دقت ساعة الحقيقة محذرة من انهيار غير مسبوق في العلاقات الفلسطينية الفلسطينية ومعلنة أنه لم يعد هناك متسع من الوقت للمناكفات السياسية والأجندات الحزبية والتنظيمية على اختلاف مسمياتها…
*
دقت ساعة الحقيقة محذرة من انهيار غير مسبوق في العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية، ومعلنة أنه لم يعد هناك متسع من الوقت للمناكفات السياسية والأجندات الحزبية والتنظيمية على اختلاف مسمياتها، فما يجري على الأرض الفلسطينية عامة وقطاع غزة خاصة، يستدعي من كل العقلاء والحريصين على مصلحة هذا الشعب أن يسارعوا فوراً ودون إبطاء إلى الالتقاء على طاولة واحدة، ونزع فتيل الانفجار، الذي إن وقع –لا قدر الله- سيطيح بالجميع، وسنكون كفلسطينيين كمن يكتب ويوقع شهادة وفاته بيده، إذ إننا وعلى مرأى من العالم ومسمع سندفن قضيتنا بأيدينا ونفعل ما عجز الاحتلال ومناصروه عن فعله طيلة ما يقرب قرناً من الزمان، ونقدم للاحتلال هدية مجانية طالما حلم بها.
ألا تدعونا الأحداث المتسارعة - في غزة خصوصاً - وما يجري فيها من اغتيالات واشتباكات وأعمال سرقة ونهب واعتداء على الأراضي المحررة واقتحام المؤسسات العامة والخاصة وخطف الأجانب والمواطنين وفرض الإتاوات(والخوات) ومشاركة الناس –بقوة السلاح- لقمة عيش أبنائهم، ألا يدعو كل هذا إلى تحرك جاد لوقف هذه المأساة التي شوهت صورة نضالنا وأساءت لنا أمام القريب قبل البعيد؟!
هناك أسئلة بحاجة إلى إجابة عليها؟
هل نحن أمام حالة من الفوضى والفلتان العبثي العفوي؟! أم أن ما يجري هو فلتان مبرمج وفوضى منظمة؟!
لماذا السكوت وهذه الحالة قد مضى عليها سنوات!! ولماذا لم تصدر الأوامر لأجهزة الأمن للقيام بواجبها -منذ زمن بعيد- رغم أن هذه الحوادث تتكرر بشكل يومي أو شبه يومي؟!
ولماذا لا يتم اعتقال أحد أو إدانته؟! وبقيت القضايا كلها تسجل ضد مجهول!! وحتى تلك القضايا التي شكلت لها لجان تحقيق انطبق عليها القول إذا أردت أن تميت قضية فشكل لها لجنة!
المشهد الفلسطيني أصبح أكثر ميلاً نحو الألوان الداكنة وتحولت الساحة الفلسطينية إلى ساحة صدام ومناكفات هنا وهناك، على الأرض تنشر الحكومة قوة شرطية لحفظ الأمن بالتشاور مع الرئيس، مقربو الرئاسة ينفون وأجهزة الأمن تنتشر هي الأخرى لأول مرة منذ فترة طويلة، هدوء حذر حتى في ساعات الليل يمزق سكونه سيارة تطلق النار على قوة وزارة الداخلية وعلى أجهزة الرئاسة في آن واحد!!! - كما أعلن رئيس الوزراء – وفي ذات اللحظة تصل إلى آلاف الجوالات رسائل تتحدث عن اشتباكات عنيفة بين قوات وزارة الداخلية وأجهزة أمن الرئاسة!! هل هذا من قبيل الصدفة!! وتحدثت إحدى الفضائيات العربية - قناة العربية - عن ليلة من الاشتباكات عاشتها مدينة غزة!!! رغم أن حقيقة ما جرى هو إطلاق نار من قبل القوتين على السيارة المشبوهة دفاعاً عن نفسيهما!!! حسب ما ذكره رئيس الوزراء في خطبة الجمعة.
نفس السيناريو يتكرر، سيارات أو أشخاص يطلقون النار على أعضاء من كتائب القسام، وعلى أعضاء من كتائب الأقصى كذلك، وجاء الانفجار الذي تعرض له مدير المخابرات العامة ليشكل قفزة نوعية في عملية صب الزيت على نار الفتنة ليزيدها اشتعالاً حتى لا تبقي ولا تذر!! إذن هناك من هو معني بالإيقاع بين أبناء الشعب الواحد سواء كان ذلك لإفشال التجربة الديمقراطية الرائدة لهذا الشعب، أو لحسابات خاصة، وربما يذهب الأمر إلى حدود الحسابات الخارجية خاصة في ظل الحصار الخانق الذي يحياه شعبنا والصمود الأسطوري الذي فاجأ الجميع.
من المؤسف القول إننا أصبحنا نتصدر نشرات الأخبار-ليس كالعادة- من باب المقاومة والشهداء، ولكن من باب أين وصلت الخلافات والمماحكات والمشاحنات، وكأن القضية انتهت، وكأن الجدار قد هدم والحواجز زالت والمستوطنات فككت والأسرى أطلق سراحهم واللاجئون عادوا من شتاتهم!!! والغريب العجيب أن هذا حالنا بينما الاغتيالات لا زالت مستمرة والاعتقالات لم تتوقف، والمحزن أن البعض منا لا يزال يوجه سهامه نحو أخيه ناسياً أو متناسياً أن هناك من يتصيد الكلمات والمواقف لينسج منها أكفاناً للشعب... وعلى النقيض من هؤلاء يسجل الشكر لقناة الجزيرة التي أصبحت تتجنب استضافة أي من الفرقاء عند حدوث اشتباكات تجنباً لتصعيد الأمور.
المطلوب اليوم من الجميع، وأمام هذا الظرف العصيب عدم الانجرار نحو مستنقع آسن من الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي، والتوقف عن حرب التصريحات وتراشق الاتهامات، وعلى الفضائيات التي تعمد للإثارة وصب الزيت على النار أن تتوقف عن عبثها، وعن تقاريرها وأسئلتها المسمومة التي تزرع الفرقة وتبث الفساد والأحقاد، وفي ذات السياق على كل الفصائل أن تختار بعناية من يتحدث باسمها لأن الوقت ليس وقت عنتريات إعلامية، والوضع جد خطير، ورب كلمة من ناطق هنا أو متحدث هناك تشعل حريقاً يصعب إطفاؤه، لذا على كل المتحدثين أن يتكلموا بروح وحدوية وأن لا ينجروا لتطفل أو تفاهة بعض المذيعين، وأن يحسبوا حساباً لكل كلمة يقولونها. حتى لا يدعوا مجالاً ليد دخيلة ولسان مسموم أن يعبث بأمن الوطن والمواطن.
آن الأوان أن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم، وخاصة المسؤولون على اختلاف مواقعهم، وأن يعملوا على كشف العابثين بأمن هذا الشعب ومقدراته، وأن يلجموا الفاسدين والمفسدين والمتسلطين على رقاب العباد، الذين ينشرون الخراب والفساد حيثما يحلون أو يرتحلون!! لأن هؤلاء وأمثالهم ما كانوا ليجرؤوا على أعمالهم الدنيئة وزرعهم بذور الفتنة لو أخذ على أيديهم وضربوا بيد من حديد، فأغراهم التراخي والسكوت بفعل المزيد، حتى وصل الأمر إلى ما نحن عليه الآن!! ولكن –رغم ما جرى- لم يفت الوقت بعد على إصلاح وتحسين الأوضاع..
وحتى نقطع الطريق على العابثين، علينا جميعاً فصائل وأفراد أن نرفع شعاراً واحداً الوطن لنا جميعاً، وهو أكبر منا جميعاً.
* محاضر جامعي- نابلس – فلسطين