د عصام سليم الشنطي أفلحت الفصائل الفلسطينية المختلفة عندما اعتمدت الحوار الوطني فيما بينها كوسيلة أساسية لحل الخلافات السياسية والتنظيمية على قاعدة حماية المصالح الحيوية والثوابت…
أفلحت الفصائل الفلسطينية المختلفة عندما اعتمدت الحوار الوطني فيما بينها كوسيلة أساسية لحل الخلافات السياسية والتنظيمية على قاعدة حماية المصالح الحيوية والثوابت الاستراتيجية للشعب الفلسطيني.
وبدا التسارع في وتيرة الحوار الوطني وإعلان ناطقين باسم حركتي فتح وحماس عن تقدم كبير وقرب التوصل إلى اتفاق على أساس وثيقة الأسرى التي كانت محل خلاف بين هذين الفصيلين الكبيرين.
وقد تزامن التحرك السياسي الداخلي في فلسطين مع تحرك سياسي دبلوماسي فلسطيني - عربي تمثل في لقاءات القمة الفلسطينية - المصرية والفلسطينية الأردنية والأردنية - المصرية، وقريباً التحرك السوري - المصري والسوري - الفلسطيني.
وهو التحرك الهادف إلى الإسهام في تعزيز وحدة الصف الفلسطيني من جهة ومن الجهة الأخرى البحث عن سبل لتهدئة الوضع في المنطقة وإحياء مفاوضات السلام على أساس خطة خارطة الطريق وسد الطريق على المخططات الإسرائيلية أحادية الجانب التي هي الهاجس الأكبر للجميع بدون استثناء لاسيما في ظل التحرك الإسرائيلي الرسمي الذي يسعى لنيل دعم دولي لتنفيذ هذه المخططات.
وهذه التطورات تعتبر مؤشرات إيجابية تدعو إلى التفاؤل برؤية ساحة فلسطينية موحدة تسحب البساط من تحت أقدام الذرائع الإسرائيلية والمزاعم القائلة بعدم وجود شريك فلسطيني.
كما أنها تضع "إسرائيل" وجهاً لوجه أمام استحقاقات تحقيق السلام بدل تفردها في فرض إجراءات أحادية الجانب، أو على الأقل لوضع العراقيل أمام أي تقدم نحو هذا التوجه الإسرائيلي حتى تتغير بعض الوقائع على الأرض الفلسطينية من جهة ويبدأ المجتمع الدولي بممارسة دوره السياسي المهم نحو تطبيق القرارات الدولية.
والواضح إن وحدة الكلمة الفلسطينية على أسس واضحة ومتينة بالتوازي مع تحرك سياسي فلسطيني - عربي تجاه الساحة الدولية يعني إعادة تصحيح الموقف الدولي وحشده مجدداً لتأييد ودعم جهود السلام على أساس الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة وتطبيق بنود خطة خارطة الطريق بعد أن استغلت "إسرائيل" الخلافات الداخلية الفلسطينية وتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة حماس واستخدمت ذلك كستار لمواصلة عدوانها الشامل وارتكاب المجازر المشينة ورفض أية محاولة لتحقيق دولي في هذه المجازر.
إن توافق قوى الحوار الفلسطيني على وثيقة الأسرى بنقاطها الرئيسية أو على أية وثيقة أخرى يعني نزع المبررات الرئيسية للحصار الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني ويبشر ببدء مرحلة جديدة مع كل ما يعنيه ذلك من تخفيف لمعاناة الشعب الفلسطيني وفتح آفاق السلام مجدداً.
ولكن يجب هنا القول أيضاً إن التوصل إلى موقف فلسطيني - عربي موحد على أهميته لا يكفي وحده لدفع جهود السلام قدما طالما استمرت "إسرائيل" تتبنى نفس المواقف المتشددة وطالما واصلت عدوانها على الأرض بأشكاله المختلفة.
فالتحرك العربي - الفلسطيني المكثف على الساحة الدولية يصبح أساسياً جداً لضمان ممارسة ضغوط حقيقية دولية على "إسرائيل" للاستجابة لجهود السلام الدولية، وهذا الأمر يشترط في المحصلة استمراراً لموقف فلسطيني - عربي موحد كشرط رئيسي لإنجاح الجهود المشتركة من جميع الأطراف في نزع الذرائع الإسرائيلية والتصدي للمخططات الإسرائيلية الأحادية.
كما إن تشكيل حكومة وحدة وطنية في فلسطين أصبح أساسياً واستراتيجياً لأنه لا يوجد حل نهائي للخروج من الأزمة الحالية أو أية أزمة في المستقبل القريب إلا بتشكيل حكومة وحدة وطنية.
وإن تشكيل هذه الحكومة يعادل إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية المظلة والإطار الأفضل والأضمن لقيام دولة فلسطينية ومنع أي تآمر من قبل طرف فلسطيني ضد طرف آخر أو ضد التآمر الخارجي على الجميع.
وهنا يجب التشديد على ما قاله العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي الدكتور عزمي بشارة أثناء حديثه في المحاضرة التي نظمها مركز البراق للبحوث والثقافة بعنوان المستجدات السياسية على الساحة الفلسطينية، إن آفاق الخروج من المأزق الحالي في الساحة الفلسطينية وكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني لا يتم إلا بالحوار الوطني الفلسطيني. وبتشكيل حكومة وحدة وطنية. كما شدد على ضرورة مشاركة حماس لأنها ليست مستوردة من الخارج وإنما هي حركة فلسطينية أساسية وأنه من غير المنطقي السير في التوجه الحالي، لأن المستفيد من ذلك هو الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية.
في المقابل شدد بشارة على أن حركة حماس لا تستطيع أن تقود حكومة دون برنامج سياسي، وأنها منذ أن اختارت أن تشكل حكومة فلسطينية لم تعد في حل من أن يكون لها برنامج، خاصة وأنها أصبحت في موقع قيادة .
ولم تعد في المعارضة، وإلا كان بإمكانها أن لا تشارك في الانتخابات، أو حتى أن تدخل في تشكيل حكومة، لأنها فقط كانت بحاجة إلى عنوان سياسي وحصلت عليه من خلال الانتخابات التشريعية، التي أعطتها أغلبية تستطيع من خلالها أن تشكل رقابة قوية على أي حكومة، كما تستطيع من خلالها فرض ضوابط على المفاوض الفلسطيني وعلى السلطة التنفيذية.
المهم في هذه المرحلة الحرجة أن تدرك جميع الفصائل وخاصة حركة فتح والفصائل الأخرى المؤيدة لها أنه لا يوجد طرف فلسطيني سيستفيد من إفشال حكومة حماس، لأن أي طرف يساهم في ذلك لن يتمتع بالمصداقية داخلياً وخارجياً.
كما أنه يساهم في ردة فعل عكسية من حركة حماس وغيرها من الفصائل الداعمة لها، مردها الشعور بالتآمر الداخلي عليها الأمر الذي سيأتي بمردودات عكسية على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ويساهم في خلق كارثة حقيقية لصالح الأعداء.
إن إنجاح الحوار الوطني الفلسطيني واجب وطني على كل الفصائل الفلسطينية وهذا لن يتم إلا إذا قررت هذه الفصائل تقديم تنازلات حزبية باتجاه المصالح العليا لهذه الفصائل وللشعب الفلسطيني بأسره.
وأن جدوى وثيقة الأسرى أو الاستفتاء عليها ليست هي الهدف بعينه خاصة وأن "إسرائيل" قد أعلنت بشكل مسبق أنها لن تقبل بالنتائج، وأنها ماضية في خطة الانطواء التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، فما الداعي إلى خلق شرخ في الصف الفلسطيني عن طريق التمسك بالمواقف الفئوية لهذا الفصيل أو ذاك؟
إن المؤسسة الإسرائيلية بكل مكوناتها لم تعد تقر أساساً بوجود اتفاق أوسلو والاتفاقات المرحلية اللاحقة خاصة بعد رسالة التطمينات التي وجهها الرئيس الأميركي بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون. والتي تقول إن أي حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في المستقبل يجب أن يراعي التغيير الديموغرافي في مدينة القدس، كما إنه لم يعد من المنطقي أن تتراجع "إسرائيل" إلى حدود عام 1967، وأنه لم يعد من المنطقي عودة اللاجئين الفلسطينيين.
ولم تتردد "إسرائيل" مباشرة في اعتماد هذه الرسالة أثناء بحثها لخطة فك الارتباط أحادي الجانب في الكنيست، وعليه فإن المادة ج من هذه الخطة تنص على اعتماد رسالة الرئيس كجزء لا يتجزأ من الحل الدائم، وأنه لم يكن هناك محاولة جدية أو مشروع جدي من قبل "إسرائيل" بعد مفاوضات كامب ديفيد للتوصل إلى تسوية أو حل مع الفلسطينيين، وأن كل ما يجري هو فقط مضيعة للوقت.
إن ما استجد في خطة الانطواء عن الضفة الغربية من قبل "إسرائيل" هو أن الإدارة الأميركية اقترحت على "إسرائيل" تأخير عملية التنفيذ وذلك لأن واشنطن تحتاج إلى بعض الوقت للتعاطي مع الملف الإيراني. ولا تريد في هذه المرحلة من "إسرائيل" إثارة أي قضية من شأنها أن تؤثر سلباً على ما تنوي القيام به تجاه إيران. ولكن "إسرائيل" تدرك قدرة واشنطن على دعم الخطة الإسرائيلية في الوقت المناسب، ولذلك ارتأت الأولى التمهل في عملية التنفيذ لحين الوقت المناسب.
إذاً هناك فترة من الغموض السياسي ستسيطر على مجريات الملف الفلسطيني في ظل سياق إقليمي مجهول، وعليه لن يكون مبرراً لأي فصيل فلسطيني أن يفشل الحوار الوطني ولا يسهم في تشكيل حكومة وحدة وطنية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع