قرأت واستمعت لخطاب السيد خالد مشعل أكثر من مرة وبعيدا عن بعض التغيرات التي طرأت على محياه فلم أشعر أنه تجاوز محرمات وطنية أو خطوطا حمراء بحيث يستدعي خروج حفلات السيرك البهلوانية…
*
قرأت واستمعت لخطاب السيد خالد مشعل أكثر من مرة، وبعيدا عن بعض التغيرات التي طرأت على محياه، فلم أشعر أنه تجاوز محرمات وطنية، أو خطوطا حمراء، بحيث يستدعي خروج حفلات السيرك البهلوانية، وصدور البيانات المعدة سلفا، التي ذكرتنا بما قرأناه عن بيانات الحرب الأهلية في لبنان، ومواسم انشقاقات فصائل منظمة التحرير، بالعكس فقد يكون ما تحدث به الخطاب يعكس لسان حال الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة والقطاع، وربما تحسب لمشعل قدرته على الاستشعار عن بعد وتحسسه لما يجول في خواطر الفلسطينيين من سوء المآل الذي وصل إليه بعض أبنائهم والمنتسبين إليهم...
حجم الغضب الذي كان يتسم به الخطاب عبر عن أزمة، وهي أزمة ظاهرة وبادية يعاني منها الفلسطينيون، كل الفلسطينيين، باستثناء المشاركين في افتعال هذه الأزمة الخانقة، التي تأخذ أبعادا اقتصادية وأمنية وإدارية، ولم يكن بالإمكان على رجل يقود حركة تقود الفلسطينيين وتتحدث باسمهم، بعد ان انتخبوها بصورة ديمقراطية نزيهة انطلاقا من حق مكتسب لهم، وليس منة من أحد، أن يبدو كما لو أن حجم الأزمة التي تحدق بشعبه لا تعنيه من قريب أو بعيد.
ربما نتفق أو نختلف على حجم جرعات الغضب التي كان بإمكان مشعل أن يرسلها للجماهير، التي تتلقف خطاباته بصورة لفتت أنظار جميع الإعلاميين والصحفيين، بعد ان تحول إلى شخصية كاريزماتية آسرة، ولكن نستطيع التكهن أن الغضب الذي لم يعتد الفلسطينيون على رؤيته على محيا أحد كبار زعمائهم فيه كان مرده إلى أن السيل قد بلغ الزبى!
لقد انتظرت طويلا لأعلق على الخطاب الذي أخذ حيزا واضحا من مداد الكتاب، وصفحات الجرائد، وساعات بث الفضائيات، فوصلت إلى استنتاجات أهمها
1- من انتقد خطاب مشعل يأخذون على قادة "حماس" أنهم يفتقرون إلى القدرة في عدم مجاراتهم للواقع الدولي، وألاعيب السياسة الدولية، طبعا بالمفهوم الميكيافيلي الرخيص، وإلا فقد كان المطلوب من مشعل حسب من انتقده أن ينقل للشعب رسالة خادعة كما فعلها من سبقه في قيادتنا نحو الهاوية!
2- مشكلة مشعل، كما قادة "حماس" أنهم لا يتقنون استخراج الابتسامات الصفراء التي يتقنها غيرهم بجدارة، ممن باتوا ممقوتين من قبل الجمهور الذي يراهم يتقنون دور برز الثعلب يوما!! وبالتالي أخفق مشعل غير آسف بالتأكيد في استنساخ تلك الابتسامات التي تصنع خصيصا في ردهات الكونغرس والكنيست!
3- لم يخطئ مشعل حين تمسك بالمقاومة، وأعلن دعمه لها وقال بصورة واضحة رفضنا للتنازل مقاومة، وبقي قاموسه اللغوي مليئا بعبارات الاعتزاز بالمقاومين والشهداء الأكرم منا جميعا، يحتضنهم ولا يحقرهم، يسمو بهم ولا يتنصل منهم، ربما يعتبرها بعض المتسيسين سوء حصافة وقلة فطانة، فلا بد من مسايرة المجتمع الدولي، ولو أدى بنا ذلك إلى أن نصف مقاومتنا بالحقيرة!!
4- لا أعرف إذا كان الفتحاويون يذكرون ثورة "الإصلاحيين الجدد" المدعومة من "المحافظين الجدد" بمحاولة الانقلاب على ياسر عرفات، ووقف يومها خالد مشعل من دمشق، نعم من دمشق، يعلن رفضه لهذا الأسلوب الانتهازي الذي يحاول الانقلاب على زعيم محاصر من قبل العالم كله!
لم يكن موقف "حماس" حينها انفعاليا أو عاطفيا، ولم يكن تضامن مشعل مع عرفات هياما فيه، لكنه الموقف الوطني الذي تؤجل فيه الاختلافات الداخلية إلى حين الانتهاء من التهديد الخارجي... أليس كذلك؟ وبالتالي كان من حق مشعل أن يتوقع مساندة حركة "فتح" للحكومة وهي تواجه حصارا إسرائيليا وعالميا وعربيا، أو على الأقل تركها وشأنها تدير تركة وإرثا مسيئا لسلطة قادت شعبنا لأن يكون تحت طائلة الديون والارتهان المالي والاقتصادي!!
5- ليس ذنب مشعل أنه فكر للحظة واحدة أن الكل الفلسطيني لا بد وأن يتوحد في مواجهة حصار ظالم جائر، لكنه فوجئ بصبيانية رخيصة ومراهقة طائشة، يمارسها بعض العواجيز السياسيين الذين مللناهم وهم يقودونا من نكبة لأخرى!
وبالتالي لم يخطئ مشعل حين منح أبا مازن فرصة في حوار القاهرة فور انتخابه وأعلن التهدئة مع قوى المقاومة، حرصا منه على وصول الفلسطينيين إلى قواسم مشتركة، ولكن الخطأ لازم أبا مازن هذه المرة وهو يشهر أمام الحكومة ليل نهار سيف الصلاحيات، ونسيت مؤسسة الرئاسة أنها كانت إلى أمد قريب مسلوبة الإرادة بفعل استضعافها والنيل منها من كل من هب ودب!
6- لم يخطئ مشعل وهو يتحدث ليل نهار بلسان الوحدة والاصطفاف في صف واحد، وفي اللحظة التي فهمت رسائله بصورة خاطئة، كان لزاما عليه ان يعيد قراءة الرسالة ولكن بصورة أخرى، فكان ما كان، ولذلك لم يستهدف مشعل في خطابه حسب ما قرأت وحللت، جموع عناصر "فتح" وأبنائها، وإنما قصد كل من يضع العصي في دواليب الحكومة، ويصطف إلى جانب العالم كله في حصار الشعب، ومن يقضي بعض الأمسيات الترفيهية في تل أبيب! فهل هذه سلوكيات يقوم بها كل أبناء "فتح"؟ بالتأكيد لا...
7- لم يخطئ مشعل وهو يلبس كوفية عرفات، ويضع خلفه صور الشهداء ياسين والرنتيسي وأبو جهاد والشقاقي وأبو علي مصطفى وأبو العباس، وتحلل من موقعه التنظيمي وصولا إلى الموقع الأعم والأشمل بالحديث العام باسم الشعب الفلسطيني، من أخطأ حقيقة وارتكب خطيئة لن تغسلها مياه الأرض أولئك الذين يتحدثون باسم (القيادة الفلسطينية) وليس بينهم وبين الفلسطينيين سوى استخدام اسمهم لبيع حق عودتهم في وثيقة جنيف سيئة الذكر! معذرة إنهم ليسوا قيادة فلسطينية، وإنما فصائل (البيك أم) على ذمة فيصل القاسم!!
* باحث وأكاديمي فلسطيني.