صحيفة الخليج الإماراتية قيل في الأمثال شر البلية ما يضحك أمة جاوزت المليار والنصف أو تكاد وبلغ احتياطي الطاقة فيها أكثر مما يختزنه العالم بأسره ويصح القول عنها إنها عالم المال…
*
صحيفة الخليج الإماراتية
قيل في الأمثال (شر البلية ما يضحك)، أمة جاوزت المليار والنصف أو تكاد، وبلغ احتياطي الطاقة فيها أكثر مما يختزنه العالم بأسره، ويصح القول عنها إنها عالم المال من دون منازع، أما احتياطي الذهب فيها فقد بلغ أرقاماً مذهلة، دائنية البعض منها إلى المصارف والشركات الأمريكية والأوروبية لا يمكن حصرها. تستطيع أن توقف الحياة إذا حزمت أمرها وتوحدت على شيء، هذه الأمة هي الأمة الإسلامية وفي قلبها يقع العرب بموقعهم وثرائهم وحيوية دولهم، أمة ذات موروث قيمي وحضاري، لا يمكن الاختلاف بشأنه، وقدرة اقتصادية هائلة ومعطلة في آن واحد، عاجزة عن مد يد العون إلى 160000 موظف فلسطيني لا تتجاوز مرتبات البعض منهم عشرات الدولارات.
ولو قدر لسكان هذه الأمة البائسة التي تتوزع على قارات العالم الخمس، التبرع بدولار واحد كل عام ومن كل فرد لأمكن بسط الأرض مالاً أمام الجياع في فلسطين أو في غيرها من دول الجوع الإسلامي، ولأمكنهم كف القادة الفلسطينيين عن سكب ماء الوجه أمام قادة دول الاستكبار العالمي الرخيص، وتلك من أشد المواقف إيلاماً للذات الإسلامية أولاً والعربية ثانياً.
وتنقلنا هذه الصورة على بؤسها إلى عكس ما كان يفعله سكان القرى المنسية في أهوار العراق وممن كانوا ولا يزالون يسمون ب "المعدان" سكنة الجبايش، والتي أشارت الكثير من الدراسات إلى أنهم من بقايا السلالات السومرية التي حافظت على قيمها وعاداتها ومن ثم اعتنقت الإسلام وتوشحت بمبادئه السمحاء فنسج لها رداء جديداً عزز وأكسب نسيجها الاجتماعي وقيمها التربوية لوناً جديداً، هؤلاء ظلوا ملازمين للفقر، كما ظل الفقر ملازماً لهم، ارتضوا العيش فوق برك محدودة من مياه الهور الآسنة، ليس لديهم من زاد الدنيا سوى ثلة من ماشية الجاموس، وهمهم لا يتعدى اصطياد ما تجود به مياه الهور من سمك وطيور، يبادل البعض منها ومن سمن الجاموس أرزاً وملبساً، بيوتهم مصنوعة من القصب ومغطاة بصفيح البردي ولأنها كذلك فمن السهل أن تكون عرضة للاحتراق نتيجة عبث الأطفال أو إهمال النسوة، لكن الحريق ما أن يحصل ويتوارى ويحيل الدار إلى رماد، حتى يتناخى "المعدان" شيباً وشباناً ليعيدوا الدار بأحسن مما كان، أما النسوة فيتبرعن عفشاً جديداً مما تم استبداله بسمن الجاموس ومردود الطيور والسمك.
هؤلاء هم سكان القرى المنسية، فكم من قاع سحيق انحدرت إليه هذه القيم السخية ليستعصي على المليار ونصف المليار ممن يتربعون على عرش المال في العالم إعالة الجياع من المعذبين المستلبين من شعب فلسطين ولتظل اليد الإسلامية مغلولة حتى العنق على الجياع ومبسوطة كل البسط على المتخمين من الأسياد أحفاد صهيون.
ومن يسمع نداء قادة المسلمين وزعمائهم ليس بعض الوقت بل كله، بأن القدس ينبغي أن تبقى قبلة المسلمين وأن فلسطين ينبغي أن تعود لأهلها، يتصور أن خلف هذا النداء تصميماً ودعماً وقوة، لكنه على ما يبدو محض نداء، إذ كيف يمكن لجياع فلسطين استرداد القدس، أليس في الجوع ضعف وهوان واستسلام؟ أولا يعني السكوت عن دعم الشعب الفلسطيني جره إلى خانة الضعف والاستسلام والكارثة؟ وعند ذاك لا مجال للحديث لا عن عروبة فلسطين ولا حتى عن القدس قبلة المسلمين.
* أستاذ العلوم السياسية/جامعة بغداد