبث الفتن فينا، وأن يكون بأسنا بيننا شديدا، على غير مراد الله تعالى الذى وصف جنده الصادقين، وحزبه الغالبين بأنهم ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ )(المائدة من الآية54)

لقد آن الأوان أن يدرك أبناء هذه الأمة أن الجهاد فرض عين عليهم بعدما غزيت بلادنا واستبيحت ديارنا،  وأنه لا تضحية أشرف ولا أعز من التضحية فى سبيل الإسلام وحرية أهله، وسلامة حياضه والدفاع عن المستضعفين فى الأرض، وأنه إن ضاق السبيل على من أراد ذلك فلا أقل من دعم المجاهدين ومقاطعة منتجات المعتدين، وفضح مخططاتهم، وتنبيه الغافلين مبينا إلى خطورتها وخبثها، ودمويتها وعنفها، وأنهم (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)(التوبة10) ..

وآن الأوان لحكامنا أن يدركوا عظمة المدخور من قوى التضحية والفداء فى هذه الأمة، وأنه كفيل برد عادية من أراد بها شرا، كما أنه كفيل بإنهاضها وعزها، وأن الإسلاميين فى أوطاننا هم أبرز حماتها، الذين يرون حبها عبادة، والبذل من أجلها فرضا ماضيا، ودينا قيما .. وهم القادرون على استنهاض الهمم للبذل فى سبيل نهضة الأمة والدفاع عن أمنها القومى فى ظل وحدة تجمع كل من يستظل بحضارة الإسلام ..

وآن الأوان فى هذا الظرف العصيب – أن تنقض عرى ذلك الفصام النكد بين الشعوب وحكامها، فليدرك الجميع أننا أصحاب سفينة واحدة إن خرقها واحد منا غرقت بنا جميعا، وإن الشر الذى يستهدفنا لا يخص واحدا، ولا جماعة، دون الآخرين .. وأن أى مذلة تصيب شعبا أو حاكما - أو تستهدفه - هى خصم من كرامتنا، لا تقبله عزة مسلم يعلم أنه موقوف بين يدى ربه، ومسئول عما جنت يداه .

تحية إلى المجاهدين  ..

تحية فى يوم عيدنا الأكبر إلى كل المجاهدين المدافعين عن حقهم فى فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها من ديار الإسلام .. وتقبل الله منهم، وأخلص لهم نياتهم، وحقق لهم النصر والتمكين .

وتحية إلى كل من مد إليهم بالعون يده، ليمسح دمعة أم وطفل من أطفالهم فى يوم العيد، حرمه المجرمون الفرحة به واغتالوا البراءة من عينيه، وهدموا داره، وشردوا أباه، أو غيبوه خلف أسوار ظلمهم وأحقادهم، ولا ريب أن إعانتهم وكفالتهم، ودعم جهادهم فرض واجب .. وتحية إلى روح الشهيدة ريم الرياشى التى نالت الشهادة فى سبيل الله فأثبتت أن قوافل الشهيدات لا تقل فى التضحية عن قوافل الشهداء من أهلنا فى فلسطي،ن وأن الأم التى تبغى الحياة الحرة الكريمة لشعبها ولأولادها قادرة على التضحية بأمومتها فى سبيل ربها .

وتحية واجبة إلى المجاهدين فى حزب الله بلبنان، حيث استطاعوا تحقيق إنجاز مهم له مغزاه بتحرير أكثر من أربعمائة أسير من سجون الصهاينة، وفق اتفاق لتبادل الأسرى معهم، وقد عبروا عن صحيح أخوتهم الإسلامية حيث شملت قائمة الأسرى المحررين أفرادا من دول عربية شتى ؛ لا من لبنان وحدها .. لم يكن ذلك إلا بفضل من الله وتوفيقه، وبثمن غال من دماء الشهداء وتضحيات المقاومين ، وإن ذلك الصنيع ليؤكد اعتقادنا الذى كررنا ذكره مرارا من أن المقاومة هى السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال .

وتحية إلى إخواننا خلف الأسوار ..

إن لنا إخوانا خلف أسوار السجون والمعتقلات فى كثير من البلاد، ندعو الله أن يفرج كربهم، ويعجل خلاصهم، ويصبِّر أهليهم، ويجزيهم خير الجزاء .. فما سجنوا إلا فى ذات الإله وصميم الدعوة، وما حبسوا فى مذمة أو خيانة بل غيبهم الاحتلال فى فلسطين والعراق، أو غيبتهم القوانين الاستثنائية الجائرة التى تئن منها بلادنا، والتى آن الأوان أن يتنبه المسئولون إلى ظلمها ووخيم عواقبها، وأن وطننا فى هذه المرحلة الصعبة فى حاجة إلى كل المخلصين من أبنائه.

أيها الأخوة الأحباب

أوصى نفسى وإياكم فى هذا المقام

* أن نتدبر فقه عباداتنا وأسرارها ، ففى فقه الحج كما رأينا وفى أسراره زاد لأصحاب الدعوات .

* أخلصوا عبادتكم وعطاءكم لله تعالى ، فلا قبول يرجى دون إخلاص ..

* تيقنوا أن التضحية هى وقود كل دعوة ناجحة ، وهى فى حال إسلامنا فريضة لازمة .. ويجب أن تأتى عن فهم وإخلاص وأن تستصحب العمل والجهاد ..

* ذكّروا الغافلين بخطورة ما تمر به أمتنا من أوضاع عصيبة تستلزم التضامن ونبذ الخلاف ، وأن نكون فى سبيل الله صفا كأنه البنيان المرصوص ..

* شاركوا إخوانكم المجاهدين شيئا من الأجر بالدعاء لهم وعرض قضاياهم ومحنتهم ، وفقهوا من حولكم بفرضية دعمهم وتأييدهم ..

* شاركوا أسر إخوانكم خلف جدران السجون والمعتقلات فرحتهم بالعيد .. واسألوا الله الفرج القريب ..

والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026