يصعب علينا أن نفهم هذا الاحتفال الكبير الذي أبدته قوات الأمن الفلسطينية والرئيس محمود عباس بقضية ضبط السيد سامي أبو زهري أحد المسئولين في حركة المقاومة الإسلامية حماس متلبسا بحمل…
يصعب علينا أن نفهم هذا الاحتفال الكبير الذي أبدته قوات الأمن الفلسطينية والرئيس محمود عباس بقضية ضبط السيد سامي أبو زهري أحد المسئولين في حركة المقاومة الإسلامية حماس متلبسا بحمل 600 ألف يورو كانت ستذهب إلى أسر الأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
فالسيد أبو زهري لم يضبط وبحوزته أطنان من الكوكايين أو الهيرويين حاول تهريبها إلى قطاع غزة للتربح من المدمنين أو الخارجين على القانون، حتى يأمر السيد عباس المدعي العام الفلسطيني بالتحقيق معه، الرجل كان يحمل أموالا جمعها بشكل قانوني كتبرعات من جمعيات عربية تريد دعم صمود الشعب العربي الفلسطيني المسلم في مواجهة الحصار التجويعي الخانق الذي يعيشه حاليا بأوامر أمريكية - إسرائيلية وتواطؤ بعض بقايا سلطة الفساد.
ولو افترضنا أن المدعي العام الفلسطيني حقق مع السيد أبو زهري، واكتشف أنه كان بصدد تهريب هذه الأموال لدفعها إلى أسر الأسرى، فهل سيعتبره مجرما يستحق أن يذهب إلى السجن، أم هل سيقدمه الرئيس عباس إلى محكمة عسكرية تصدر حكما بإدانته بتهمة الخيانة العظمى وبإعدامه شنقاً؟
يطالب رجال حرس عباس الجمهوري (أين هي الجمهورية حتى يكون لها حرس) المخول بأمن المعابر السيد أبو زهري أن يقدم أوراقاً ثبوتية حول مصدر هذه الأموال. سبحان الله، فهل تتاجر حماس بالمخدرات، أو بالسلاح، أم أنها حصلت على هذه الأموال من تنظيم القاعدة؟
عشرات الملايين من الدولارات تتدفق على مكتب السيد عباس ووزارته البديلة من الولايات المتحدة وأوروبا، لدفع مرتبات القطط السمان وتمويل وتسليح قوات الميليشيات الرئاسية التي يعكف على تشكيلها لكي تتولى في المستقبل القريب التصدي لفصائل المقاومة، ونزع سلاحها، فطالما أن الملايين تتدفق على مكتب الرئاسة لتنفيذ إملاءات أمريكية فهي شرعية، أما التبرعات التي يحملها السيد أبو زهري لإطعام أطفال الأسرى الجوعى فهي غير شرعية تستحق التحقيق لمعرفة مصدرها، وتجريم من حملها.
أموال السيد أبو زهري أموال حلال جمعها الكادحون الفقراء من فلسطينيين وعرب ومسلمين لنصرة إخوانهم في فلسطين، وتوفير الدواء لمرضاهم والغذاء لجوعاهم، بعد أن أغلقت المستشفيات أبوابها في وجه المحتاجين إلى عنايتها جراء الحصار وتهريبها هو عملية فدائية جهادية، مثلها مثل كل العمليات الاستشهادية الأخرى.
السيد عباس، وقوات الأمن الفلسطينية التابعة له، يشاركان عمليا في الحصار وتجويع الشعب الفلسطيني بمنعهم مرور هذه الأموال أولا، وبالاحتفاء بضبطها بطريقة طفولية مخجلة تسيء إلى الشعب الفلسطيني، مثلما تسيء إلى حركة فتح المناضلة التي قدمت آلاف الشهداء دفاعا عن الحق الفلسطيني.
تهريب الأموال إلى المحاصرين المجوعين في الأراضي العربية المحتلة هو أحد أنواع المقاومة، وضبطها ومصادرتها بالطريقة التي شاهدناها هما أبشع أنواع التآمر لإطالة أمد الحصار، وإحداث فتنة في أوساط الشعب الفلسطيني تقود إلى الحرب الأهلية التي تمناها شارون.
نحن لا نطالب بخرق القانون، ولكننا نطالب باحترامه، وقبل هذا وذاك، بوجوده، وقطاع غزة ليس سويسرا، ولا هو السويد، وحمل الأموال إلى قطاع غزة في ظل إحجام البنوك عن تحويل أموال بالطرق الرسمية رضوخا للإرهاب الأمريكي الممارس عليها لا يمكن أن يكون جريمة، بل هو قمة المشروعية.
إن اكتشاف هذه الأموال وتباهي أجهزة المعبر الأمنية التابعة للرئيس عباس وحرسه الرئاسي بالعثور على تفاحة أرشميدس، يصبان في مصلحة حماس ويؤكدان مدى تبعية الرئاسة للولايات المتحدة وأوروبا وتورطها في مؤامرة الحصار المفروض حاليا على الشعب الفلسطيني.
تهديد المراقبين الأوروبيين بالمغادرة، وترك المعبر إذا لم تصادر هذه الأموال يؤكد أيضا أن وجودهم هو أبشع أنواع الوصاية على الشعب الفلسطيني، مثلما هو إحدى أدوات خنقه وتجويعه.
الرئيس عباس لا يتصرف كرئيس للشعب الفلسطيني الذي انتخبه، وإنما كرئيس منتخب من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، يرضخ بالكامل لإملاءاتهما حتى لو صبت في محصلة تجويع شعبه وإشعال فتيل الحرب الأهلية.
فرق شاسع بين السيد عباس عندما كان مسؤولا عن مالية حركة فتح ومشرفا على تهريب الأموال إلى المقاتلين الصامدين في الأرض المحتلة، وممولا للعمليات الفدائية ضد أهداف إسرائيلية خارجها، وبين الرئيس عباس الذي يتباهي بمنع وصول أموال الزكاة الطاهرة إلى الأسرى وأسرهم الذين يتضورون جوعاً.
لا نريد من السيد عباس أن يكون تشي غيفارا، ولا حتى أبي ذر الغفاري ولكننا نريده أن لا يكون أقل وطنية من وولفونسون مبعوث اللجنة الرباعية إلى فلسطين، رئيس البنك الدولي السابق اليهودي الديانة، الذي استقال من منصبه وقفل عائداً إلى بلاده احتجاجا على سياسات أمريكا والاتحاد الأوروبي في فرض الحصار المالي على الشعب الفلسطيني لعقابه على اختياره الديمقراطي.
إن مثل هذه الممارسات لا يمكن إلا أن تكون مقدمة لحمامات دم فلسطينية ـ فلسطينية، وهو أمر نجح الشعب الفلسطيني في تجنبه على مدى الخمسين عاما الماضية من نضاله. ومن المؤلم أن هناك من لا يريد أن يرى ما هو أبعد من الأنف الأمريكي.