فلسطين الأفق المفتوح

فلسطين الأفق المفتوح

عبدالباري طاهر
2006-05-14

صحيفة البيان الإماراتية لا ينبغي التقليل من أهمية الكفاح الفلسطيني على مدى أكثر من نصف قرن ابتداء بثورة عز الدين القسام مرورا بظهور المقاومة بألوانها المختلفة بعد هزيمة وصولا…

 

صحيفة البيان الإماراتية

لا ينبغي التقليل من أهمية الكفاح الفلسطيني على مدى أكثر من نصف قرن. ابتداء بثورة عز الدين القسام مروراً بظهور المقاومة بألوانها المختلفة بعد هزيمة 67 وصولاً إلى الانتفاضتين 1987 و2000 بعد اجتياح شارون للمسجد الأقصى.

كان من ثمار الانتفاضة الأولى الاعتراف الإسرائيلي والأميركي بمنظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وتوقيع اتفاقيات مدريد وأوسلو، وبالتالي عودة القيادة الفلسطينية للداخل، وبناء السلطة الفلسطينية. كانت العودة والسلطة ثمرة مباشرة لانتفاضة الحجر الفلسطيني. 

أما الثانية 2000 فقد جوبهت بحرب إسرائيلية شاملة الاجتياحات شبه اليومية والاغتيالات، وتهديم المساكن على رؤوس أهلها، وتجريف التربة، وقلع الأشجار المثمرة وصولاً إلى إقامة جدار الفصل العنصري. كانت الانتفاضتان رهاناً فلسطينياً عبقرياً وقد أثمرتا خيار السلام والديمقراطية.

وفي حين لم تحترم "إسرائيل" خيار السلام، وواصل صقور العمل والليكود حرب الإبادة ضد الفلسطينيين فقد انساقت بعض الأطراف الفلسطينية إلى العمليات الانتحارية ضد أهداف مدنية إسرائيلية مما ألب قسماً من الرأي العام الغربي المعبأ ضد الفلسطينيين.

وجاءت أحداث الـ 11 من سبتمبر ليتماهى الموقف الأميركي مع الإسرائيلي وإلى حد ما الأوروبي تحت شعار «محاربة الإرهاب». وكان الزعيم الفلسطيني الشهيد أبو عمار أكثر إدراكاً للتبدلات في النظام الدولي وأثره على القضية الفلسطينية، ورغم إدراكه واعتداله إلا انه قتل مسموماً ومحاصراً ومخذولاً بالموقف العربي العام.

تدرك الدولة الإسرائيلية أن تصفية القضية الفلسطينية بالسلاح هو المستحيل عينه، وهو النهج الذي سارت عليه الحكومات المتعاقبة منذ 48. لقد قهر السلاح الإسرائيلي جيوش ثلاث دول عربية في حربين، ولكنه عجز عن قهر الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأدرك الإسرائيليون خطورة المواجهة في الثانية، والالتجاء إلى جدار الفصل العنصري تعبير في جانب مهم عن هذا الإدراك.

رهان "إسرائيل" يتجه الآن إلى النكوص عن السلام كلية، والمضي في الحل الانفرادي، وإدانة الفلسطينيين ووصمهم بالإرهاب، وتشديد القبضة الحديدية والحصار عليهم، وعزلهم عن المجتمع الدولي وعما حولهم، وفرض الاستسلام على المنطقة كلها.

والإجراءات الإسرائيلية تسابق الزمن لأنها تدرك إنما يجري في العراق ينعكس مباشرة على مستقبل الاحتلال. فهزيمة السيد الأميركي وتابعه البريطاني في العراق يعني فيما يعني استحالة المضي في تسيد "إسرائيل" على المنطقة العربية.

لقد كانت الانتخابات الفلسطينية بشفافيتها ونزاهتها والمشاركة الحية فيها شاهد كذب وزيف دعاوى "إسرائيل" والعقول الاستعمارية في أن الاستبداد خلق وطبيعة عربية.

وكسرت الانتخابات دعاوى «الديمقراطية الإسرائيلية في غابة التوحش العربي» إن ميزة الديمقراطية الفلسطينية ابتداء من انتخابات «أبو عمار» مروراً بانتخاب محمود عباس وصولاً إلى الانتخابات النيابية العامة إنها كلها قد جرت مراغمة للاحتلال وتحت قصف الصواريخ والدبابات والآليات الإسرائيلية والحصار المدمر.

إن كعب أخيل في الموقف الإسرائيلي هو الرهان بأكثر من اللازم على قوتها الجبارة، بينما نقطة الضعف في الجانب الفلسطيني هو «التنازع» الداخلي، وتفشي الفساد في جهاز السلطة الفلسطينية، ووجود اتجاهات مغامرة لا تميز بين الكفاح الوطني الحق والمشروع وبين تحديد ظروف ممارسته.

فالكفاح المسلح وإن كان حقاً مشروعاً لكنه يقتضي وحدة الإرادة من حوله. وألا يكون نقطة تصارع وخلاف داخلي. والاهم ألا يتجه إلى المدنيين وإلا تحول الضحية إلى جلاد. التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين «هو وحدة الإرادة» والتوافق على بناء حكومة وحدة وطنية.

أليس مفارقة عجيبة أن تؤسس دولة "إسرائيل" «المنتصرة» حكومة وحدة وطنية تضم الوسط واليمين واليسار؟! بينما يعجز الفلسطينيون المحتلة أرضهم والمحاصرون بالوضع الدولي والمهددون بالتجويع والإبادة، والمخذولون بجوارهم العربي عن بناء وحدة وطنية حقيقية.

إن التخلي عن قتل المدنيين الإسرائيليين، ورفض إشهار السلاح في وجه المدنيين الفلسطينيين، ونقد الماضي، والقبول قولاً وفعلاً بنتائج الانتخابات والتوافق على مشترك يعبر عن روح العصر هو الأفق المفتوح للانتصار الفلسطيني.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026