الترابط العضوي بين الفساد والتسوية

الترابط العضوي بين الفساد والتسوية

إبراهيم أبو الهيجاء
2006-05-19

في ضوء حجم التآمر الأميركي و الإسرائيلي المعيق بقوة لأي تحريك لعجلات الحكومة الفلسطينية وبالنظر لحجم المعقيات الداخلية التي تستهدف النيل من شرعية الحكومة المنتخبة وتقويض أسس…

في ضوء حجم التآمر الأميركي و(الإسرائيلي) المعيق بقوة لأي تحريك لعجلات الحكومة الفلسطينية ، وبالنظر لحجم المعقيات الداخلية التي تستهدف النيل من شرعية الحكومة المنتخبة وتقويض أسس بنائها وسحب صلاحياتها وإبقائها هيكل لا حول له ولا قوة .. تبرز عندنا الحاجة لاستدعاء الترابط الشديد مابين الفساد الفلسطيني والتسوية السياسية " أوسلو " فلقد كشف فوز " حماس " مدى السخط الشعبي على معطيات هذا الفساد واحتكاراته ، ثم كشف تولي " حماس " المسئولية القانونية لقيادة الحكومة الفلسطينية جذرية الفساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية، والآلية الكارثية التي كان يدار فيها اقتصاد البلد وماله ، ثم كشف التآمر الخارجي على الحكومة حجم النفاق الدولي الذي يريد حكومة على مقاساته وتحت سقوفه المتنكرة للحقوق الفلسطينية والحامية فقط لإسرائيل وتامين وجوده بغض النظر حجم الجدار الذي يشطر ما تبقى من الأرض الفلسطينية إلى أرباع .. وبغض النظر عن حجم التهويد في القدس والعدوان على الأرض والإنسان ..بالمقابل كشف التآمر الداخلي على الحكومة الفلسطينية حجم ارتباط هذا النفاق الدولي وتلك التسوية الهزيلة مع المستفيدين من غنائم هذه التسوية من مال ونفوذ وليس بالضرورة من حقوق .

لقد كشف حصار حكومة " حماس " أن أوسلو لم يكن اتفاق انتقالي يمكن تغييره والتعديل عليه ، أو إن مخاطره تقتصر على حقوق فلسطينية هنا أو هناك ... يمكننا القول بكل أسف ومرارة إن (اسرائيل) والولايات المتحدة استطاعت أن تحول اوسلو من اتفاق سياسي انتقالي إلى ارتباط سياسي واقتصادي نهائي، ولذا فإنهم لايخجلون من مساومة الشعب الفلسطيني على لقمة عيشه لقاء تخليه عن قناعاته وكرامته بعد أن احكموا الحصار عليه ولم يبقى للشعب الفلسطيني من منفذ اقتصادي أو سياسي إلا وطوق به، من أجل أن يكون رضوخه مضموناً واستسلامه مؤكداً ، ولضمان الإسناد الداخلي فقد أغدق المال الأميركي والأوروبي على أسماء ومسميات فلسطينية أوهمت ذاتها وشعبها أن منافعها الذاتية هي مصلحة وطنية، وأن مشروع التسوية هو بالضرورة واقع لايمكن الخلاص منه، وان معطيات القوة (الإسرائيلية) نافذة ومكونات الضعف الفلسطيني مهما حاولت فهي فاشلة .

لقد ترسخ خلال أكثر من عشر سنوات منهجية متأصلة كرست تحالف المال الأميركي الملوث مع الفساد الفلسطيني المغلّف بشعارات الوطن والتحرير.. لذا فان قدوم " حماس " في هذا الزمن تهديد شخصي لكل فرد رأى أن في مصادرة صلاحياته وسحب امتيازاته تهديد شخصي يتطلب الدفاع والمدافعة حتى ولو كان ذلك على حساب الدم الفلسطيني.. وبالمقابل لا يمكن الاستهانة بحجم استئصال الفساد الفلسطيني كما لا يمكننا الادعاء أن مكونات الداخل الفلسطيني يمكنها أن تعمل بمعزل عن معاول الهدم الخارجية.. ولذا فإن كل المظاهر التي تجري في الشارع الفلسطيني مثل كرة الثلج المتدحرجة كلما تمسكت حماس ببرنامجها وتقدمت أكثر نحو ملفات ومواقع الفساد اشتدت الأزمة عليها.

والإستراتيجية هنا أي ضد حكومة حماس لا تأخذ شكلاً واحداً في منع المال أو سحب الصلاحيات أو تفعيل البلطجات.. كل ما يجري يكاد يكون ساحة مكشوفة عنوانها الحوار والوحدة واحترام الشرعية الفلسطينية والحديث عن انتخابات نزيهة ومساعدات إنسانية، وواقعها حرب ضروس في كل المواقع.. إعلاميا التشويه مدروس ومفبرك يستهدف تارة شق الحركة وتارة إشغال الحكومة بالردود وتارة تحريض المجتمع الفلسطيني للثورة لدرجة أن الصحف الفلسطيني لم تخجل أن تنشر لوزير اقتصاد سابق صفحتين كاملتين ليرد على تقرير صغير أو تصريح هنا أو هناك، واقتصاديا يأتي وزير الخزانة الأميركية ليلتقي مع شخصيات وصفات فلسطينية ليحدد آليات الحرب على حماس، وسياسياً يجري تهديد الحكومة وتحذيرها مع بعض الدول العربية للرضوخ للإرادة الأميركية، وتحت واقع الضغط يزيد من الطين بلة أن يصبح حتى بعض الحريصين يجهد ذاته بالتفكير بحل يخرج "حماس" من ورطتها فيظن الأول أن الخلاص بالمبادرة العربية وثاني أن الخلاص بالاعتراف بوثيقة الاستقلال وثالث يقول لا باس في القرارات الدولية.. تزداد الأفكار الإبداعية مع تزايد الضغوط ويزداد الغرق بالتفاصيل مع مرور الوقت .. وأحيانا ننسى العناوين الرئيسة المولدة لهذه الهوامش الضيقة.

برأيي لا بديل عن الصمود، والتحسينات اللغوية لن تفيد المتلعثمين بالتعبير عن مبادئهم.. ووجود حماس لم يصنع أزمة بل إن الأزمة جرى صناعتها وتصديرها في وجه "حماس ".. فاتفاق "أوسلو" لم يكن يوماً صناعة "حمساوية" فلطالما دفعت أثمانا لقاء الوقوف بوجهه.. واتفاقية "باريس" وليد "اوسلو" المسؤول الرئيس عن الأزمة المالية لم يكن هو الآخر صناعة "حمساوية".. وتغلل الفساد الفلسطيني لم يكن صناعة "حمساوية".. والسماح للمال الخارجي أن يتحكم بالقرار الفلسطيني لم يكن البتة صناعة "حمساوية".. ولذا السلطة في معادلات كل ذلك لم تكن سوى عثرة في وجه مشروع التحرير الذي تقوده " حماس "، وتحت إلحاح المجتمع وتضخم الفساد والفلتان، كان لابد من المخاطرة وإصلاح ما يمكن إصلاحه.. ولذا تبقى السلطة في إطار كل ذلك لدى "حماس" وسيلة وليست غاية.. وفي سبيل الغاية تهون الوسيلة.. ولذا لا يمكن أن يكون المخرج بحال التضحية بالغاية من اجل الوسيلة، والذين ينصحون "حماس" بأن تتنازل عن السلطة إنما يقولون لها أن تعلن فشلها وإسقاط نموذجها بالبناء تمهيدا لضرب نجاحها الجزئي بالتحرير، مع إبقاء الفساد وواقع التسوية المذلة يتحكم برقابنا.. أما الذين يهمسون في أذن "حماس" فيزيّنون لها الاعتراف بـ (إسرائيل) أو تمييع ثوابتها إنما يطلبون منها الانتحار والتضحية بذاتها من أجل أزمة مفتعلة و"حماس " هنا وفي كلا الحالين خاسرة لأن تمييع ثباتها لن يجر (إسرائيل) للاعتراف بسلطتها، ولأنه بالضرورة إفشال لمستقبلها.. وبين هذا وذاك الفلسطينيون منقسمون بين صابر محتسب وهم قلة وبين متململ ومضجر  وهم كثرة لان إيقاع الجوع والفقر أكثر رنيناً.. ولكن على الرغم من كل ذلك فإن "حماس" رابحة بتماسكها وتمسكها بثوابتها على الرغم من حجم الضغوط والتحديات التي قد تخدع الكثير من الناس.. وبدون شك فإن ما أفسد على مدار العشرة سنوات لايمكن إصلاحه في بضع أشهر .. على "حماس" أن تدرك ذلك فتتواضع في إمكانياتها وقدراتها بكشف المسؤولين عن إفشالها.. وعلى المجتمع الفلسطيني تحمل ذلك تصليبا لموقف "حماس"  لأن المساومة التي تجري كبيرة و تستهدف فرض (إسرائيل) لحلولها ومنطقها وتحقيق الاستسلام العربي والإسلامي من البوابة الفلسطينية.. وبحجم التضحية المطلوبة شعبيا يجب أن نستشعر معه الوزن الإيماني والسياسي للقضية الفلسطينية.

ومع ثبات "حماس " يعايش المجتمع الفلسطيني أزمة في طعامه وحليب أطفاله هذا صحيح.. ولكن كل هذا لا يجب أن يجعلنا نقارن حقبة القرش الحلال الذي يوصلنا إلى الكرامة والحقوق مع قرش ملوث خادع أتى على حساب انتهاك حقوقنا والدوس على كرامتنا.. ونحن هنا لا نقلل من حجم الأزمة ولا مخاطرها ولكن يجب أن نوضح للناس بدائلها وآفاقها ليكون جوعهم وصبر أطفالهم في إطاره الكلي وليس مضبوطا في حاجاته الآنية.

لا بديل بكل الأحوال من انتظار الوقت والصبر فمع كل يوم يمر يخسر الآخرون ويربح الفلسطينيون، ويتجلى للفلسطينيين مدى الخداع الذي كانوا يعايشونه.. ومدى التحيز الدولي على قضيتهم.. ومدى العدوان الصهيوني على إنسانيتهم.. ومدى تغلل الفساد وارتباطه بالتسوية في واقعهم.. وكل ذلك مفيد في تجلياته، وإن كان مراً علقماً في ظاهره.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026