مفهوم القضية سواء تعلق بفلسطين أو بأي شجن قومي آخر يتخطى الإجرائيات والجزئيات وكل ما هو مرحلي وحين أطلق العرب على فلسطين قضيتهم المركزية كانوا يعنون شيئا آخر غير هذا الذي يحدث…
مفهوم القضية سواء تعلق بفلسطين أو بأي شجن قومي آخر، يتخطى الإجرائيات والجزئيات وكل ما هو مرحلي، وحين أطلق العرب على فلسطين قضيتهم المركزية كانوا يعنون شيئاً آخر غير هذا الذي يحدث، أما المسألة، فهي ليست بالمعنى الدقيق لترجمتها إلى الإنجليزية مثلاً، ولا هي مرادف لما سمي المسألة الشرقية عندما كانت الإمبراطورية العثمانية مسجاة على طاولة.
مفهوم المسألة الذي آلت إليه فلسطين هو الذي قصده شاعر كالحطيئة، عندما أوصى سلالته بما سماه المسألة، وهي الكدية أو التسّول، من خلال التكسب بالشعر.
وما نسمعه هذه الأيام عن تجميد المساعدات للشعب الفلسطيني المحاصر، سواء كان من الاتحاد الأوروبي أو من العرب غير المتحدين، يعيدنا إلى الأيام الأولى التي أعقبت النكبة عام 1948 عندما اختزلت فلسطين إلى خيمة، ووكالة غوث وكيس طحين، وكوب حليب مجفف.
وما يحزّ في النفس أن الجامعة العربية تنتظر الإفراج الأوروبي عن المساعدات للفلسطينيين، بحيث يأتي دورها ثانوياً ومكملاً لما تجود به أوروبا إذا جادت، فالحارس الأمريكي لا يزال يواصل رقابته الصارمة على البنوك وكل القنوات التي يمكن للأموال أن تمر من خلالها إلى ذلك الشعب المحاصر.
وقد أصبحت عبارات من طراز عقاب الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي متكررة إلى حد يثير الغثيان، إذ ما معنى الإقرار بهذه الحقيقة ثم ممارسة ما يناقضها؟ هل هو التطهر من الإثم بالكلام المجاني؟ وبالتالي تجويف المفردات بحيث تفقد معناها تماماً؟
إن تحويل فلسطين من قضية إلى مسألة، هو استخفاف لا بالدم الفلسطيني فقط، بل بالدم العربي كله من وريد الخليج إلى وريد المحيط.
والشعب الذي أصبح يحصي أيامه بعدد الشهداء محاصراً من أعدائه بالدبابات ومن أشقائه بالصمت واللامبالاة لا تحل أزمته المساعدات حتى في حال وصولها، ولا دفع الرواتب لمن عوقبوا بتجفيف مصادرها منذ فوز حماس، ومن يستشهدون بالعشرات يومياً ينتظرون وينتظر ذووهم مواقف أخرى، غير أكياس الطحين والدواء وحقائب الدولارات، إنهم بانتظار إنصاف إنساني ودولي، يخفف من شقائهم الذي تنوء به الجبال، فهم منذ عقود لم يناموا ساعة أو ساعتين من دون أن تقاطع نومهم الطائرات، ولم يصوموا رمضان واحداً من دون أن يفطروا على دم ينزف من عيونهم وأنوفهم، واستمرار هذا الحال له معنى واحد، هو أن من يدّعون بأنهم يحاربون العنف يستولدون المزيد منه، لأنهم يوفرون له أسباباً كافية لدفعه إلى أقصاه.
لقد تلقح الفلسطينيون ضد مثل هذه السياسات، ولم يعد لديهم ما يخشون فقدانه غير ترابهم الذي يروونه بالدم على مدار الساعة، لهذا فلن يتحولوا من مقاومين إلى مُتسولين، وستبقى فلسطين قضية القضايا ولن تتحول مسألة بالمعنى الذي أراده شاعر احترف المديح والهجاء من أجل التكسب بشعره، ولن يتكسب هؤلاء من دمهم، لكنهم يشعرون بمرارة حصار ذوي القربى أضعاف ما يشعرون بمرارة الاحتلال وحصار عدو لا يتوقعون منه الفرج.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع