وجها لوجه وجها لوجه مع انتفاضة الشعب الفلسطيني بعد ستة عشر عاما على قيامها أبو إسحاق كاتب ومحلل فلسطيني شاءت إرادة الله تعالى أن ينتفض شعب فلسطين عام م بعد فترة من الركود وتمحور…
وجها لوجه.. مع انتفاضة الشعب الفلسطيني بعد ستة عشر عاما على قيامها
أبو إسحاق
كاتب ومحلل فلسطيني
شاءت إرادة الله تعالى أن ينتفض شعب فلسطين عام 1987 م بعد فترة من الركود وتمحور اهتمامات الواحد منهم حوله وحول دوائره الضيقة وشاءت إرادة الله أن تتعاظم هذه الانتفاضة وتأخذ أشكالا عديدة من الحجر وحتى العمليات الاستشهادية ودفع شعب فلسطين فاتورة التحرر ونيل الحقوق ولما يحصل عليها بعد وتباينت آراء الناس حول الانتفاضة بل وقد يباين رأي الشخص الواحد حول الانتفاضة من مرحلة إلى أخرى عبر مسيرة العمل من أجل التحرر ونيل الحقوق.
وفي الذكرى السادسة عشرة لانتفاضة الشعب الفلسطيني كان لا بد لنا من وقفة صريحة مع الذات نقيم أداءنا ونحسب ربحنا من خسارتنا ولا بد لنا من الإجابة على تساؤلات قد يطرحها البعض ومنها
ما الذي جنيناه من هذه الانتفاضة؟
هل نحن مقتنعون بما نصنع أم أننا نسير مع التيار دون أن يكون لنا حول أو طول ؟
هل نسير في الاتجاه الصحيح أم أننا نسير في هاوية ومنحدر والكل منا يتجمل أمام الآخر ويزايد عليه ويخجل من الاعتراف بخطئ طريقه الذي يسير فيه ؟
أسئلة كثيرة تدور حول المحاور الثلاثة الماضية قد يثيرها البعض بعفوية وصفاء وقد تكون أسئلة مطبوخة في مطابخ غريبة عن الشعب الفلسطيني وتمرد عليه لطعنه في الصميم وتقويض جهوده لاسيما ونحن نرى من المشاهد ما يجعل الحليم حيرانا، ففي ضوء تنامي الإجرام الصهيوني بحق أبناء شعبنا الفلسطيني واستمراره في بناء جدار الفصل العنصري وفي ضوء ما نراه من صمت للدول العربية حتى كأننا لسنا أمة واحدة وفي ضوء هذه الحملة المسعورة من المبادرات الهزيلة التي تقدمها أو تقبل بها أطراف فلسطينية لها وزنها الذي لا يستطيع أحد ينكره والتي كان آخرها وثيقة جنيف المشئومة والتي باركتها الجهات الرسمية الفلسطينية ورفض المجلس التشريعي شجبها بل تجاوز ذلك ليشجب من يقف في وجهها.
في ضوء هذا كله كان لابد لنا من إجابة صريحة على ثلاثة أسئلة سابقة الذكر وسأجمل هذه الإجابة بإلقاء ضوء على أربعة اتجاهات عملت الانتفاضة الفلسطينية فيها لتلخص الإجابات التي نبحث عنها
الاتجاه الأول على الصعيد الفلسطيني
لقد وضعت الانتفاضة النقاط على الحروف واتضحت مواقف الجميع فلم يعد هناك من يستطيع خداع الشعب بما يرفعه من شعارات فالواقع الفلسطيني جعل الجميع يلعب على المكشوف وهو ما غير وجهات نظر غالبية الشعب الفلسطيني في قناعاته السابقة مما قاد القضية الفلسطينية في
أ. أوقفت الانتفاضة فلول المنهزمين أصحاب المبادرات الهزيلة الذين اعتادوا تقديم تنازلات لم يكن يحلم بها الجانب الصهيوني في يوم من الأيام.
ب. وحدت قوى شعبنا حول الثوابت الفلسطينية واتضح ذلك من خلال المسيرات الحاشدة التي جابت أرجاء الضفة والقطاع تنديدا بوثيقة جنيف حيث رشقوهم بالبيض والطماطم وهو درس لكل من يفكر في مزيد من التنازلات.
ج. أعادت الانتفاضة لاسيما الأخيرة منها للمقاومة زخمها فاشتد عود فصائل المقاومة وأصبح على كل من يريد كسب الشارع الفلسطيني أن يرفع شعار المقاومة وهو مكسب للشعب الفلسطيني.
د. شارك في مقاومة الاحتلال في انتفاضة الأقصى مقاومون ممن يعملون في صفوف السلطة وممن كانوا عماد قمع المقاومة خلال الفترات الأولى من قدوم السلطة فأصبح الجميع يشعر بأنه مستهدف وأن سلامته في بقاء المقاومة مما يعني خسران السلطة لجزء كبير من قوتها التي كانت تستخدمها لتنفيذ تعهداتها بقمع المقاومة بدعوى تحقيق مكاسب سياسية.
هـ. بدأت الفصائل الفلسطينية تشعر بخطورة الحالة التي تمر بها السلطة والتي دفعتها للقبول بخارطة الطريق ولمباركة وثيقة جنيف مما يعني أنها لم تعد أمنية على ثوابت الشعب الفلسطيني بغض النظر عن العوامل التي أوصلتها إلى هذه النتيجة مما دفع بالفصائل برفض إعطاء السلطة التفويض لإدارة المفاوضات باسم الشعب الفلسطيني بل طالبت بتشكيل قيادة موحدة تمثل كافة الفصائل الفلسطينية لتكون المرجعية للمفاوض الفلسطيني في حركته التفاوضية مع الجانب الصهيوني وهو ما يعتبر من أعظم إنجازات الانتفاضة الفلسطينية ولو لم يكن للانتفاضة سوى هذا الإنجاز لعد نصرا عظيما لها على الرغم من عظم حجم التضحيات المبذولة.
الاتجاه الثاني على الصعيد العربي
فقد أثرت الانتفاضة الفلسطينية في اتجاهين-
1 على الحكومات العربية أسقطت الانتفاضة الفلسطينية أوراق التوت عن وجود جميع من كانوا يزعمون دعمهم ونصرتهم لقضية فلسطين العادلة وبدأت العروش المهترئة تهتز تحثهم وباتوا يوقنون أن زوالهم عن الحكم إنما هو مسألة وقت فقط وستقتلعهم شعوبهم لا محالة بإذن الله تعالى حتى لقد أفلتت كلمة من فم أحد هؤلاء الزعماء في مقابلة له مع القناة الثانية للتلفاز الصهيوني فقال "إنكم أيها (الإسرائيليون) بتطرفكم جعلتمونا لا نستطيع أن نفعل لكم من شعوبنا شيئا" وكأنه يقر بدوره كحارس لأمن الجانب الصهيوني فما أسر امرء سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه أو في فلتات لسانه.
2 على صعيد الشعوب العربية بدأت هذه الشعوب تصحو من سباتها وتتابع قضية فلسطين العادلة وأسهمت الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة في إبراز الوجه القبيح للصهاينة والوجه البطولي لشعب فلسطين مما جمّع قلوب الشعوب العربية حول فلسطين وأهلها وهو ما يبشر بخير فهم نار تحت رماد توشك أن تشتعل ولله أولا ثم للانتفاضة الفلسطينية أعظم الأثر في خلق هذه الروح لدى الشعوب العربية.
الاتجاه الثالث على الصعيد الأمريكي والأوروبي
وحيث أن هاتين القوتين هما الداعم الرئيس لدولة الكيان إلا أن الانتفاضة الفلسطينية دقت إسفينا بينهما وهو ما نلمسه في
1. استطلاع الرأي الذي أوضح أن الأوروبيين يرون أن إسرائيل خطر عليهم.
2. خروج تظاهرات وظهور حالات من التأييد للقضية الفلسطينية في هذه البلاد.
3. في استطلاع للرأي خلال شهر ديسمبر ذهب 43% من الأمريكيين إلى أن إسرائيل تشكل خطرا.
4. بدأت الوكالة للطاقة الذرية تطالب إسرائيل بوقف برنامجها النووي وفتح منشآتها النووية للتفتيش وهو ما لا أرى أنه كان لها أن تطرحه لولا الضوء الأخضر الذي تلقته من أمريكا والاتحاد الأوروبي مما يعني شعور هاتين القوتين بخطر السياسة الصهيونية على مصالحهما في المنطقة.
5. اتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بحرمان المنتجات من المغتصبات الصهيونية من الإعفاء الضريبي مما أدى إلى إغلاق ثلث هذه المصانع مما كرس فكرة أن الاستيطان ضرره أكثر من نفعه وهي لطمة جديدة للمشروع الصهيوني.
الاتجاه الرابع على الصعيد الصهيوني
فقد وجهت الانتفاضة الفلسطينية ضربة قاسية للأهداف الصهيونية فبدلا من أن يكون الفلسطينيون عنصرا منتجا في الدولة الصهيونية وعنصرا مستهلكا للمنتجات الصهيونية فقد تحول الشعب الفلسطيني ليصبح العامل الأهم في معادلة الصراع ومن إنجازاته في هذا السياق ما ظهر في
1. ألحق الفلسطينيون بالصهاينة من الخسائر البشرية ما لم يخسره في أي حرب مضت منذ 1948.
2. أفسدت مخططات الصهاينة القائمة على أن يموت جيل الآباء الذي هجّر من أرض عام 1948 وأن ينسى جيل الأبناء معاناتهم فيسهل حل قضيتهم ومساومتهم على أرضهم وعلى حقوقهم التاريخية في فلسطين.
3. ضربت الانتفاضة الفلسطينية النظرية الأمنية الصهيونية التي تقول بأنه كلما تقدم بنا الزمن في فلسطين ازددنا أمنا فأصبح الخوف والفزع يحدق بهم من كل جانب كلما تقدم الزمن وطال تدنيسهم لأرض فلسطين.
4. ضربت الانتفاضة الفلسطينية نظرية الجندي الذي لا يقهر والتي كان يتغنى بها الصهاينة فوجده المقاومون الفلسطينيون جبانا لا يقوى على المواجهة مع أشبال المقاومة فقاموا بخطفه كما فعلت حماس مع آفي ساسبورتس وإيلان سعدون ونخشون فاكسمان وقاموا بقتله وسلب سلاحه بل أخذ صور وهم يدوسون الجندي الصهيوني بأقدامهم كما فعل الشهيد عماد عقل في حي الزيتون بغزة وحتى وزراءهم لم يسلموا فقامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقتل الوزير الصهيوني زئيفي ولم يسلم رجال وضباط مخابراتهم فقد قتل الفلسطينيون العديد منهم مما جعل العديد منهم يهرب من ساحات الخدمة العسكرية ويفضل أن يحاكم ويسجن على المشاركة فيها.
5. ضربت الانتفاضة الاقتصاد الصهيوني وقطاع السياحة فأغلقت آلاف الشركات أبوابها وبدأ الشعب بالصهيوني يصرخ من البطالة وسوء الحال مما يعني ضرب نظرية صمودهم على أرض فلسطين.
6. العديد من تصريحات الصهاينة شخصت الحالة بوضوح كامل ومنها
أ. الوزير الصهيوني أورليف "سياسة الحكومة قد تؤدي إلى الهجرة من البلاد".
ب. وزير صهيوني آخر يقول "مكانة تل أبيب في العالم بدأت تتضعضع يوما بعد يوم".
ج. بيرس "أهدرنا خمسة وعشرين عاما بسبب الحلم الكاذب أرض إسرائيل الكاملة".
د. نتائج مؤتمر هرتسيليا الصهيوني "أعلن فيه شارون عن نيته فك الارتباط مع الفلسطينيين من جانب واحد مما يعني فشله في الحصول على من يضمن له أمنه كما كان يحلم ومن يتنازل له عن حقوق الشعب الفلسطيني بشكل رسمي".
وختاما وفي ضوء ما سبق يتضح لنا أن دماء وتضحيات أبناء فلسطين لم تذهب هدرا وأن انتفاضتهم حققت من الأهداف ما لم يكن يتوقعه أحد لولا لطف الله وتوفيقه لهم ولا يسعني ختاما إلا أن أهنئ نفسي كفلسطيني وجميع أبناء شعبي الصابر في الذكرى السادسة عشر لانتفاضته المجيدة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع