حرمة الدم الفلسطيني

حرمة الدم الفلسطيني

مجدي شندي
2006-05-24

لا أحد يمكن أن يصدق أن حركة حماس بما اشتهر عن قيادييها من طهر سياسي وأخلاقي ومالي يمكن أن تتورط في إطلاق رصاصة أو تفجير قنبلة مستهدفة مسؤولا فلسطينيا كما لا يمكن لأحد أن يتخيل شباب…

 

لا أحد يمكن أن يصدق أن حركة حماس بما اشتهر عن قيادييها من طهر سياسي وأخلاقي ومالي يمكن أن تتورط في إطلاق رصاصة أو تفجير قنبلة مستهدفة مسؤولاً فلسطينياً، كما لا يمكن لأحد أن يتخيل شباب فتح في أي من تنظيماتهم العسكرية وهم يرفعون سلاحاً في وجه رفيق نضال مهما اختلفت الرؤى وبعدت المسافات. فمن هو مستعد للموت في مواجهة العدو الإسرائيلي يمنعه نبله على أي نحو أن يكون مستعداً لمقارعة الأشقاء وإخوة النضال.

طوال السنوات الماضية كان المرء على ثقة كاملة من أن الرجال الشجعان الذين يواجهون الصهيونية بكل عنفوانها ودمويتها أكثر حكمة من أن ينجروا إلى اقتتال داخلي، لكن الوضع الآن اختلف كثيراً.

فالطبقة السياسية التي كانت تحكم في السابق وتتمتع بالامتيازات ورغد العيش أصبحت مصالحها مهددة بوجود حماس في السلطة، ومن ثم فإنها على استعداد لفعل أي شيء في سبيل عدم استمرار هذا الوضع.

الاحتلال الإسرائيلي أيضاً صاحب المصلحة الأول في رحيل حماس، وهو الذي يحرك رجاله الذين أصبحوا لا يعتبرون ذلك عيباً ولا عاراً، فالمحتل حينما يفاوض صاحب مصلحة يسهل عليه كثيراً أن ينتزع منه التنازلات.

أما من مصلحته عودة استقلال وسيادة فلسطين وحدها فمفاوض صلب لا يعتبر نفسه يضيع فرصة إن لم يقبل الصفقات الإسرائيلية المريبة التي تعرض بين حين وآخر، وهو يؤمن أن النضال لا بد أن يقود إلى ضوء في نهاية النفق، وأنه إن اغتالته طائرات الاحتلال فهو الرابح.

وليس من قبيل الانصياع لفكرة المؤامرة أن نوقن بأن "إسرائيل" وعملاءها هم من يدبرون ما يجري من محاولات اغتيال قذرة هدفها إشعال الداخل الفلسطيني وشغله بصراعاته، فذلك يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد..

أولاً يخفف الضغط على "إسرائيل" ويتيح لها أن تتصرف من جانب واحد في عملية رسم حدود دائمة كما يتعشم أولمرت.

وثانيا يمنح هذا الاقتتال المصداقية لمزاعم سابقة مفادها أن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم.

ومن ثم فإن منحهم دولة يمثل عملاً أخرقاً.

وثالثاً يستنزف طاقة الشباب الذين هم وقود الثورة الفلسطينية ويفرغ غضبهم ضد المحتل في صراع داخلي مرير.

ورابعاً يتيح للجوار العربي (الذي يتمني لو رفعت عن كاهله أعباء تحرير فلسطين باعتباره سبباً من أسباب ضياعها) أن يجد ذريعة للتخلص من التزاماته دون لوم.

ليس من مصلحة حماس أن يحدث أي مساس بقادة عينتهم فتح في السلطة، وحالة العصيان التي يلاقيها الوزراء الحاليون من جانب الأجهزة وصغار الموظفين ليس حلها الدخول في نفق دموي.

ولا استبدال هؤلاء العصاة بآخرين يكنون الولاء لحماس. فمن الحكمة أن تتعامل حكومة حماس برفق مع الواقع القائم وتحاول تغييره بالإقناع والحوار، وتعظيم المصالح المشتركة والقناعات المشتركة بدلاً من إثارة نقاط الخلاف.

وهناك مسؤولية أخلاقية كبيرة أيضا على كاهل الرئيس أبو مازن، فهو صاحب الصدر الواسع الذي جرت في عهده الانتخابات الحرة التي صعدت بحماس إلى السلطة.

وهو من تحمل الضغوط من أجل ألا يتكرر سيناريو الجزائر في فلسطين، وليكمل معروفه عليه أن يحد من طموحات منتفعي أوسلو الصغار، ويحجم نفراً من حوله يرون أن فتح أهم من الوطن، ويعتقدون أن مصالحهم الشخصية أسمى من المصلحة العليا.

فلسطين ليست لعبة بيد أشخاص إنها حلم يحتاج إلى أناس متجردين، والتاريخ الفلسطيني لا يساوي بين منتفعين ومناضلين وهبوا حياتهم فداء، فكم رفع من أناس عاشوا حياة بسيطة إلى قمة المجد وخسف بتجار الثورة والمتسلقين، فلم يعد يتذكرهم أحد.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026