صحيفة الخليج الإماراتية منذ أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وشكلت الحكومة الفلسطينية باتت العلاقة بين السلطة الفلسطينية والعالم لا سيما الغربي منه محكومة…
صحيفة الخليج الإماراتية
منذ أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وشكلت الحكومة الفلسطينية، باتت العلاقة بين السلطة الفلسطينية والعالم، لا سيما الغربي منه، محكومة بعملية المواجهة والصدام. ومن الواضح أن "إسرائيل" والدول المؤثرة والفاعلة في الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية قد حسمت موقفها نهائياً بضرورة تحطيم حكومة حماس من خلال الحصار الاقتصادي وسياسة التجويع المفروضين على الشعب الفلسطيني، مادامت حركة حماس تصر على رفضها الاعتراف بـ "إسرائيل" والتفاوض معها.
وإذا كانت الإدارة والكونجرس الأمريكيان قد قطعا جميع العلاقات التجارية والاقتصادية والمساعدات الأمريكية مع فلسطين، فإن الاتحاد الأوروبي لم يعلن مثل هذه المقاطعة تجاه السلطة، لكن زعماءه اتخذوا قراراً يقضي بفرض مقاطعة مالية واقتصادية ودبلوماسية تجاه جميع المؤسسات الفلسطينية الرسمية، وحتى نصف الرسمية. كما أن مؤسسات الدعم والمساعدة الدولية تقوم بإخراج موظفيها بهدوء وتتراجع تدريجياً عن النشاطات والبرامج المشتركة التي كانت موجودة.
وفي سياق استمرار ممارسة الضغوط على حكومة حماس، صعدت "إسرائيل" من عدوانها وغاراتها الجوية وعمليات التصفية ضد القيادات والكوادر المجاهدة والمؤمنة بخيار المقاومة في فلسطين. إن "إسرائيل" بإبرازها الخيار العسكري، وشن حملة عسكرية في الأراضي الفلسطينية لتدمير بنية المقاومة الفلسطينية، وإغراقها في الفوضى، تريد أيضاً أن تفهم قادة الحكومة الفلسطينية الجديدة أنهم لا يزالون على قائمة الإرهاب حسب وجهة النظر الصهيونية، وأنهم لا يزالون من المطلوبين.
ويواجه قادة حماس اليوم مهمة غاية في الصعوبة والتعقيد، إذ يتعين عليهم التوفيق بين الأيديولوجيا المعلنة التي يتبعونها، والتي تنص على النضال من أجل تحرير فلسطين، والتمسك بثقافة المقاومة التي تعتنقها حماس، على الرغم من تسلّمها زمام السلطة، ورفض حماس إدانة العمليات الاستشهادية ضد العدو الصهيوني، وبالتالي رفض الانقلاب ضد هؤلاء الناشطين الراديكاليين حتى لو تصرّفوا من دون موافقتها، وبين ضرورة التفاهم مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المتمسك بحقوقه وصلاحياته وامتيازاته، وتقديم ضمانات إلى المجتمع الدولي، الذي يحرمهم من المساعدات المالية ويضغط عليهم للاعتراف بـ "إسرائيل".
ولا تستطيع حماس الاعتراف بـ "إسرائيل" لأسباب سياسية وأيديولوجية وقانونية، لأن "إسرائيل" التي يريد المجتمع الدولي أن تعترف بها غير واضحة المعالم. فضلاً عن ذلك فإن تجربة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت من قبل بـ "إسرائيل"، ووقعت اتفاق أوسلو، الذي أفضى إلى قيام الحكم الذاتي الفلسطيني، بعد أن انتقلت الحركة الوطنية الفلسطينية من آلية العمل المسلح إلى آلية التفاوض والتسوية السلمية لحل الصراع مع الكيان الصهيوني، قادت إلى إخفاق كامل لعملية التسوية وما نجم عنها من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وموت اتفاق أوسلو، والتنكر الأمريكي ومن ورائه اللجنة الرباعية لخريطة الطريق، وبالتالي لقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. يقيناً أنه في العصر الشاروني ابتلع الجدار العنصري ما تبقى من أراضي الضفة الغربية، وقطع أوصال الدولة الفلسطينية الموعودة إلى كانتونات، بدلاً من أسوار القدس. ولا تريد حركة حماس أن يكون مصير قيادتها كمصير ياسر عرفات الذي عاش آخر سنوات عمره محاصراً في مقر إقامته.
ولهذا لا يبدو أن زعماء حماس على استعداد للحد من أهدافهم ومشاريعهم بشأن الجهاد في سبيل تحرير فلسطين، ولكنهم مجبرون على إيجاد وسائل تكتيكية تسمح لهم أولاً بالتحمل والصمود. أما الأمر الأكثر إلحاحاً اليوم فيتمثل في كسب الوقت وتفادي مضاعفة العمليات الاستشهادية الضخمة، التي تقود إلى عمليات انتقامية شرسة من جانب الكيان الصهيوني.
وتحتاج حركة حماس إلى فترة هدنة طويلة من أجل إرساء سلطتها، وفرض احتكار الأسلحة على ميليشيات "فتح" التي لا تزال تتمتع بقدرة كبيرة على إحداث ضرر كبير في حال اندلاع اقتتال فلسطيني- فلسطيني. وقد توافق حركة حماس على نوع من التعاون مع "إسرائيل" ولو بطريقة غير مباشرة في عدد من المسائل العملية التي تتطلب توافق الطرفين.
ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة ما فتئت حركة حماس تخفف من حدة خطابها السياسي من دون أن تتخلى عن مبادئها الأيديولوجية، وتتصرف بحكمة وتعقل في خدمة استراتيجيتها السياسية. وليس أمامها سوى هذا الحل.
بيد أن الكيان الصهيوني يعتبر أن هذه الاستراتيجية تشمل على المدى البعيد عددًا من المخاطر. ومن وجهة نظره يتمثل الخطر الأول في منح الحركة الوقت الكافي لإعادة تنظيم نفسها وتعزيز قوتها العسكرية قبل اختيار اللحظة المناسبة لخرق الهدنة والانطلاق في دورة مقاومة جديدة. أما الخطر الثاني فيتمثل في تحالف حركة حماس مع إيران، التي تعمل على تعزيز وجودها في الأراضي الفلسطينية وذلك من خلال مد حماس ومساعدتها على الصعيدين المالي والاستراتيجي. وهناك من يراهن في الغرب على أن حركة حماس بفضل الضغوط الدولية قد تتخلى عن ميثاقها وتسير على طريق المفاوضات فلا تعود الحركة هي نفسها. بيد أن حماس تظل أسيرة أيديولوجيا لا يمكن أن تتخلى عنها من دون التأكد من زوال الاحتلال عن كامل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، ووقف الاعتداءات التي يشنها جيش الاحتلال "الإسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس، وعندها يصبح الحديث عن الاعتراف أمراً ممكن.