مع كل خامس عشر من أيار في كل عام سيتذكر الفلسطينيون والعرب والمسلمون ذلك اليوم من عام الذي أعلن فيه قيام الدولة العبرية ومن ثم وقوع النكبة بتهجير حوالي ألف فلسطيني بالقوة بعد حرب…
مع كل خامس عشر من أيار في كل عام سيتذكر الفلسطينيون والعرب والمسلمون ذلك اليوم من عام 1948 الذي أعلن فيه قيام الدولة العبرية، ومن ثم وقوع النكبة بتهجير حوالي 900 ألف فلسطيني بالقوة، بعد حرب دامت حتى توقيع الهدنة في 1949، من أراضيهم وقراهم ومدنهم التي تم الاستيلاء عليها مزروعة، مشادة، مفروشة. وأسكن فيها مكانهم مئات الألوف من المهاجرين اليهود الذين تدفقوا من أوطانهم من كثير من بقاع الأرض، لا سيما أوروبا الشرقية وروسيا، فضلاً عن مؤامرة تهجير اليهود من عدد من البلدان العربية التي استضافتهم ومنحتهم مواطنيتها.
في الخامس عشر من مايو 1948 أعلن بن جوريون باسم الوكالة اليهودية عن قيام الدولة مستنداً إلى القرار رقم 181 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1947، وقد سمي «قرار» وهو توصية. بل لم يكن من حق الجمعية العامة، وفقاً لميثاق هيئة الأمم المتحدة، وللقوانين الدولية، أن تقرر مصير فلسطين لأن ذلك الميثاق وتلك القوانين يعطيان الشعوب الأصلية وحدها حق تقرير مصيرها ومصير بلادها عند رحيل الاستعمار عنها.
ولهذا فإن استناد الدولة العبرية في إعلان قيام الدولة على «شرعية» أعطاها إياها وأقرها لها القرار 181 المذكور، يكون باطلاً استند إلى باطل، ولا مجال لمناقشة هذه الحقيقة من زاوية القانون الدولي الذي عاد وأكدها في عام 1969، حيث حصر حق تقرير المصير بالشعوب الأصلية وحدها ولم يعترف بأي تغيير في وضع البلاد عما كان عليه يوم احتلاله من قبل الدول الاستعمارية. وقد أعطت هذه الاتفاقية الدولية لعام 1969 لقانونها الصفة الرجعية. أي بما يشمل كل فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.
ولكن بالرغم من هذا الاستناد الزائف إلى «شرعية» زائفة فإن الدولة العبرية وحكوماتها المتعاقبة، لم تعترفا حتى اليوم بقرار التقسيم، وإنما استندتا إلى الجزء المتعلق بإقامة دولة يهودية في فلسطين منه فقط لأن الاعتراف به كان يعني اعترافاً بحدود الدولة، إذ حددها على الخريطة وبنسبة 54% من فلسطين. وترك القدس كلها «الغربية والشرقية» دولية، والباقي لدولة عربية فلسطينية.
ولهذا يخطئ من يظن أن القيادات الصهيونية ومن بعدها حكومات الدولة العبرية «أو كنستاتها» «البرلمان» اعترفوا بقرار التقسيم، وقد جر هذا الخطأ إلى خطأ، أشد وأنكى، يقول إنه «كان على الفلسطينيين والعرب الاعتراف بقرار التقسيم. لأنهم لو فعلوا ما حدث التهجير ولا استيلاء على الأرض وكانت هنالك دولة فلسطينية منذ 1948م.
وكانت حجة أصحاب هذا الرأي مستندة إلى نتائج ما حدث من حرب وصراع حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وهكذا بكل بساطة يحكم على أخطر مرحلة في التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث، فنصبح نحن الملومين، ونحن المذنبين، أو نحن الأغبياء الذين لا يعرفون «سياسة خذ وطالب»، ولا «فن الممكن» «تعريف سطحي للسياسة لأن السياسة فن تغيير الواقع وموازين القوى في الأغلب».
هؤلاء مازالوا يكررون هذا الرأي ويعتبرونه مسلمة. ثم يبنون عليها سياسة أن نأخذ ما «يعرض» علينا الآن، مهما يكن لئلاً نكرر الخطأ «الخطيئة» مرة أخرى. وهو أمر يدل على جهل لا حدود له في فهمهم لقرار التقسيم، أولاً، ولأهداف المشروع الصهيوني ثانياً، ولموازين القوى العسكرية والسياسية في حينه ثالثاً.
ومن يدقق في قرار التقسيم يلحظ أن أكثر من 48% من سكان القسم الذي أعطى للدولة العبرية هم من العرب مسلمين ومسيحيين، وأن أكثر من 90% من الأرض والعقار هو للأفراد العرب، إما ملكية فردية أو مشاع للقرى وما شابه. الأمر الذي يعني استحالة إقامة دولة "إسرائيل" فوق. هكذا معادلة فلا أرض من تحتها لها ولا مدن ولا قرى، ولا الأغلبية السكانية في بضع سنين، ومهما تعاظمت الهجرة ستكون لها، إنهم يضيقون حتى الاختناق بمن تبقى من العرب تحت الدولة العبرية.. مناطق 48، ويسعون الآن بكل سبيل لتهجيرهم وهم أقل من 20%، فكيف يتصور عاقل أن إقامة دولة "إسرائيل" كانت ممكنة ضمن تلك الشروط، وهذا ما كان يعرفه الذين صاغوا قرار التقسيم وأصدروه.
باختصار كان قرار التقسيم مجرد عتبة لإعطاء «شرعية» إعلان قيام الدولة ليس أكثر، وبالتأكيد لم يقصد منه التنفيذ. وما كان من الممكن إلا أن يسقط قبل أن يغادر آخر جندي بريطاني في 14 مايو 1948م أرض فلسطين.
ثم ثانياً من هذا الذي يعرف شيئاً عن المشروع الصهيوني والاستراتيجية الصهيونية والعقلية الصهيونية كان يمكنه أن يتصور قبول الوكالة اليهودية بتنفيذه، ولو ليوم واحد؟. فهذا الجهل مازال يتكرر حتى يومنا الذي نرى فيه الآن ما يحدث في فلسطين، حيث وضعت كل أوهام اتفاق أوسلو في الأدراج الآن. وتبين أن ما في جعبة المشروع الصهيوني يتعدى ذلك الاتفاق أشواطاً. وقد كتب المفاوض الإسرائيلي نصه، كما أعلن بيريز.
أما النقطة الثالثة الحاسمة فهي تمتع جيش الهاغناه، في ذلك الوقت بتفوق عسكري كاسح، في العدة والسلاح والعدد والإعداد المتواصل، ليس على الفلسطينيين المجردين من السلاح فحسب، وإنما أيضاً على «الجيوش» العربية التي دخلت بعد 15 أيار إلى فلسطين، النسبة كانت أكثر من 1-3 في مصلحة جيش الهاغناه عديداً، وأكثر من 1-50 سلاحاً ثم أضف التأييد والدعم الدوليين بعد انضمام الاتحاد السوفييتي إلى بريطانيا وأمريكا وفرنسا «والغرب» في تعزيز قوة الكيان الإسرائيلي، ثم أضف الحال العربية المجزأة والمكبلة بالمعاهدات والهيمنة البريطانية - الفرنسية، فضلاً عمن كانوا يرزحون عام 1948/1949 تحت الاستعمار المباشر.
فإذن كانت معادلة ميزان القوى على هذه الصورة فأي عاقل يستطيع أن يردد القول «لو وافق الفلسطينيون والعرب على التقسيم لنفذ. فالذي يقول ذلك لا يعرف شيئاً عن قرار التقسيم والمقصد منه، ولا عن المشروع الصهيوني واستراتيجيته، ولا عن موازين القوى وفعلها في تنفيذ القرارات.
وبكلمة؛ لو اعترف الفلسطينيون والعرب بقرار التقسيم لما نالوه ولما نفذ، ولحدث أسوأ مما حدث الآن... فجيش الهاغناه كان سيفتعل أي مشكل ليشعل الحرب، ويبدأ بحرب «التنظيف» لأن دولته لا تقوم إلا على أرض بلا سكانها، بل ومصادرتها. ومن ثم لا يكونون قد فعلوا غير إعطاء شرعية لقيام دولة "إسرائيل" وبالمجان لأن الفلسطينيين وحدهم من يملكون حق إعطاء تلك الشرعية إن تنازلوا عن حقوقهم فيها.