مخطئ بل واهم من يعتقد أن خلط الأوراق على الساحة الفلسطينية الداخلية وإرباك الوضع الداخلي بغية إفشال الحكومة المنتخبة وإفقادها ثقة وتأييد الجمهور الفلسطيني سيمنحه صك القبول الشعبي…
مخطئ بل واهم من يعتقد أن خلط الأوراق على الساحة الفلسطينية الداخلية، وإرباك الوضع الداخلي، بغية إفشال الحكومة المنتخبة، وإفقادها ثقة وتأييد الجمهور الفلسطيني، سيمنحه صكّ القبول الشعبي، ويهيئ له أرضية العودة إلى الحكم – بكل أريحية- من جديد.
مبعث قناعتي السابقة ينسجم مع مفاعيل الاختبار المصيري الذي تعيشه حركة حماس وحكومتها الجديدة حاليا، وحالة اللاعودة التي قذفتها إليها الظروف والأوضاع، فلا خيار أمامها سوى النجاح، والنجاح فقط، ولا استعداد لديها للانكسار أمام الضغوط المختلفة، داخليا وخارجيا، التي تحاول قهرها عن مواصلة الحكم بوسائل عنصرية وأدوات تعسفية.
أسلوب التداول السلمي للسلطة، وصندوق الاقتراع، في إطار الوسائل الديمقراطية، يشكل السبيل الأوحد أمام حماس للتخلي عن السلطة، وهو خيار بعيد ذو خلفيات حالمة في الوقت الراهن الذي يشهد تصاعدا في التأييد لحماس وحكومتها المنتخبة غير مسبوق.
ما سوى الخيار الديمقراطي الحر والنزيه – في عرف حماس- لن يجبرها على الانحناء أو الانكفاء مهما بلغت الضغوط والمعوقات، فتجربة الحكم التي غاصت فيها الحركة دون سابق استعداد لم تعد -هذه الأيام- جملة اعتراضية في مشروعها التحرري كما يعتقد البعض، بل جملة أساسية أو قُل ركيزة استراتيجية في ثنايا المشروع الإسلامي العام، الذي يهدد بفشله ليس تجربة حماس في فلسطين فحسب، بل يطال بتأثيراته السلبية المشروع العام للحركات الإسلامية قاطبة، عربيا وإسلاميا.
ما أدركته حماس في السنوات الأخيرة أن خيار المقاومة لا يمكن أن يعيش بشكل طبيعي بمعزل عن آليات الحكم والسلطة، وأن بقاء المقاومة وحيدة دون غطاء قانوني دستوري ليس حلا في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية الضاغطة، فضلا عن أن ترك الجبهة الداخلية دون ترتيب وتحصين في وجه غول الفساد والانفلات الأمني، أورث إرهاقا شعبيا، ومدعاة لليأس والإحباط، وتهاونا واضحا في التفاعل مع مقتضيات مواجهة الاحتلال والعدوان وسائر القضايا الوطنية.
في ثنايا هذه القناعة يمكن أن نتنبأ استمرار حماس والحكومة الحالية في خيارها حتى آخر رمق، واستعدادها للمنافحة عن مشروعها حتى النهاية، وعدم الرضوخ أمام كافة محاولات الضغط والإفشال التي أخذت أشكالا بالغة الحدة والصراحة والوضوح، داخليا وخارجيا.
بين يدي اهتمام الحكومة التي شكلتها حماس بالوضع الداخلي، وضرورة تحصينه وتأمين استقراره كمحور ارتكاز لتفعيل المشروع الوطني، ومواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال، اضطرت الحكومة لتشكيل قوة الإسناد المعروفة كحلّ اضطراري في مواجهة الأزمة الأمنية التي ألقت بالأوضاع الداخلية على شفا الكارثة الوطنية.
لم يكن هذا الخيار أفضل الخيارات، لكن حال التمرد الذي يهيمن على واقع الأجهزة الأمنية الرسمية، وتجاهلها لقرارات وتوجيهات وزير الداخلية الخاصة بضرورة ضبط الوضع الأمني، ووصول الحكومة إلى قناعة حاسمة حيال استحالة تجاوب الأجهزة الأمنية بهياكلها الراهنة، حشرها في زاوية بالغة الحرج والضيق، ووضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما السكوت والفشل وتجرع مرارات الواقع دون فعل أو مبادرة، وإما اللجوء إلى آخر الخيارات، وتشكيل قوة إسناد مدربة في إطار جهاز الشرطة، لمواجهة وحش الفلتان الأمني المصطنع بكل قوة وحزم، بعيدا عن أي تهاون أو تقصير.
من هنا كان وقع المفاجأة كبيرا بما شهدته الساحة من هجوم سياسي وإعلامي وميداني فئوي، استهدف تشويه القوة المُرحّب بها جماهيريا، وتأليب الشارع الفلسطيني عليها، لأهداف فئوية ومصالح شخصية لا تخفى على أحد!!
ألم نعاني يوميا من اقتحام المؤسسات الرسمية والأهلية من جحافل المسلحين العابثين، وتخريبهم لها وتحطيمهم لممتلكاتها تحت سمع وبصر العالم أجمع؟! ألم يصبح القتل والعربدة في الشوارع شيئا مباحا دون حسيب أو رقيب؟! ألم تغدو شريعة الغاب في مجتمعنا سيدة الموقف في ظل انفلات منظم يمارسه البعض استجابة لأجندة غير وطنية؟! ألم تغدو مفردات الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار مفردات بائدة دون أي حضور في حياة المواطنين الأبرياء المقهورين؟! ألم تُبحّ أصواتنا صباح مساء، شكوى وصراخا، من انحدار هذا الواقع وأوضاعه المأساوية، والحاجة الماسة للتكاتف الوطني في مواجهته وتفكيك أزماته المعقدة؟!
كلي عجب واستغراب إزاء هذه الأزمة المفتعلة وتداعياتها المصطنعة، فمن يُطلق عليهم "مغاوير الداخلية" أو "الميليشيات السوداء" وسواها من النعوت المقززة، هم فتية أطهار، ورجال أفذاذ، وأبطال ميامين، أبدعوا في مضمار مقاومة الاحتلال، وها هم يتطوعون لتحصين الجبهة الداخلية وحماية المواطنين الفلسطينيين دون مقابل.
لذلك كله، فإن قوة الإسناد تشكل ضرورة وطنية، لعناصرها كل الدعم والوفاء، وكل الاحترام والتقدير.