ديمقراطية حسب الطلب الأمريكي

ديمقراطية حسب الطلب الأمريكي

د. خالد صافي
2006-05-02

د خالد محمد صافي يشكل رد الفعل الأمريكي على فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية دليلا واضحا وجليا على طبيعة الديمقراطية التي تنادي وتنظر لها الولايات المتحدة في العالم العربي…

د. خالد محمد صافي

يشكل رد الفعل الأمريكي على فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية دليلاً واضحاً وجلياً على طبيعة الديمقراطية التي تنادي وتُنظر لها الولايات المتحدة في العالم العربي، وهي ديمقراطية حسب الطلب والمقاس الأمريكي.

فبالرغم من فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في انتخابات تشريعية نزيهة شهدت لها الكل بما فيهم فرق المراقبين الدوليين من أمريكا وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر فإن الولايات المتحدة رفضت التعامل مع نتائجها. إضافة إلى أن هذه الانتخابات كانت من المطالب الأمريكية الإصلاحية للسلطة الوطنية الفلسطينية وتعد أحد الاستحقاقات الهامة على الطرف الفلسطيني وفق خارطة الطريق. وفوق ذلك كان هناك إصرار أمريكي على إجراء هذه الانتخابات بالرغم من محاولة قيادات في حركة "فتح" وعلى رأس السلطة تأجيلها المرة تلو الأخرى ربما تمهيداً لإلغائها نهائياً أو على الأقل في المرحلة القريبة القادمة. وهذه يجعلنا نرى بأن الديمقراطية الأمريكية محكومة بسقف المصلحة السياسية للولايات المتحدة الأمريكية.

فقد هدفت الولايات المتحدة من وراء إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والضغط على الإدارة المصرية لإعطاء هامش أكبر من الحرية في الانتخابات التشريعية الأخيرة فيها إلى محاولة احتواء الإسلام السياسي المعتدل. ولكن أن تكون المشاركة ضمن النطاق المسيطر عليه بمعنى أن تكون المشاركة للإسلام السياسي المعتدل المتمثل في تيار الإخوان المسلمين في السلطة كقوة معارضة ولكن ليس القوة الحاكمة الممسكة بزمام السلطة. حيث يشكل ذلك محاولة احتواء وترويض تدريجي للتيار الإسلامي من خلال إشراكه في النظام السياسي، وتفريغه شيئاً فشيئاً من الطابع الثوري الراديكالي الذي اتسمت به بعض تياراته.

ومع ذلك ويبدو وحسب بعض التقارير التي أفادت أن الولايات المتحدة كانت على علم بإمكانية فوز حركة "حماس" في الانتخابات نظراً لضعف حركة "فتح" وتشرذمها وتراجع شعبيتها بسبب الأداء غير المرضي عنه جماهيرياً في الميادين السياسية والمالية والإدارية ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية قد سمحت بإجراء الانتخابات في موعدها المقرر وأتاحت الفرصة للحركة للوصول إلى السلطة. وهنا يبرز الاحتمال القائل بأن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى توظيف فوز حركة "حماس" إلى مصلحتها وذلك من خلال احتمالين- الأول ترويض حركة "حماس" للقبول بالرؤية الأمريكية للأفق السياسي للشرق الأوسط، ودفعها للسير في ركابه. والثاني في رفض حركة "حماس" لذلك مما يمهد الطريق أمام التعاطي الأمريكي الكامل مع إسرائيل في خطتها أحادية الجانب وفق الوعد الذي منحه بوش لشارون في 16/4/2004، وتحميل الطرف الفلسطيني كامل المسؤولية عن تعطيل المسار السياسي، وبذلك تتنصل الولايات المتحدة وإسرائيل من أي مسؤولية عن فشل خارطة الطريق.

كل ذلك يبرز أن الإدارة الأمريكية تطبق معايير مزدوجة في تعاطيها مع الديمقراطية. فهي قد قبلت الديمقراطية الانتخابية الأخيرة في مصر لأنها كانت ضمن الحدود الممكنة. كذلك قبلت بنتائج الانتخابات التشريعية العراقية لأنها أتت بشخصيات تسير وفق الرؤية الأمريكية للنظام السياسي العراقي إضافة إلى انخراط قيادات من طائفة السنة في الانتخابات وبالتالي في النظام السياسية المدعوم من الولايات المتحدة. أما الانتخابات الفلسطينية فتعاملت معها بعقلية مغايرة طبقاً للأهداف الأمريكية وبالتالي بدأت فوراً في محاصرة حركة "حماس" مالياً واقتصادياً وفرض العزلة السياسية عليها. ومن الواضح أن الولايات المتحدة لا تهدف آنياً إلى إسقاط حكومة "حماس" بل الضغط عليها من أجل فتح الطريق أمام الترويض السياسي وهي اللعبة التي لعبتها بصورة مشابه مع قيادة حركة "فتح" في منظمة التحرير الفلسطينية في أواخر السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي فيما عرف آنذاك بالحوار الأمريكي الفلسطيني.

ولكن من الواضح أن سياسة الولايات المتحدة تجاه حكومة "حماس" يشكل ضربة قوية للتيار الإصلاحي الديمقراطي في العالم العربي. حيث بدا أن أي ديمقراطية لا يمكن أن تنجح إلا إذا جاءت وفق الرؤية والشروط الأمريكية. وأن الشعار الديمقراطي الأمريكي حول حرية الشعوب وحقها في اختيار حكوماتها قد ثبت زيفه وبطلانه وتاه وسط الضغوط والعزلة الممارسة على حكومة حركة "حماس" التي وصلت للحكم ضمن انتخابات حرة نزيهة، ومعبرة عن إرادة الشعب الفلسطيني. وشكل السلوك الأمريكي إحراجاً أمام دعاة الإصلاح الديمقراطي، والمنظرين للديمقراطية الأمريكية ومشاريعها الإصلاحية التي تتحفنا بها بين الفينة والأخرى. وخير مثال على ذلك ما قاله الدكتور سعد الدين إبراهيم -رئيس مركز أبن خلدون للدراسات الإنمائية في القاهرة، وأكبر المنظرين للإصلاح الديمقراطي الأمريكي- في مؤتمر للجنة الدولية الديمقراطية عقد مؤخراً في تركيا "إن الموقف الأمريكي الأوروبي من نجاح حماس قد أحرجنا كديمقراطيين".

كما أن نجاح حركة "حماس" في الانتخابات سيدعم من وجهة نظر الأنظمة الرسمية العربية القائمة والقائلة بأن البديل عنها سيكون صعود الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم. وأنه سيكون من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية التوقف عن مشاريع الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي، وبالتالي التوقف عن الضغط على الأنظمة القائمة بإدخال إصلاحات ديمقراطية. حيث من الواضح أن الشعوب العربية ذات التنشئة الدينية المحافظة، والتي تدرك حقيقة عجز الأنظمة الرسمية العربية وضعف أدائها على الصعد كافة سوف تختار التيارات الدينية في حالة إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة لاسيما في ظل ضعف وترهل التيارات القومية والعلمانية واليسارية. وقد أدرك المنظرون للإصلاح الديمقراطي إمكانية توظيف الأنظمة الرسمية لفوز حركة "حماس" لمصلحتها من خلال التنظير لخطاب سياسي رجعي محافظ يغلق الباب أمام أي حركة إصلاحية في بلادها. ولذلك بادر أيضاً الدكتور سعد الدين إبراهيم إلى التوجه للأمريكيين والأوروبيين قائلاً "ساعدونا على ممارسة الضغوط على الأنظمة المستبدة، وأن تقبلوا بمن ينجح في انتخابات نزيهة وديمقراطية، حتى لو جاءت هذه الانتخابات بالإسلاميين الذين نختلف معهم... أنا أفضل إسلامياً يعبر عن استعداده بالالتزام بالديمقراطية على هذه الأنظمة التي تدعي العلمانية".

وفي ظل ديمقراطية أمريكية مزيفة، وفي ظل أنظمة عربية رسمية تتقوقع حول خطاب سياسي وإعلامي محافظ ستدخل العملية الديمقراطية الإصلاحية الحقيقية ودعاة الإصلاح الوطنيين في أزمة جديدة، ومتاهات وتحديات عديدة تهدد آي أمكانية للنهوض بالواقع العربي، وتقوض إي فرصة للتغيير وتجاوز الوضع الحالي المأزوم.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026