محاولات الالتفاف على حكومة حماس وتهميشها

محاولات الالتفاف على حكومة حماس وتهميشها

د.محمد الغزي
2006-05-02

وصل شهر ابريل إلى نهايته دون أن يستلم موظفو الحكومة رواتبهم وسقط رهان الاحتلال والإدارة الأمريكية ومن حذا حذوهما على ترويع الشعب الفلسطيني وتحريضه ضد حكومة حماس ما يدل على مدى…

*

وصل شهر ابريل إلى نهايته دون أن يستلم موظفو الحكومة رواتبهم، وسقط رهان الاحتلال والإدارة الأمريكية ومن حذا حذوهما على ترويع الشعب الفلسطيني وتحريضه ضد حكومة حماس، ما يدل على مدى تخبط الحكومات الغربية المعادية لحكومة حماس والشعب الفلسطيني الذي انتخبها وسوء حساباتها وضعف مواقفها.

لم يخرج الشعب الفلسطيني في مظاهرات للاحتجاج على حكومة حماس؛ بل خرج الموظفون بمسيرات كبيرة تأييدا لحماس واحتجاجا على تلك الضغوط الجائرة ونكاية في فارضي الحصار والتجويع على شعبنا المناضل.  لم تنل الحكومات التي تمارس الحصار المحكم على شعبنا الفلسطيني  ما حلمت به من ظهور بوادر استسلامه أو يأسه، فشعبنا الفلسطيني يعي المؤامرة جيدا ولا يهزه التجويع أو نقص المال، كل ما يهمه هو دحر الاحتلال واسترداد حقوقه المسلوبة التي عمل المجتمع الدولي جاهدا على إضاعتها بدعمه للاحتلال ولكيانه الغاصب.

الشارع الفلسطيني محبط .. ليس بسبب عجز الحكومة الجديدة عن توفير مرتبات موظفيها؛ وإنما بسبب الإجراءات الأمريكية والأوروبية والصهيونية الظالمة التي تهدف إلى حرمانه من حقه في اختيار من يحكمه ويمثله، فحكومة حماس لا ذنب لها في الحصار والتجويع .. فهي لم تُعط الفرصة لأداء مهامها ومزاولة أعمالها؛ بل انهالت الضغوط عليها قبل أن تتشكل.

الشعب الفلسطيني ساخط، على مدبري الفتن والدسائس في المجتمع الفلسطيني، وهو يعلمهم جيدا ولا تخفي عليه الجهة التي يعملون لحسابها، وهو غاضب على كل من يسعى للنيل من قدرة الشعب الفلسطيني على الصبر في وجه التهديدات الظالمة بنشر الشائعات وإشاعة الفوضى، وهو ناقم على كل من يحاول أن يصور، زورا وبهتانا، شعبنا الفلسطيني على أنه يقبل الهوان والتفريط بالحقوق من أجل المال.

لقد تجاوز ظلم الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، التي تزعم حرصها على السلام العادل، قطع المساعدات المالية عن الشعب الفلسطيني إلى منع وصول التبرعات العربية والإسلامية والدولية إلى شعبنا المحاصر في فلسطين، وكعادتها السيئة، في التسلط على الشعوب وقهرها، تهدد إدارة بوش البنوك بالقطيعة والمعاقبة إن قامت بإيصال التبرعات إلى أصحابها الفلسطينيين.

أدى ظلم الأعداء وسوء تقديرهم إلى تأكد الشعب الفلسطيني من ظلم المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فازداد شعبنا تأييداً لحماس وتعاطفاً معها، وخاب ظن أعداء الشعب الفلسطيني، وتوشك الضغوط المالية، المصحوبة بالحصار والتجويع، على الوصول إلى نهايتها المحتومة والفشل الذريع، وقد أدرك الأمريكيون والأوروبيون أن استمرار الضغوط سيؤدي إلى ما هو أسوأ وفشل كل مؤامراتهم التي ترمي إلى إفشال المشروع الإسلامي المتمثل في «حماس» وترويض شعبنا وإحباطه واضطراره للاستسلام من أجل المال.

كان لا بد للغربيين، من أعداء الشعب الفلسطيني، من بدء فصل جديد من المحاولات ولكن بنكهة فرنسية، هذه المرة، بعيدا عن التخبط الأمريكي الغليظ ورعونته الفاحشة، وبمنأى عن الإجرام الصهيوني الذي يهدف إلى سحق الشعب الفلسطيني، لذلك سعت حكومة فرنسا إلى الالتفاف حول حكومة حماس وتهميشها، وامتصاص غضب الشارع الفلسطيني على ممارسات الحكومات الغربية المنحازة للاحتلال والداعمة له، فاقترحت الحكومة الفرنسية إنشاء صندوق يرعاه البنك الدولي لنقل المرتبات للموظفين.

ويبدو للوهلة الأولى أن هذا الخيار ينم عن ذكاء خارق، ولكن الحقيقة أنه يبدو غير ذلك تماما، فهو يقوم على أساس إعادة إحياء سلطة أوسلو لتسرق صلاحيات الحكومة الفلسطينية، ولكن هيهات أن ينجه ذلك الخيار، فشعبنا لا يثق بسلطة أوسلو وإفرازاتها وأزلامها، لقد باعوا الشعب والوطن والحقوق، فلا متسع عند شعبنا لتسليم ذمام الأمور لهم وتأمينهم على شعبنا وحقوقه.

الالتفاف على حكومة حماس يتضمن تجريدها من كل صلاحياتها وتحويلها إلى مجلس بلدي يرعى الأمور المدنية للشعب الفلسطيني، ليستأثر رئيس السلطة محمود عباس وحاشيته بالسياسة والمال والأمن، ويتولى إجراء فصول جديدة من التفاوض تحت غطاء عربي ودولي وتأييد من بعض الفصائل الفلسطينية التي تلتزم اتفاق أوسلو رغم موته ونقض الكيان الصهيوني له، وهكذا تجد حماس نفسها، نتيجة هذا الالتفاف، خارج دائرة اتخاذ القرارات المصيرية لشعبنا الفلسطيني.

كل الأصابع تشير إلى المبادرة العربية التي لا تختلف كثيرا عن مبادرة جنيف، فهي لا تضمن إلا التطبيع مع الكيان الصهيوني وإقامة سلام دائم معه، أما حقوق شعبنا الفلسطيني في تحقيق مصيره على تراب وطنه في دولته المستقلة فلا ضامن لها، فحق عودة الفلسطينيين الذين هجَّرهم الإرهاب الصهيوني من بيوتهم في فلسطين المحتلة عام 1948م هو محل تفاوض مع الصهاينة، ولهذا يؤمن الشعب الفلسطيني أن لا سبيل لتحقيق تطلعاته ونيل حقوقه إلا بالعودة إلى المقاومة في ظل انتفاضة ثالثة لا تبقي مجالا للاستسلام ولا تذر ظلماً.

إن ما تسعى إليه فرنسا ومحمود عباس لا يؤدي إلى تهميش حكومة حماس واحتوائها فحسب؛ بل يؤدي أيضا إلى إحباط الجهود العربية الشعبية لدعم حكومة حماس والشعب الفلسطيني، إن الحكومات الغربية، الداعمة للكيان الصهيوني والمعتدية على شعوبنا العربية والإسلامية، تخشى من أي تحرك شعبي عربي إسلامي يمكن أن يتطور إلى حملة شعبية منظمة تؤدي إلى تعطيل المصالح الغربية التي تمارس عدوانها على الشعب الفلسطيني، وتلك من أبرز المحاذير التي سوغت للحكومة الفرنسية الدعوة إلى إنشاء صندوق يرعاه بنك الاستغلال والابتزاز المسمى بالبنك الدولي.

أكثر ما يقلق المجتمع الدولي الظالم أن الشعب الفلسطيني يبدي تفهما للمصاعب والتحديات التي تواجهها حكومة حماس، وهو على استعداد أن يصبر على الجوع والحصار تضامناً معها ورفضاً لمساعي إسقاطها، ونتائج انتخابات جامعة بيرزيت في الضفة الغربية وكلية مجتمع العلوم التقنية والمهنية في قطاع غزة دليل واضح على ذلك، وهذا ما أكده أيضا استطلاع للرأي قامت بها جامعة بيرزيت واستطلاعات أخرى أكدت على التفاف الشعب حول حماس وحكومتها وخيارها، فهل بعد كل ذلك تملك الحكومات المعادية لحماس وحكومتها أن لا تصمت؟!

عندما يخيَّر الشعب الفلسطيني بين بيع أرضه وحقوقه أو فقدان قوت يومه أو ما هو أشد من ذلك وأقسى فسوف يختار الجهاد والمقاومة، ولن يأبه لما يحيكه المجتمع الدولي بقيادة المحافظين الجدد الأمريكيين والصهاينة من مؤامرات ضد الشعب الفلسطيني.

يرافق هذا التأييد الشعبي المتعاظم لحكومة حماس تحولا مهماً على الساحة الفلسطينية يتمثل في إقبال شديد على المساجد وتعاظم الشعور بمصداقيتها وصحة نهجها، إن كثيرا ممن كانوا ينتسبون إلى فصائل وطنية مؤيدة لسلطة أوسلو أخذوا يبذلون جهودا طيبة في حشد الدعم المعنوي والشعبي لحماس وحكومتها؛ بل راح بعضهم يحث الشعب على التضامن مع الحكومة والصبر والثبات في وجه كل الضغوط والابتزاز الظالم.

لذلك فالرهان على إفشال حكومة حماس مصيره الفشلً، ففي الوقت الذي اقتصرت فيه جهود سلطة أوسلو على التنسيق الأمني مع الصهاينة والتصدي للمقاومة .. كانت حماس تتولى رعاية شؤون الأسرى والمعتقلين وترعى أسرهم، وتقدم المساعدات المالية والتعليمية لأسر الشهداء والأيتام والمحتاجين، وتقيم مؤسسات الخدمات الاجتماعية لسد حاجات شعبنا المقهور، فحماس كانت تمارس كل أعمال أي حكومة مخلصة لشعبها، وستبقى حماس كذلك مهما تكالب عليها أعداء الشعب الفلسطيني لإفشالها أو تهميشها.

لقد أقامت حماس المؤسسات التعليمية والصحية والدينية التي عززت صمود الشعب في وجه الاحتلال، وكذلك ساهمت ببطولة فائقة في التصدي لعدوان الاحتلال وصد توغلاته واجتياحاته المتكررة، وقد سدد جهازها العسكري ضربات موجعة لجيش الاحتلال وأذلته واستنزفت قواه، كل هذا وذاك يجعل نجاح مشروع حماس لا يتوقف على تهميش الحكومة أو إسقاطها.

إن نجاح المشروع الإسلامي الذي تحمله حماس يعتمد، بعد نصر الله عز وجل وتأييده، على قدرتها على الصبر والثبات وعدم التفريط بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وحشد جهود الشعب الفلسطيني وقواه وتوحيدها لمقاومة المشروع الصهيوني، ووقف تغلغل الصهاينة إلى المجتمعات العربية والإسلامية تحت غطاء التطبيع، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني والقضاء على العوامل التي قد تؤدي إلى إنهاكه وضعفه أمام إجرام الاحتلال وهمجيته، واستمرار مسيرة الإصلاح ومحاربة الفساد، والقضاء على شبح الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية.

وكل ذلك لا يتم إلا من خلال تحويل المشروع الذي تحمله حماس إلى مشروع إسلامي عالمي تتبناه الأمة ليستنهضها ويفتح لها ميادين الجهاد وآفاق العمل لمقاومة العدوان على بلادنا والتصدي للهجمة الأمريكية على أمتنا.

*كاتب واستاذ جامعي فلسطيني

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026