أثناء التحضير الأميركي للمفاوضات العربية الإسرائيلية في مدريد في العام صرح وزير الخارجية الأميركية في ذلك الوقت جميس بيكر أن الولايات المتحدة تسعى لأن تملك المفاوضات آلية لا…
*
أثناء التحضير الأميركي للمفاوضات العربية - الإسرائيلية في مدريد في العام 1991 صرح وزير الخارجية الأميركية في ذلك الوقت جميس بيكر، أن الولايات المتحدة تسعى لأن تملك المفاوضات آلية لا تسمح لأحد الأطراف بالانسحاب منها. ويبدو أن هذا الربط هو الذي دفع الجميع إلى عدم إعلان الانسحاب من المفاوضات رغم توقفها فعلياً منذ سنوات، فلا أعلنت ذلك "إسرائيل"، ولا الأطراف العربية الشريكة في المفاوضات الثنائية. ويبدو أن الربط المحكم للأطراف في العملية التفاوضية قد فشل، مع ادعاء الجميع بأنهم ما زالوا يسعون لتحقيق السلام. ولكن الطرف الفلسطيني، وهو الطرف الضعيف في المعادلة، تم وضعه في ظل قيود شديدة تحت عنوان المساهمة في "دعم عملية السلام"، حيث ربط بشبكة من العلاقات الضاغطة التي أخذت تظهر كارثيتها مع الحصار المفروض على الفلسطينيين اليوم.
لم تكتف الأطراف الراعية لعملية المفاوضات بالاشتراطات السياسية التي أملتها على الطرف الفلسطيني لدخوله عملية المفاوضات، بل وكبلته أيضاً بجملة من الشروط الاقتصادية عبر "اتفاق باريس"، الذي يسمح لإسرائيل بتقاضي عائدات الجمارك وتحويلها إلى السلطة الفلسطينية، والسيطرة على الغلاف الجمركي الفلسطيني ضمن الغلاف الجمركي الإسرائيلي. وهو أعطى "إسرائيل" السيطرة على هذه العائدات الفلسطينية بوصفها العائدات الفلسطينية الأهم التي تأتي إلى خزينة السلطة. ولم تتأخر "إسرائيل" في وقف تحويل هذه العائدات، عندما اعتبرت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات "ليس ذا صلة".
واليوم مع حكومة حركة "حماس" تعود إلى ذات الممارسة، وإذا كان "اتفاق باريس"، قد سلط "إسرائيل" على الاقتصاد الفلسطيني من جانب، فإن صيغة المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية، ضمن رعاية عملية السلام جعلت كل الوضع الاقتصادي الفلسطيني مرهوناً لاعتبارات خارجية، واليوم تظهر بوضوح فداحة هذه القيود والشروط التي تم فرضها على الوضع الفلسطيني. بل أكثر من ذلك، فإن وقف المساعدات وحجز العائدات لم يكفيا لحصار الفلسطينيين، بل تقوم الولايات المتحدة بالضغط على البنوك من أجل عدم تحويل الأموال إلى الداخل الفلسطيني، وهي الأموال التي جمعت من مصادر أخرى عربية وإسلامية وشعبية. واليوم نرى الاستخدام البشع لآليات الربط الاقتصادي واستغلالها بطريقة لا أخلاقية، للتأثير على الخيارات السياسية للفلسطينيين. فالسياسة المتبعة اليوم في مواجهة حركة "حماس" وحصارها، لا تدفع الحركة ثمنها، بقدر ما يدفع الشعب الفلسطيني هذا الثمن، وبالتأكيد ليس كل الشعب الفلسطيني حركة "حماس". بل على العكس، ومن مفارقات الوضع الفلسطيني القائم اليوم في الأراضي الفلسطينية، أن العاملين في إطار حركة "حماس" وحركة "فتح" وباقي الفصائل الفلسطينية، لم يؤثر الحصار على رواتبهم، بل أثر على رواتب الموظفين غير المنتمين إلى الفصائل، وبالتالي من حق كل فلسطيني أن يستنتج بالملموس، أنه عوقب على خياره الديموقراطي.
توقفت رواتب موظفي السلطة الفلسطينية للشهر الثالث على التوالي، ولم يحصل حوالي 150 ألف فلسطيني من العاملين في السلطة الفلسطينية على رواتبهم، وهؤلاء العاملون في السلطة يعيلون أكثر من مليون شخص في غزة والضفة الغربية. وهو ما يعني فقدان ما يقارب ثلث الفلسطينيين لدخلهم، ويمكننا أن نتصور حجم الكارثة، إذا عرفنا، أن جزءاً كبيراً من الثلثين الباقيين يعيشون على إنفاق هذا الثلث.
لا شك بأنه من غير الأخلاقي وغير المجدي عملياً التلاعب بقوت الناس من خلال ربطهم بآلية لوظائف سياسية، ومن ثم التلاعب بهذه الآلية لأسباب سياسية في الوقت الذي تم ربط ضرورات حياتهم بهذه الآلية. وبالتأكيد إنه من غير الأخلاقي أيضاً، حرمان الناس من المساعدة عقاباً لهم على خياراتهم الديموقراطية، حتى لو اعتبرنا أن هذا الخيار الديموقراطي قد أتى بخيار "خاطئ" إلى السلطة.
إن إملاء الخيارات على البشر عبر الحصار يخلق المرارة والحنق في نفوس الناس، وبدل أن يدفع باتجاهات أكثر مرونة يدفع باتجاهات أكثر تطرفاً، وليس أدل على ذلك من ارتفاع شعبية حركة "حماس" بعد سياسات الحصار المعتمدة، وقد أعطت استطلاعات الرأي الأخيرة لحركة حماس شعبية غير مسبوقة في تاريخها، حيث أيدها 47% مقابل 39% لحركة "فتح"، وهو استطلاع قام به "مركز البحوث والدراسات المسحية" الذي يديره خليل الشقاقي. وكان جيمس ولفينسون، مبعوث الرباعية المستقيل، حذر من الوضع قائلاً "إذا كان لديك مليون ولد في الشارع، لا مدارس يذهبون إليها، وإذا لم يكن لديك تسهيلات صحية، وإذا انهارت الأطر الأساسية في الأراضي الفلسطينية، يصعب تصور أنك ستحصل على سلام". ويضيف محذراً "على الغرب ألا يفكر في محاولة تجويع الفلسطينيين لإخضاع "حماس" لأن هذا "رهان خاسر".
كل ذلك في الوقت الذي يسود الصمت على الجرائم الإسرائيلية اليومية التي يرتكبها الاحتلال بحق البشر والأرض. وهذا الانحياز يخلق مرارة إضافية عند الفلسطينيين، والذين يصورون وكأنهم هم الذين يحتلون تل أبيب. إنه وضع غير أخلاقي بكل المقاييس، فلا يمكن الصمت عن جرائم الجلاد (الاحتلال) وتوجيه اللوم، كل اللوم إلى الضحايا (الواقعين تحت الاحتلال)
إن الضغط الدولي يتركز على المكان الخطأ، فبدلاً من الضغط على الفلسطينيين، يجب أن يتوجه الضغط الدولي إلى "إسرائيل" لأنها الجلاد الذي ارتكب الجريمة بحق الشعب الفلسطيني، لا توجيه الضغط على الضحية التي قدمت كل ما يمكن تقديمه وتركت في العراء دون غطاء، واليوم تترك بلا قوت يومي.
إن أي مفتاح حقيقي لسلام حقيقي في المنطقة لا يمكن أن يمر إلا عبر توقف "إسرائيل" عن جرائمها بحق الفلسطينيين وممارساتها غير القانونية وإنهاء الاحتلال والكف عن قمع الشعب الفلسطيني.
من العار الأخلاقي أن تلقي الدول الغربية المسؤولية على كاهل الفلسطينيين، وتحملهم مسؤولية ما آل إليه الوضع في المنطقة مبرئة الاحتلال الإسرائيلي، خالق المشكلة ومسببها الرئيسي.
*كاتبه فلسطينية - صحيفة الوطن السعودية