حضور نشط للعنصرية وغياب كامل للإنسانية

حضور نشط للعنصرية وغياب كامل للإنسانية

أ.د. يوسف رزقة
2006-06-19

وزير الإعلام الفلسطيني قبل أربع سنوات كانت صورة الطفل الشهيد محمد الدرة شاهدا على القتل العمد بدم بارد تلكم الصورة الحية الحيوية التي نبهت قليلا ضمير بيل كلنتون واليوم يتكرر المشهد…

وزير الإعلام الفلسطيني

قبل أربع سنوات كانت صورة الطفل الشهيد محمد الدرة شاهداً على القتل العمد بدم بارد، تلكم الصورة الحية الحيوية التي نبهت قليلاً ضمير بيل كلنتون واليوم يتكرر المشهد وتقف صورة الطفلة (هدى غالية) لتعلن أن قادة الاحتلال الإسرائيلي لم يتعلموا شيئاً على المستوى الإنساني من مقتل محمد الدرة، ولعلهم أدركوا أن ضمير كلينتون الذي تنبه للحظة قد غاب في بلاده شعور كثيف عند بوش الذي حرم الطفلة هدى غالية والإنسانية من خلفها من كلمة شجب ربما تساعد قليلاً في وقف قتل إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين.

الذنب الوحيد الذي اقترفته الطفلة "هدى" أنها ذهبت مع أسرتها للتروض على شاطئ بحر غزة بعد عام دراسي طويل، ومعلوم أن الذهاب إلى البحر يعني أن أطفال فلسطين يحبون الحياة والفرح كغيرهم من أطفال الشعوب الأخرى.

إن صورة حب الحياة لا تروق لقادة الاحتلال لأنها ببساطة تكشف أضاليل إعلامهم وتزييفاته وفساد نظريتهم العسكرية.

ذنب "هدى غالية" وذنب "محمد الدرة" مع فارق زمني أربع سنوات بين المشهدين، أنهما ذهبا مع والديهما للحياة رغم بنادق الاحتلال ؟!، وهذا هو الذنب الوحيد الذي يقترفه الشعب الفلسطيني يومياً، وبسببه تنهال عليه القنابل من الطائرات والزوارق.

يبدو أن نظرية القوة الغاشمة في إسرائيل تدعو إلى حرمان الطفل الفلسطيني من حق الحياة في أحضان أسرته، لأن المساحة مابين البحر والنهر لا تتسع إلا لمن كان صهيونياً أو إسرائيلياً.

ممارسة الطفولة الفلسطينية كحقها في الحياة الطبيعية الطيبة خطر على تل أبيب يستوجب التصدي له بقوة الطائرات والدبابات.

"المونديال" و"التروض على شاطئ البحر" علامتان على حب الإنسان للحياة ورفضه للقتل، قنابل القتل الإسرائيلية تستغل المونديال والحالة الإعلامية المصاحبة له في لعبة القتل الذريع.

فإذا تنبه الإعلام وغالباً في المونديال لا يتنبه لشئ خارج الملاعب لأن الإثارة تنتقل إلى قدم رونالدوا وغيره – ارتاح القاتل لمهارته في اقتناص فرصة سانحة للقتل في العتمة.

بالأمس القريب حكمت محكمة عسكرية إسرائيلية على قاتل الطفلة "إيمان الهمص" من مسافة صفر بالبراءة رغم شهود العيان.

جيش الاحتلال يقتل ويحقق ويصدر أحكاماً بالبراءة، وأحياناً يهرب خلف عبارة "لم تكن للجيش في المنطقة أنشطة عسكرية" مواجهة النفس هي الكلمة التي قذف بها مركز حماية الديمقراطية "قيشف" في وجه رئيس تحرير صحيفة معاريف لأنها مارست عملية تضليل إعلامي للرأي العام في تغييبها لخبر مذبحة أسرة الطفلة "هدى غالية" على شاطئ بحر غزة في صفحة داخلية، والكلمات التي استخدمها المركز "نستنكر بشدة طريقة عرض الصحيفة للحدث، .. هناك تأثير سلبي على وعي مستهلكي الإعلام بسبب تقزيم الخبر ونشره بشكل محدود في الصفحات الداخلية ؟؟!." (إنتهى الإقتباس).

أمنون دنكنر رئيس تحرير معاريف شخصية إعلامية تبدو ثملة بروح عنصرية لا إنسانية لا تناسب ووظيفته الإعلامية وتشكيل رأي عام إنساني حيث يقول في رده على إحتجاج قيشف ما نصه "هل الخطر المؤكد على حياة يهودي مختطف أكثر أهمية وإثارة من فلسطينيين قتلوا ؟ جوابي هو نعم مجلجلة ؟!!"

ثم يقول "نحن، بالطبع، لن نشوه ولن نحرف ولن نتساهل مع الجيش حين لا يتصرف بشكل سليم، ولكن من ناحية ثانية لن نسلك بهستيريا جلد الذات عديمة الحاجة ؟!!!!!" (إنتهى الإقتباس)

إنه يرى وبحسب النصوص المقتبسة من كلامه أن الجيش تصرف بشكل سليم حين قتل أسرة الطفلة "هدى غالية" وجرح آخرون على شاطئ البحر بقذائف شديدة الإنفجار ؟!!!، وهو يرى أن نشر خبر المذبحة في الصفحة الأولى من معاريف بحسب طلب "قيشف" هو نوع من جلد الذات بشكل هستيري ؟!!

إن هذا الحوار المعلن على صفحات الجرائد بين المتحاورين يكشف عن روح عنصرية لا إنسانية مذهلة من ناحية، ومستهترة بالآخر من ناحية أخرى تسكن الإعلام الصهيوني في تغطيته للخبر الفلسطيني وبالذات حين يكون القتلى من الأطفال والنساء أو قتل أسرة بكاملها. هذا الروح اللإنسانية لم أكتشفها اليوم في ضوء أسرة "هدى غالية" وإنما أقدمه شاهداً إضافياً متجدداً على ما اكتشفه آخرون من قبل من خلال متابعاتهم للإعلام الصهيوني.

ولن أستغرب يوماً إذا قيل لي أنهم سرقوا الصورة والخبر وجعلوا هدى غالية ضحية إسرائيلية وأعطوها إسماً يهودياً تبكي أباها وأسرتها على شاطئ تل أبيب أو هرتسيليا.

وفي الختام فقد أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مسئولية الجيش الإسرائيلي عن المذبحة، وأهمية تشكيل لجنة تحقيق دولية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026